fbpx
Loading

محمد بن سلمان: عامان من الخراب

بواسطة: | 2019-06-21T15:09:28+02:00 الجمعة - 21 يونيو 2019 - 3:09 م|الأوسمة: , |
تغيير حجم الخط ع ع ع

بعد وفاة العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز وصعود ولي عهده سلمان بن عبد العزيز لسدة الحكم في يناير/كانون الثاني العام 2015، بدأت صفحة جديدة في تاريخ المملكة، نتيجة اعتماد العاهل السعودي الجديد على نجله الأمير محمد بن سلمان، وبدء عملية تصعيده في المناصب حتى انتقل في غضون نحو عامين من شغل منصب وزير الدفاع ورئيس الديوان الملكي والمستشار الخاص للملك إلى تولي ولاية العهد، قبل عامين من الآن في 21 يونيو/حزيران 2017. وبقدر ما كانت الحرب المستعجلة التي أعلنت في اليمن، فضلاً عن الأحداث التي رافقت فترة صعود بن سلمان لكرسي ولي العهد وما تخللها من إقصاء لكل من  يعتقد أنه قد يقف في طريق تحقيق أهدافه، بمثابة مؤشرات على الطبيعة المتهورة التي تطبع تحركات ومغامرات بن سلمان، فإن حصيلة عامين من توليه منصب ولي العهد لم تكن أقل سوءاً، وتستحق وصفها بالخراب. ولا يعود السبب فقط إلى إخفاقاته السياسية والعسكرية داخل السعودية وخارجها، بل بسبب اعتماده البلطجة السياسية لإسكات كل من يعترض عليه، والتي بلغت حد قضية قتل الإعلامي السعودي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول بأوامر مباشرة منه، حتى أصبح مضطراً إلى “إعادة بناء سمعته المحطمة” على حد توصيف منظمة هيومن رايتس ووتش لكن من دون جدوى، وسط توقعات بأن تزيد الضغوط عليه بعد تقرير المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالإعدامات التعسفية أغنس كالامارد، الصادر أول من أمس الأربعاء، والذي أكد “وجود أدلة موثوق بها تستدعي المزيد من التحقيق” بشأن المسؤولية الفردية للمسؤولين السعوديين رفيعي المستوى (عن الجريمة) بما في ذلك مسؤولية ولي العهد”.

صعود عبر الإقصاء

ولم ينتظر بن سلمان كثيراً بعد تولي والده الحكم ليبدأ في تطبيق سياسته بالاستحواذ على مراكز النفوذ في المملكة. بدأ الأمر في إبريل/نيسان 2015 عندما عزل الملك السعودي شقيقه الأمير مقرن بن عبد العزيز من كرسي ولاية العهد، وأعطى هذا المنصب لابن شقيقه الأمير محمد بن نايف، في انتقال تاريخي للسلطة من أبناء المؤسس عبد العزيز آل سعود إلى أحفاده. كما قام بتعيين ابنه محمد بن سلمان في منصب ولي ولي للعهد (وهو المنصب الذي استحدثه الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز والمستشارين في محاولة لتسهيل طريق صعود ابنه الأمير متعب نحو سدة الحكم).

وبدأ محمد بن سلمان بسحب كافة الصلاحيات من ولي العهد محمد بن نايف في وزارة الداخلية التي يديرها نجل نايف منذ سنوات، كما قام بعزله عن اتخاذ أي قرارات سياسية واقتصادية. وقدم بن سلمان في إبريل 2016 رؤية “السعودية 2030” السياسية والاقتصادية بدون استشارة محمد بن نايف أو حتى إعلامه بها. كما اتخذ بن سلمان قرار حصار قطر بنفسه وعبر فريقه السياسي والاستشاري. وبلغت درجة التهميش التي تعرض لها محمد بن نايف إلى تغييبه عن أغلب فعاليات قمة الرياض، التي عقدت في مايو/أيار العام 2017، أثناء زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسعودية قبل الإعلان عن حصار دولة قطر بأيام قليلة، رغم أنه ولي للعهد ووزير للداخلية آنذاك.

وفي 21 يونيو/حزيران العام 2017 أصدر الملك سلمان أمراً بعزل محمد بن نايف من منصبه كولي للعهد، وتعيين محمد بن سلمان كبديل له، بعد اختيار 31 عضواً من أصل 34 من هيئة البيعة المكونة من أبناء وأحفاد الملك عبد العزيز له.

السيطرة على مقاليد الحكم

بعد أن سيطر بن سلمان على مقاليد الحكم في البلاد دون منافس، بدأ بتنفيذ سياساته، الداخلية والخارجية، التي وصفت بالمتهورة، بمعاونة من مستشاريه الذين لا يملكون أي خبرة سياسية، بحسب وصف صحيفة “نيويورك تايمز”، وهما سعود القحطاني وتركي آل الشيخ. الأول كان موظفاً عادياً في الديوان الملكي والثاني كان مجرد صديق شخصي لمحمد بن سلمان. وبدأت أولى حملات الاعتقالات، في مطلع سبتمبر/أيلول 2017 بشن حملة شرسة ضد “تيار الصحوة”، أحد أكبر التيارات الدينية في البلاد، والذي كان يحظى برعاية أفراد من الأسرة الحاكمة ومنهم محمد بن نايف. واعتقلت السلطات في غضون أيام فقط المئات من رموز “تيار الصحوة”، من بينهم الشيخ سلمان العودة والشيخ عوض القرني والداعية علي العمري، إضافة إلى الخبراء الاقتصاديين الذين عارضوا قرار بن سلمان بيع شركة “أرامكو” النفطية، ومن أبرزهم عصام الزامل، والكتاب السياسيين الذي احتجوا على الاعتقالات الجائرة من دون وجود سند قانوني لها، مثل خالد العلكمي، وأكاديميين وإعلاميين. وأعلن بن سلمان صراحة أن “تيار الصحوة”، الذي دعمه والده وأعمامه الملوك طوال 30 سنة، عدو للبلاد. وقال، في مؤتمر الاستثمار السعودي في أكتوبر/تشرين الأول 2017، إنه “سيدمرهم اليوم وفوراً” في إشارة إلى “تيار الصحوة” وسط تصفيق المئات من الحضور داخل القاعة.

لكن نوفمبر/تشرين الثاني 2017، أي بعد شهرين من استهداف “تيار الصحوة”، حمل معه مفاجأة كبيرة بشن بن سلمان حملة أخرى، استهدفت العشرات من الأمراء داخل الأسرة الحاكمة، والمئات من رجال الأعمال المنتمين إلى الأسر التجارية الكبيرة في البلاد في ما عرف بحملة “اعتقالات الريتز كارلتون” بدعوى وجود تهم فساد عليهم. وشملت قائمة الاعتقالات أبناء الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز الأقوياء، وهم الأمير متعب، الوزير السابق للحرس الوطني، أحد أقوى الأجهزة العسكرية في البلاد، وأمير الرياض السابق تركي، إضافة إلى رجل الأعمال الأمير الوليد بن طلال والأمير تركي بن ناصر والأمير فهد بن عبد الله بن عبد الرحمن. كما شملت القائمة المستشار السابق في الديوان الملكي والذراع اليمنى للملك الراحل عبد الله وأبنائه خالد التويجري، ورئيس مجموعة “أم بي سي” الإعلامية وليد الإبراهيم ووزير المالية السابق والخارجية الحالي إبراهيم العساف، ورجل الأعمال صالح كامل ورجل الأعمال السعودي من أصل إثيوبي محمد العمودي وآخرين. وتعرض الأمراء ورجال الأعمال، الذين تم اعتقالهم في فندق “الريتز كارلتون” لـ”حفلات من التعذيب”، وفق ما ذكرت تقارير صحافية وقتها، حيث اشتركت فرق خاصة تابعة لولي العهد في حملات التعذيب هذه، وكان من أبرز ضحاياها اللواء علي القحطاني، مدير مكتب أمير الرياض السابق الأمير تركي بن عبد الله، إذ قتل القحطاني تحت التعذيب في ديسمبر/كانون الأول 2017، فيما لا يزال مصير الأمير تركي مجهولاً حتى الآن رغم الإفراج عن أخيه الأمير متعب.

ولم تهدف حملة “الريتز كارلتون” إلى استعادة الأموال التي تحصل عليها الأمراء عن طريق صفقات مشبوهة وفاسدة، كما هو معلن، بل كانت تهدف إلى تحجيم الأمراء الذين يهددون طريق صعود محمد بن سلمان نحو كرسي الحكم، وأبرزهم أبناء الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز وحلفاؤهم داخل وخارج الأسرة الحاكمة. ولم يكتف بن سلمان باستهداف “تيار الصحوة” والأمراء ورجال الأعمال، بل اتجه نحو الناشطات النسويات والناشطين الحقوقيين، إذ شنت أجهزته الأمنية حملة اعتقالات عنيفة في مايو/أيار 2018، قبل أسابيع من موعد السماح للمرأة بقيادة السيارة، خوفاً من تسجيل هذا الإنجاز باسم الناشطات النسويات اللاتي قاتلن بقوة طوال 28 سنة للسماح لهن بقيادة السيارة. ووجهت الاتهامات للناشطة لجين الهذلول والأكاديمية عزيزة اليوسف والأكاديمية إيمان النفجان، وعدد آخر من الناشطين والناشطات، بالتواصل مع جهات خارجية والتخابر والحصول على الدعم من المنظمات الدولية. وتعرضت الناشطات لعمليات تعذيب وصعق بالكهرباء وتحرش داخل السجن، وتهديد بالاغتصاب على يد المستشار في الديوان الملكي سعود القحطاني، وفق ما ذكر وليد الهذلول شقيق لجين في شهادته أمام الكونغرس الأميركي. وتوج الاستبداد السياسي ضد المعارضين بحادثة قتل الصحافي والكاتب المعارض جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول في 2 أكتوبر/تشرين الأول العام 2018، حيث قام فريق أمني تابع لولي العهد وبإشراف مباشر من القحطاني بقتل خاشقجي وتقطيع جثته، بسبب مقالاته المعارضة والمطالبة بالإصلاح في صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية وظهوره في العديد من المقابلات التلفزيونية. ومثلت جريمة خاشقجي فضيحة لمشروع بن سلمان الاستبدادي. وبينما زادت الضغوط عليه وبدأت تتوالى التقارير عما يتعرض له المعتقلون والمعتقلات الذين يعانون داخل السجون السعودية منذ صعود بن سلمان لكرسي ولاية العهد، إلا أن محاسبته على جرائمه، لا تبدو متاحة، على الأقل في الوقت الراهن نتيجة الحماية التي يؤمنها له الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حتى أن صحيفة واشنطن بوست لم تتردد في القول قبل فترة إنّ “حاكم السعودية البالغ من العمر 33 عاماً، وكما فعل في قضية خاشقجي، يجعل رئيس الولايات المتحدة يبدو جباناً وضعيفاً”.

الأزمات الخارجية

منذ توليه أول مسؤولية رسمية في وزارة الدفاع مطلع العام 2015 بدأت مغامرات بن سلمان في السياسة الخارجية، إذ أعلن الحرب على الحوثيين في اليمن وأدخل بلاده في منزلق خطير لا تزال تعاني منه حتى الآن، بعد فشله في الحصول على أي مكاسب عسكرية أو سياسية كبيرة، وفاتورة الحرب المكلفة لخزائنه، إضافة إلى الانتقادات الحادة التي توجه لبلاده على خلفية القصف المتواصل للأهداف المدنية في اليمن، والاقتحامات المتكررة للحوثيين للمناطق السعودية الحدودية، مثل نجران، والقصف المتواصل الذي تتعرض له المطارات والمدن السعودية بعد 4 سنوات من الحرب.

ولم يكتف محمد بن سلمان بالفشل العسكري في اليمن، بل ألحقه بفشل سياسي كبير، عقب إعلان بلاده الحصار على قطر في 5 يونيو/حزيران العام 2017، لينقسم مجلس التعاون الخليجي على نفسه، إذ أعلنت الكويت وعُمان الحياد فيما وقفت الإمارات والبحرين في صف الحصار، وسط رفض من قطر لشروط دول الحصار الـ13، ليفشل الحصار بعد أن أدارت الدوحة الأزمة بنجاح.

ووصلت تصرفات بن سلمان الخارجية إلى حد احتجاز رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري، في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، وإجباره على تلاوة بيان استقالته من رئاسة حكومة لبنان من الأراضي السعودية وعلى قنوات سعودية. وسارع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يومها للتدخل لإنهاء الأزمة الأولى والفريدة من نوعها في تاريخ السعودية، التي عُرف ملوكها في السابق بالتأني في اتخاذ القرارات الدبلوماسية دوماً. وقد سلط تقرير المحققة الأممية الضوء على ما جرى مع الحريري، معتبراً أنه كان

“ضحية التعذيب النفسي والمعاملة التي قد تصل إلى حد القسوة واللاإنسانية والمهينة”،

واصفاً حادثة اعتقال الحريري وإجباره على الاستقالة بأنها “الأوقح”.

ولم يكتف بن سلمان بإدارة العلاقات الخارجية بمنطق البلطجة في المنطقة فقط، بل وصل الأمر إلى كندا. فحين غردت السفارة الكندية في السعودية، على حسابها على موقع “تويتر” في أغسطس/آب الماضي، مطالبة بالإفراج الفوري عن المعتقلين الناشطين في مجال حقوق الإنسان في البلاد. ورداً على هذا التعليق استدعت الرياض سفيرها في أوتاوا للتشاور، واعتبرت السفير الكندي شخصاً غير مرغوب فيه، وأعلنت قطع العلاقات التجارية مع كندا وتعليق رحلات الطيران منها وإليها، وسحب آلاف الطلاب السعوديين الذين يدرسون فيها وإجبارهم على تغيير بلد الدراسة أو العودة إلى الرياض، ما عد وقتها محاولة ترهيب لأي دولة تفكر بانتقاد بن سلمان وسياساته القمعية.

الإعلام

منذ وصوله إلى كرسي ولاية العهد، جند محمد بن سلمان كل الوسائل الإعلامية لصالحه، وأغلق عدداً من القنوات المحسوبة على “تيار الصحوة”، أبرزها قناة “فور شباب” المملوكة للداعية المعتقل علي العمري، وقناة “بداية”. وأنشأ المستشار السابق في الديوان الملكي سعود القحطاني مجموعات على “واتساب” وضع فيها كل كتاب أعمدة الصحف السعودية والإعلاميين والمراسلين، إضافة إلى المشاهير، وأصدر أوامر صارمة لهم بالحديث عن مواضيع معينة، مثل حصار قطر وتهديد أعداء محمد بن سلمان وتزوير الحقائق حول الخسائر الكبيرة في حرب اليمن.

وباتت البلاد، وفق معارضين سعوديين، مملكة استبدادية لم يسبق لها مثيل، وذلك في ظل سيطرة ولي العهد عليها واعتقال المعارضين وقتل بعضهم وزيادة أعداد اللاجئين السعوديين في الخارج، بالإضافة إلى الصعوبات المالية في ظل الحرب على اليمن والسياسات الخارجية الفاشلة. ويقول المعارض السعودي، رئيس مركز القسط لحقوق الإنسان يحيى عسيري، لـ”العربي الجديد”، إنه “منذ وصول بن سلمان لمنصب ولاية العهد والمجتمع في حالة استنفار، الكل مشغول بالسياسة ومجبور أن يدعمه. لم يعد أحد يستطيع أن يبتعد عن السياسة ويهتم بأمور أخرى”. ويضيف عسيري، الذي يقيم في لندن، أن “الحياة في السعودية تحت سيطرة بن سلمان متوترة للغاية، فالخطب والمقالات والدروس والتعليم، وحتى الأغاني، أصبحت سياسية. إنه توتر غير معقول ولا يمكن له أن يستمر بسبب الإخفاقات المتوالية لبن سلمان على جميع الأصعدة”.

 


اترك تعليق