fbpx
Loading

محمد مرسي .. قصة الرجل الذي أوصل الإخوان إلى الرئاسة

بواسطة: | 2019-06-27T18:49:15+02:00 الخميس - 27 يونيو 2019 - 6:49 م|الأوسمة: , |
تغيير حجم الخط ع ع ع

توفي “محمد مرسي”، الذي شغل منصب رئيس جمهورية مصر لمدة عام وأربعة أيام قبل إقالته من منصبه بسبب انقلاب عسكري، في قاعة محكمة مصرية الإثنين الماضي.

ووافق تاريخ 17 يونيو/ حزيران الذي توفي فيه “مرسي” الذكرى السابعة للتصويت الذي وضعه في مقعد الرئاسة.

ويعد التقويم المصري مليئا بالاحتفالات السياسية التي يتم تخليدها في صورة أبنية خرسانية مثل جسر 6 أكتوبر، الذي يحتفل ببداية الحرب العربية الإسرائيلية عام 1973؛ وطريق 26 يوليو، الذي سمي على اسم اليوم الذي تنازل فيه الملك فاروق عن السلطة في عام 1952.

لكن يوم 17 يونيو لم يتم تقديسه في الذاكرة السياسية، ولم تذكر وسائل الإعلام المصرية مصادفة موت “مرسي” في هذا التاريخ. وفي الوقت الحاضر، من الصعب التصديق أن البلاد أجرت قبل سبع سنوات الانتخابات الرئاسية الحرة والنزيهة الوحيدة في تاريخها، وأن الإخوان المسلمين فازوا، بنسبة 51.73% من الأصوات.

منذ البداية، كان “مرسي” مرشحًا غير مرجح. وبدأ كل شيء في أعقاب الربيع العربي، عندما غمر عشرات الآلاف من المتظاهرين ميدان التحرير، مطالبين بالإطاحة بالديكتاتور “حسني مبارك”. وفي 11 فبراير/ شباط عام 2011، تم الإعلان عن تنحي “مبارك” بعد ما يقرب من ثلاثين عامًا في السلطة، وقبل ذلك بيومين أصدرت جماعة الإخوان المسلمين بيانًا خاصًا بها ووعدت أنها لن تسعى لرئاسة الجمهورية.

كان هذا أحد أول أعمال الإخوان في العصر الجديد. ويعود تاريخ تأسيس الجماعة إلى عام 1928، خلال فترة من الغضب والاضطراب ضد الاستعمار، وفي البداية شارك بعض أعضائها في الاغتيالات وغيرها من أعمال العنف السياسي. ورفض قادة الإخوان في نهاية المطاف مثل هذه التكتيكات، واعتمدوا مبدأ اللاعنف، لكن سمعتهم ظلت مرتبطة بهذا التاريخ المبكر. كما أن الكثير من أعضاء الإخوان انشقوا عن الجماعة في مراحل مختلفة، ودفعهم القمع الحكومي إلى تأسيس جماعات أكثر تشددا.

مع أخذ هذا الماضي في الاعتبار، سعى الإخوان إلى طمأنة الجمهور. في 18 مارس/ آذار 2012، قابلت “صبحي صالح”، عضو كتلة الإخوان في البرلمان المصري الجديد. وسألته عما إذا كانت الجماعة ستقدم مرشحًا لأعلى منصب في البلاد، ونفى “صالح” ذلك بإصرار قائلا: “نريد أن نرسل رسالة إلى جميع الأحزاب لنجعلهم يدركون أن الإسلاميين لا يسعون للسيطرة على السلطة”.

في الأسبوع التالي، مع تزايد الشائعات بأن الإخوان قد غيروا رأيهم، نفى “رشاد بيومي”، عضو مكتب الإرشاد في المنظمة، أن يكون هناك تحول في السياسة. قال لي: “لم يقل لنا أننا سنرشح شخصًا ما لمنصب الرئيس”. بعد خمسة أيام، أعلن الإخوان أنهم سيقدمون مرشحًا.

كان اختيارهم الأولي هو نائب المرشد العام “خيرت الشاطر” لكن تم استبعاده من قوائم الترشيح. وبعد ذلك، طرحوا “مرسي”، الذي أطلقت عليه الصحافة على الفور لقب “الاستبن”، أي إطار السيارة الاحتياطي ، لأنه تم طرحه كبديل.

وكان “مرسي” يعاني من زيادة الوزن، مع نظارة طبية، ولحية ولم يبد مطلقًا كسياسي. وحصل “مرسي” على دكتوراه في علوم المواد من جامعة جنوب كاليفورنيا، ودرس لفترة وجيزة في جامعة ولاية كاليفورنيا، نورثريدج. ولكن، حسب ما ذُكر، فإن الوقت الذي أمضاه في الولايات المتحدة جعله يشعر بالاشمئزاز من العديد من القيم الأمريكية، بما في ذلك العلاقات بين الرجال والنساء.

مثله مثل قادة الإخوان الآخرين، أشاد “مرسي” بقيم الديمقراطية والحرية لأعضاء الصحافة الأجنبية، لكن بالنسبة للغرب، كان لديه تاريخ من التصريحات الأكثر إثارة للقلق حيث أشار إلى الإسرائيليين بوصفهم “قتلة ومصاصي دماء”، وأعلن أنه لا ينبغي السماح للمرأة ولا لغير المسلمين بتولي منصب الرئاسة. 

كانت انتخابات عام 2012 الرئاسية هي الأولى في التاريخ المصري التي خلت من الفساد والتلاعب المباشر، لكنها لم تكن مطمئنة. خلال الجولة الأخيرة من التصويت، كان خصم “مرسي” هو “أحمد شفيق”، القائد السابق لسلاح الجو المصري، الذي كان آخر رئيس وزراء في عهد “مبارك”.

بالنسبة للشباب المصري الذي شارك في الربيع العربي، كان هذا هو الخيار بين ممثل جديد لنظام “مبارك”، وبين إسلامي يحمل درجة الدكتوراه في علم المواد سبق له أن أنكر أن طائرات بوينغ يمكنها أن تسقط مركز التجارة العالمي.

منذ تأسيس جمهورية مصر العربية في عام 1952 ، شغل ستة رجال فقط منصب الرئيس، دون احتساب أولئك الذين خدموا لفترة قصيرة على أساس مؤقت. لكن هذا الاستقرار الظاهر يعد خادعا. ومن بين الستة، أُزيل ثلاثة منهم عبر الانقلاب (محمد نجيب وحسني مبارك ومرسي)، ثم أمضوا وقتًا في السجن أو الإقامة الجبرية. فيما توفي اثنان منهم (السادات ومرسي) بطرق علنية مروعة أمام مرأى ومسمع الجميع.

الصعود

ففي 6 أكتوبر/ تشرين الأول عام 1981، أقامت القاهرة عرضًا عسكريًا لإحياء ذكرى الحرب العربية الإسرائيلية. وخلال العرض، قامت مجموعة من الجنود الذين تطرفوا وانضموا إلى الجماعة الإسلامية، وهي جماعة إسلامية عنيفة تضم بعض الإخوان السابقين، باغتيال الرئيس “أنور السادات” وأحد عشر شخصا آخرين ممن وقفوا مع “السادات” على منصة العرض.

على مدار ما يقرب من أربعة عقود، كان لهذا الحدث صدى في السياسة المصرية. تولى “مبارك”، الذي أصيب خلال عملية المنصة، الحكم خلفا للسادات، وأدرك مبكرا أن الجيش لا يمكن الوثوق به بالكامل.

ورداً على ذلك، قام ببناء جهاز الشرطة كحصن للدعم الشخصي. ومنح “مبارك” رجال الشرطة تصاريح مفتوحة لإرهاب المواطنين دون خوف من العواقب. وكان خروج المتظاهرين الأوائل في ميدان التحرير عام 2011، رد فعل مباشر على انتهاكات الشرطة.

كما قام “مبارك” بقمع الإسلاميين. خلال فترة ولايته، تم سجن “مرسي” مرتين، وهو مصير شائع لزعماء الإخوان المسلمين. في وقت انتخاب “مرسي”، كان مكتب الإرشاد بالمنظمة يتألف من ثمانية عشر رجلاً، قضى أربعة عشر منهم وقتًا في السجن. لم يكن من المفاجئ أنه حتى في ظل انفتاح سياسي لم يسبق له مثيل، ظل الإخوان يتصرفون مثل الضحايا مع قدر كبير من الارتياب والسرية، وكانوا في الغالب يبدون مخادعين، كما حدث عندما كسروا وعدهم بشأن الرئاسة، فضلا عن أنهم لم يبذلوا أي جهد لكسب حلفاء سياسيين جدد.

بعد بضعة أشهر من أداء “مرسي” اليمين الدستورية، عندما كانت البلاد هادئة نسبيًا، قابلت أحد الرجال الذين أدينوا بالتخطيط لقتل “السادات”.

بعد الاغتيال، أُعدم خمسة رجال، وحُكم على سبعة عشر آخرين بالسجن. أصغرهم كان “صلاح بيومي”، الذي كان في الثامنة عشرة من العمر فقط وقت الهجوم. وكان “بيومي” قد وقع تحت تأثير الإسلاميين في مسجد بالقاهرة قبل أن يلتحق بالجيش، على أمل للمشاركة في الجهاد ضد (إسرائيل). لكن الجيش جنده في قسم الموسيقى، حيث كان يدرس العزف على مزمار. وكان ذلك مصيرًا محبطًا بالنسبة للإسلامي المحافظ الذي كان حريصًا على البعد عن إغراءات الموسيقى. 

تم إطلاق سراح “بيومي” بعد خمسة وعشرين سنة في السجن. ولمدة طويلة، احتُجز في الحبس الانفرادي، وتعرض للضرب المبرح لدرجة أنه فقد السمع بأحد أذنيه. كان لديه حذر وعينان غامضتان، وكثيراً ما رفض الإجابة على أسئلتي، لكنه كان منفتحًا على كراهيته المستمرة لـ”السادات”. في أذهان “بيومي” وشركائه، كان “السادات” يستحق الموت بسبب موافقته على اتفاقية السلام مع (إسرائيل). قال “بيومي”: “لقد كره الجميع السادات لأنه بعد الحرب طلب المساعدة من اليهود”.

منذ إطلاق سراح “بيومي”، كان يعمل في ورشة رخام خارج القاهرة في منطقة تسمى مدينة السادات، ولا ندري إن كان “بيومي” أدرك المفارقة الساخرة في ذلك. كان اغتيال “السادات” مثالا حيا لقدرة مجموعة من الشباب على القيام بأعمال صغيرة قادرة على تغيير التاريخ. لكن الأمور لا تتغير غالبا بالشكل الذي يرغب الناس فيه، حيث تحول الإسلاميون المثاليون الشباب، ومن بعدهم المتظاهرين الليبراليين في ميدان التحرير إلى بيادق في لعبة أكبر. سألت “بيومي” عما إذا كان اغتيال السادات قد حقق أي أهداف سياسية، وكان جوابه آسفا بالنفي. وأضاف: “لقد اتبع مبارك نفس النمط وفعل كل ما فعله السادات، لكنه كان أسوأ”.

أخبرني “بيومي” أنه التقى “مرسي” في السجن، حيث تعد السجون المصرية أماكن اجتماعات شهيرة للإسلاميين. كان “بيومي” يخشى أن يجد الأعداء طريقة للإطاحة بالرئيس، وقد قال لي يوما: “أنا شخصياً مقتنع بأن النظام القديم لا يزال هنا وأن الثورة لم تنجح بعد”.

في النهاية، لم يكن “مرسي” على ذلك القدر من الاستعداد لدوره المنتظر. ومن الواضح أن مؤسسات الدولة كانت حذرة من جماعة الإخوان، وربما كانت ستطيح بحكومتها على أي حال من خلال الترويج لضعف الإخوان وعدم كفاءتهم بعد تأليب الرأي العام ضدهم.

في اليوم السابق لتسلم “مرسي” منصبه، قال إنه سيحاول إطلاق سراح الشيخ “عمر عبدالرحمن”، الذي أدين بتوجيه تفجير مركز التجارة العالمي عام 1993. عندما يتعلق الأمر بالسياسة، كانت جهود “مرسي” غير متوازنة: ففي إحدى الأمسيات، ودون أي تحذير، أعلن فجأة عن زيادة كبيرة في الضرائب على البنزين والكهرباء وزيت الطهي والسجائر والكحول.

وكان هناك ذعر فوري في محلات بيع الخمور ومحطات الوقود في جميع أنحاء القاهرة؛ ثم، في نفس الليلة، ألغى “مرسي” الضرائب فجأة عبر منشور على صفحته على فيسبوك في الساعة الثانية صباحا.

 

عودة القمع

في نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2012، أصدر “مرسي” مرسومًا رئاسيًا يمنح نفسه مؤقتًا سلطات فوق دستورية لمنع المحاكم المصرية التي كان يرى أنها تعمل ضده من إبطال سياساته. وعندما تجمع المتظاهرون المسالمون حول القصر الرئاسي، حدثت أعمال عنف كانت هي بداية النهاية المبكرة لحكم “مرسي”.

بقي “مرسي” في السلطة 6 أشهر أخرى، ولكن في نهاية عامه الأول تجمع ملايين المصريين الذين حركهم إعلام الدولة العميقة للاحتجاج على حكمه، وبدا أن الانقلاب لا مفر منه. وفي 3 يوليو/ تموز 2013، قاد “عبدالفتاح السيسي”، الذي عينه “مرسي” نفسه وزيراً للدفاع، الانقلاب العسكري.

في عهد “السيسي”، كانت الحملة على الإسلاميين وغيرهم من المعارضين السياسيين أشد بكثير من أيام “مبارك”. في 14 أغسطس/ آب 2013، قتلت قوات الأمن في القاهرة ما يصل إلى ألف من أنصار “مرسي”. ويوجد في البلاد الآن عشرات الآلاف من السجناء السياسيين، وتم تحويل “مرسي” وقادة الإسلاميين إلى المحاكمة بتهم ملفقة.

حضرت يوم “مرسي” الأول في المحكمة، في 4 نوفمبر/ تشرين الثاني 2013. لم يُسمح للصحفيين بإحضار هواتف محمولة أو كاميرات أو مسجلات صوت، لكن ما زلت أتذكر صوت الرئيس المعزول حيث رفض ارتداء الزي الأبيض التقليدي للسجين، ورفع رأسه عالياً وقال بشكل متكرر: “أنا رئيس الجمهورية”. كان “مرسي” محتجزاً في قفص معدني، وصاحب ذلك صراخ من الصحفيين الموالين للدولة عبر القضبان: “إعدام، إعدام”.

وفي الجولة الثانية لـ”مرسي” أمام المحكمة، في يناير/ كانون الثاني 2014، عمدت السلطات إلى وضعه في قفص عازل للصوت، وأُجبر على ارتداء ملابس بيضاء، وانضم إليه إخوان آخرون قابلتهم خلال الانتخابات الرئاسية. كان داخل القفص “صبحي صالح”، البرلماني الذي أخبرني أن الإخوان لن يقدموا مرشحًا، وكان يرافقه “رشاد بيومي”، الذي أكد الشيء نفسه كثيرًا.

بالقرب من الجزء الخلفي من القفص، جلس “صفوت حجازي”، الذي رأيته ينادي بأن يسيطر الإسلاميون على جميع أشكال السلطة، حيث بدا كبيرا في السن ومرهقا.

يوم الإثنين الماضي، توفي “مرسي” خلال آخر هذه المحاكمات المجهدة والمهينة. وفقًا للتقارير الرسمية، تحدث إلى القاضي بقوة ثم أغمي عليه. كان “مرسي” يعاني من مرض السكري وغيره من المشكلات الطبية، وقالت منظمات حقوق الإنسان إنه لم يكن يتلقى الرعاية المناسبة في السجن.

تم وصف الرئيس السابق بأنه شهيد، لكن من غير المرجح أن يقدم “مرسي” إلهام الشهداء لعموم المصريين، لأن إرث الإسلام السياسي في مصر تالف للغاية.

وأدى عنف التسعينيات بدءاً من اغتيال “السادات” ومذبحة السياح الأبرياء في الأقصر في عام 1997، إلى تحول الغالبية العظمى من المصريين ضد الجماعات الإسلامية.

ومن اللافت للنظر أنه على الرغم من المجازر التي تقودها الحكومة في القاهرة والقمع الذي تلا ذلك، فإن عددًا قليلاً نسبيًا من الإسلاميين عاد إلى العنف، حيث وقعت معظم حوادث الإرهاب في شبه جزيرة سيناء النائية، وليس في صعيد مصر المكتظ بالسكان، والذي كان مهد الإسلام المتشدد خلال الأجيال السابقة. وحظرت الحكومة المصرية جماعة الإخوان المسلمين وصنفتها كجماعة إرهابية، لكن لا يوجد دليل على أن الإخوان قد تبنوا أساليب المقاومة العنيفة. 

في النهاية، عانى الإخوان بالفعل من أسوأ عقوبة ممكنة. لكن تاريخ الإخوان الطويل يخبرنا أنها ستبقى على قيد الحياة بطريقة أو بأخرى، ولكن إذا عادت الجماعة إلى العمل بشكل قانوني في مصر، فمن المحتمل أن تتخذ شكل جماعة دينية واجتماعية، وليس قوة سياسية. ويمثل “مرسي” قصة تحذيرية لأي رئيس مصري. ففي بلد يغلفه الانقسام والحكم الفاسد والمختل، يمكن لأعلى مقعد في السلطة أن يتحول إلى فخ يقبع فيه رجل محبوس يصرخ مدافعا عن نفسه قائلا: “أنا رئيس الجمهورية”.


اترك تعليق