Loading

حركة النهضة التونسية تحسم موقفها بشأن الانتخابات الرئاسية اليوم

بواسطة: | 2019-08-06T14:19:27+00:00 الثلاثاء - 6 أغسطس 2019 - 2:19 م|الأوسمة: , |
تغيير حجم الخط ع ع ع

من المنتظر أن تعلن حركة “النهضة” التونسية، اليوم الثلاثاء، موقفها النهائي بشأن الانتخابات الرئاسية المبكرة المقررة في 15 سبتمبر/ أيلول المقبل، وما إذا كانت سترشح شخصية من داخلها أو ستدعم مرشحاً من الساحة الوطنية، وذلك إذا ما تمكّن مجلس شورى الحركة من الوصول إلى اتفاق أغلبي ينهي الجدل داخله حول هذا القرار الهام.

وكان المجلس قد بدأ، منذ يوم السبت الماضي، اجتماعاته لبحث هذا الملف، وكان يُفترض أن يعلن عن موقفه بشأنه أول من أمس، الأحد، غير أنّ الاختلاف حول الموضوع فرض مواصلة النقاشات وتأجيل الحسم إلى اليوم الثلاثاء. وتتأرجح “النهضة” منذ أشهر بشأن هذا الأمر، من دون أن تتوصّل إلى قرار نهائي، إذ كانت بعض الدوائر داخل الحركة تدعو إلى ترشيح رئيسها راشد الغنوشي للرئاسة، لكنّ الأخير اختار في نهاية المطاف أن يترشّح للانتخابات البرلمانية على رأس قائمة في العاصمة تونس. وهو قرار فاجأ الجميع ولم ينتظره أحد، فيما ظنّ المتابعون أنّ الأمر حُسم وأنّ “النهضة” لن ترشّح أحداً من داخلها، ولكن اجتماعات مجلس الشورى أعادت النقاش إلى المربع الأول، وبرز بوضوح رأي مهم يدعو إلى طرح فرضية تقديم شخصية نهضوية، هي على الأرجح عبد الفتاح مورو، إلا إذا دخلت السباق شخصيات أخرى.

وقال رئيس مجلس شورى الحركة، عبد الكريم الهاروني، في ندوة صحافية لحزبه، الأحد الماضي، إنّ “الحركة ستستفيد من الوقت الإضافي لمزيد من التشاور وإنضاج القرار حول ملف الانتخابات الرئاسية، لأن قرار النهضة محدد، وله قيمة وتأثير كبيران في مسار الانتخابات الرئاسية والتشريعية”. وأكد الهاروني تواصل النقاشات حول مرشّح الحركة للرئاسة، لافتاً إلى أنّ مجلس الشورى لم يتوصل إلى أي حلّ بعد 12 ساعة من الاجتماعات و70 تدخلاً. وأوضح أنّ المكتب التنفيذي لـ”النهضة” قدّم اقتراحاً بدعم الحركة لشخصية من خارجها تقديراً لمصلحتها، فيما برز رأي آخر حول ترشيح شخصية من داخلها.

ويقود هذا التصريح للهاروني للتأكيد على أنّ الغنوشي حسم مبدئياً قراره في هذا الشأن، وأنه لن يترشّح للانتخابات الرئاسية ولن يقترح أحداً أيضاً، كما تنصّ عليه قوانين “النهضة”. ويبقى السؤال حول ما إذا كان مجلس الشورى سيفرض رأيه على الغنوشي، وعلى المكتب التنفيذي، ويغيّر موقفهما بهذا الخصوص. لكن العارفين بكواليس “النهضة” يدركون صعوبة هذا الأمر. فعلى الرغم من أنّ مجلس الشورى فرض سابقاً بعض التنازلات على المكتب التنفيذي، ولكن ليس في قرارات مصيرية واستراتيجية من هذا الثقل “لأنه قرار محدد وله تأثير كبير في مسار الانتخابات”، على حد تعبير الهاروني.

وتجدر الإشارة إلى أنّ التصويت الأخير في مجلس الشورى كان متعادلاً تقريباً، إذ صوت 45 عضواً لصالح دعم مرشح من داخل الحركة، بينما دعا 44 آخرون لدعم مرشح من خارجها، فيما احتفظ عدد قليل بأصواتهم. وسيكون اجتماع اليوم حاسماً، إذ سيسجل معظم الأعضاء الـ150 حضورهم، وربما تكون النقاشات الداخلية خلال اليومين الماضيين قد أقنعت عدداً منهم برجاحة هذا الرأي أو ذاك.

وتبدو “النهضة” في وضع صعب للغاية، مثل بقية الأحزاب التي أربكها رحيل الرئيس الباجي قائد السبسي وتقديم موعد الانتخابات الرئاسية. وكانت الحركة تفضّل صدور نتائج الانتخابات التشريعية أولاً، لتحدّد وضعها في البرلمان، ثم تتفاوض على الحكومة والرئاسة، ولكن وضع الانتخابات التشريعية بين دورتين للانتخابات الرئاسية، عقّد الحسابات ودفع إلى إعادة ترتيب الأوراق من جديد.

ويتضح أنّ “النهضة” كانت ترغب في إدارة المرحلة المقبلة كمشهد متكامل، بحيث يتم تقسيم السلطة بشكل يحفظ حظوظها، ويقود إلى مشهد سياسي متناغم بأقل ما يمكن من التصادم، كما حصل في العهدة الحالية وعطّل تحقيق إنجازات اقتصادية واجتماعية هامة.

وكانت الحركة على امتداد الأشهر الماضية تبحث عن شريك جديد بعد انفصالها عنحزب “نداء تونس” وتراجع هذا الأخير بسبب خلافته. شريك قوي من ناحية، ويمكن التعاهد معه على فترة حكم من دون انتكاسات في العلاقات من ناحية ثانية، خصوصاً بعد تجربة التوافق مع “نداء تونس” والسبسي التي انقلبت في النهاية إلى مواجهة سياسية مباشرة ضربت العمل البرلماني والحكومي وتحولت إلى تهديد بالملفات، كالجهاز السري والاتهام بالاغتيالات وغيرها.

وكان الهاروني قد أكّد، الأحد، أنّ الحركة “بصدد إجراء اتصالات ومشاورات مع كل المنظمات، ومع شركائنا في الحكومة، وشريكنا رئيس الحكومة يوسف الشاهد وحزبه تحيا تونس، وكذلك مع شخصيات مستقلة محترمة ومعروفة بوطنيتها وبالتزامها بالثورة وبالديمقراطية”.

لكن أمر البحث عن شريك ليس باليسر الذي قد يتصوره البعض، فالأحزاب الموجودة على الساحة معروفة وظاهرة للعيان، ولو كانت تجربتها مع حزب الشاهد ناجحة، لكان القرار واضحاً وسهلاً. وقد صرحت قيادات هامة في هذا الحزب بأنها تأمل بالحصول على أغلبية تغنيها عن تحالفات اضطرارية مع “النهضة”، وقالت إنها تسعى لجمع شمل العائلة الوسطية الحداثية، أي التموقع في مواجهة “النهضة”. وهي دعوات لا يختصّ بها حزب “تحيا تونس”، وإنما خطاب يتبناه كثيرون غيره من منتقدي “النهضة” ومنافسيها.

لكن يبدو أنّ التقارب سيكون اضطرارياً مرة أخرى بين الحزبين، بسبب حسابات يفرضها الواقع الجديد. فحزب الشاهد لم يحقّق نجاحات واضحة في الانتخابات الجزئية البلدية المعادة أخيراً، ونوايا التصويت عموماً لا تقدمه في المراتب الأولى. وفي المقابل، ليس هناك حزب قوي آخر يمكن لـ”النهضة” أن تتحالف معه، باستثناء حزب المرشح الرئاسي نبيل القروي الجديد “قلب تونس” الذي يتخذ من مواجهة “النهضة” والشاهد شعاراً له.

ولكن “النهضة” في دعمها لشخصية من الخارج ستبحث بالضرورة عن شخصية تنتمي لحزب له ثقل برلماني بالإمكان التفاوض معه على المرحلة المقبلة، وهو ما يقلّل من حظوظ دعمها لوزير الدفاع عبد الكريم الزبيدي، الذي لا ينتمي لأي حزب، على الرغم من أن حياديته يمكن أن تكون خياراً مطروحاً وقوياً، إذا فكرت “النهضة” وغيرها في توازن المشهد عموماً وعدم تكرار ما حدث مع السبسي وحزبه، ثمّ مع الشاهد.

وبحسب ما قالت مصادر من “النهضة” لـ”العربي الجديد”، فإنّ الحركة قد لا تعلن، اليوم الثلاثاء، عن اسم بعينه إذا كانت سترشّح شخصية من خارجها، وستحتفظ بقرارها إلى حين وضوح مشهد المرشحين نهائياً. وقد تدعو للتصويت لشخصية ما في الدور الأول وتحتفظ بقرارها إلى غاية الدور الثاني ووضوح اسمي المرشحين اللذين سيبلغان المرحلة النهائية.

في المقابل، فإنّ قرار “النهضة” ترشيح شخصية من داخلها، مرتبط بمعطيات سياسية وتقنية دقيقة، إذ إنّ عدم ترشيحها لاسم “نهضوي” سيشتت أصوات قواعدها ويحدث اضطراباً في صفوفها سيؤثر حتماً على معركتها الأصلية، أي الانتخابات التشريعية، التي نزلت فيها بكل ثقلها. هذا بالإضافة إلى أنّ الحركة تحاول تطبيع المشهد وتعويده على منافستها في كل السباقات بما فيها الرئاسية، حتى وإن كانت لا ترغب في الوصول إلى الرئاسة حالياً، ولكن النتائج التي سيحرزها هذا المرشح النهضوي ستؤثّر أيضاً على حظوظها في الانتخابات التشريعية.

والسؤال هنا، إذا ما قرّرت “النهضة” تقديم مرشّح من داخلها، فهل سيكون مورو أم ستتم العودة من جديد إلى طرح اسم الغنوشي، مع كل ما يحمله ذلك من تداعيات وتأثير على التوازنات داخل “النهضة” وفي السباق الانتخابي الوطني عموماً؟

وتخشى الحركة أيضاً من اتهامها بمحاولة التغوّل والسيطرة على المشهد إذا تقدمت لكل الاستحقاقات، بالإضافة إلى أنّ هذا قد يكون شعاراً موحداً لمنافسيها، على الرغم من أن هذا التوجه يبقى مستبعداً في ظلّ حالة التشظي التي تميّز المشهد.

يبقى أن هناك مسألة أخرى مهمة تتعلّق بالقواعد النهضوية نفسها، وميولها التي قد لا تلتقي بالضرورة مع قرارات القيادة وحساباتها السياسية وإكراهاتها الدقيقة، وقد تكون لها آراء أخرى بخصوص المرشح الذي تراه مناسباً. وقد أثبتت انتخابات عام 2014 أن جمهور “النهضة” ليس منضبطاً بالضرورة في كل ما تقرره القيادة، وله ميوله الخاصة ومزاجه الذي ستحدده طبيعة الصراع الانتخابي.


اترك تعليق