fbpx
Loading

ماكينزي في بلاد العرب.. استشارات في خدمة الاستبداد وإنهاك الاقتصاد

بواسطة: | 2019-09-09T18:15:30+02:00 الجمعة - 23 أغسطس 2019 - 8:07 م|
تغيير حجم الخط ع ع ع

كثيرا ما تلجأ الحكومات في العالمية إثر أزمات الاقتصاد إلى شركات الاستشارات الاقتصادية الكبرى لتقديم الحلول المناسبة لمعالجة الأزمات التي تمر بها الدول، لكن بعض هذه الشركات تقوم بدعم أنظمة فاسدة أكثر من كونها تقدم استشارات واقعية حقيقية، ومن أبرز تلك هذه الشركات شركة ماكينزي الأمريكية

تاريخ نشأة ماكينزي

تأسست شركة ماكينزي عشرينيات القرن الماضي، على يد أستاذ المحاسبة في جامعة شيكاجو جيمس ماكينزي، الذي كانت فكرته عن أهمية أعمال الشركات البنكية والقانونية، وبقيت كمؤسسة استشارات بسيطة حتى وفاته عام 1937، واستلم مارفن باور مقاليد الإدارة، حيث تمكن باور خريج جامعة هارفارد من نقل ماكينزي من مجرد مؤسسة استشارات بسيطة إلى شركة ذات ظهور بارز في مجال الاستشارات الإدارية في أمريكا.

ومع نهاية الحرب العالمية الثانية واستقرار العالم، بدأت الشركة بتثبيت أقدامها في مجال الأعمال العالمية، ومع بدء مشروع إعادة أوروبا، اقتنصت لنفسها فرص نجاح لافتة، فتنقلت بين مشاريع الإنشاء والإعمار والمقاولات الكبرى حتى ذاع صيتها، ولمع نجمها في معظم دول العالم، وأصبحت بحلول منتصف القرن العشرين مؤسسة الاستشارات الاقتصادية المسيطرة في الولايات المتحدة.

أبدعت ماكينزي في مجال خفض تكاليف الشركات وتسريح الموظفين، حيث يقوم مبدأها على إرضاء عملائها من الرؤساء التنفيذيين، وتعمل للتخطيط على رفع مكاسبهم حتى لو كان ذلك على حساب الموظفين الصغار، حتى أصبح لها نفوذ طاغٍ في مجال الاستشارات، وأصبح لديها العديد من العلاقات الوطيدة مع الرؤساء التنفيذيين لعدد من الشركات الكبرى وسياسيي العالم، لكنها أضحت في المقابل ذات سمعة سيئة بين أوساط العمال.

استطاعت ماكينزي النجاح في تقديم الخطط المستقبلية الإستراتيجية في عدة مشاريع، فعملت مع جامعة هارفارد لإنشاء الدراسات العليا في إدارة الأعمال، كما عملت مع الحكومة الأمريكية خلال الحرب الباردة حتى استشارها الرئيس الأمريكي إيزنهاور في اختيار المناصب الرئاسية في الدولة، وكان نجاحها المذهل المفتاح نحو الاطلاع على أهم الأسرار لأعظم الشركات والمؤسسات، ممّا جعلها المحرك الرئيس لمجال الأعمال في أمريكا خلال فترة الستينيات.

ماكينزي في بلاد العرب

في توجه للهيمنة على السوق الاستشارية في العالم العربي. بدأت شركة ماكينزي تكوين الرؤى الاقتصادية لعدد من الدول العربية. كانت البحرين أولها ففي عام 2008. وضعت شركة ماكينزي بالتعاون مع الحكومة البحرينية، رؤية البحرين الاقتصادية 2030. كانت خطة إصلاحية تجعل من البحرين مجتمعًا تنافسيًا، تلتها على القائمة مدينة أبوظبي الإماراتية. حيث صممت لها الشركة رؤية 2030 الاقتصادية. ولم تتوقف ماكينزي عند هذا الحد فقد عملت على خطط إصلاحية في عدة دول عربية أخرى كمصر واليمن، كما عملت الشركة مع نجل الحاكم الليبي السابق معمر القذافي قبل سقوط ولايته.

رؤية السعودية 2030

أعلنت السعودية أن ماكينزي ستشارك في صياغة رؤية السعودية 2030، وتحديدًا في برنامج التحوّل الوطني 2020، واضعةً استراتيجية طويلة المدى تتمحور حول إيجاد مصادر دخل جديدة. وخصخصة القطاع النفطي. وذلك في سبيل النهوض باقتصاد المملكة.

ورغم كل هذه الوعود المتفائلة بمستقبل الاقتصاد إلا أنّ أصواتَ المتخوفين من هذا التحول كانت ومازالت قلقة، حيث يرى العديد من خبراء الاقتصاد أنه لا ينبغي للمملكة التخلي عن أصولها النفطية، والاستثمار بمبالغ طائلة في خطط استراتيجية، وتحاليل كمية غير مضمونة، حتى ولو كانت مدعومةً من قِبَل ماكينزي الشهيرة، وتُقدر التكاليف المبدئية للسنوات الخمس الأولى من خطة الرؤية (2016 إلى 2020) بمبلغ إجمالي بلغ نحو 268 مليار ريال سعودي.

لماذا تبرأت ماكينزي من رؤية 2030 ؟

منذ أن وضعت رؤية 2030 والتقارير الصادرة بشأنها، كان البعض يجد في مضامين بعض تلك الأخبار والتقارير الصادرة بشأنها صلة من قريب أو من بعيد بعدد من شركات الإستشارات وعلى رأسها شركة ماكينزي ، بل إن بعض التغطيات الصحفية لعدد من ورش العمل وبعض الإجتماعات التي كانت تناقش رؤية 2030 أو برنامج التحول 2020 والتي كانت تعقد بين عدد من الجهات الحكومية كان يعلن أن من ضمن حضورها ممثلين عن الشركة، ولم تسلم الشركة طوال العام من النقد الشديد من بعض الكتاب بشأن بعض آرائها في الجوانب الإقتصادية للرؤية، ولكن البيان الأخير للشركة كان مفاجئاً ليس فقط لأنه صدر بعد مرور قرابة عام من إعلان رؤية 2030 بل لصيغته التي نفت أي علاقة للشركة برؤية المملكة ،2030 وأنها لم تقم بصياغتها، وإن التقرير الذي نشرته في أواخر عام 2015م هو تقرير مستقل، تم إعداده من قبل المركز ولم تطلبه الحكومة السعودية وهو أحد 14 تقريرا نشرها المركز في 2015م عن دول أخرى كاليابان والصين .

كيف باعت “ماكينزي” الوهم لابن سلمان؟

مع اكتشاف الثروة الهائلة الرابطة تحت رمال العام العربي جاء الرجل الأبيض بعلمه ومعداته بحثًا عن النفط، ولم يكن الرجل الأبيض بحاجة إلى كثير من الوقت حتى يقنع العربي بأن حياته وثروته مرهونة بعقل الأبيض وخططه وتدابيره، ومع مرور الأيام كانت شركة ماكينزي تتوسع هنا وهناك، حتى ولَّت الشركة وجهها نحو الشرق الأوسط، وكانت عينها على مصر وقطر والإمارات والبحرين والسعودية، دولة النفط والمال الوفير.

توفي الملك عبد الله بن عبد العزيز، وجاء الملك الجديد في انتقال سلس للسلطة، لكن في حقيقته هو انتقال للدعاية من “ملك الإنسانية” إلى “ملك الحزم”، ومن الخطط الخمسية إلى “رؤية 2030″، التي هيمنت بها ماكينزي على السوق العربية.

اختارت ماكينزي رؤيتها الدائمة “2030” لتحقيق المستحيل، وتشويق مرحلة ما بعد النفط، فعقدت صفقات مع أبناء الحكام، آخرهم ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الذي باعت له واشترى منها رؤية “2030”، التي انتقدها عدد كبير من المختصين.

وفي ديسمبر/كانون الأول عام 2015، نشرت شركة الاستشارات العالمية “ماكينزي آند كومباني” تقريرًا مهمًا لمعهدها العالمي، بعنوان: “السعودية ما بعد النفط: التحول من خلال الاستثمار والإنتاجية”، طرحت فيه أفكارًا ورؤى تتعلق بالاقتصاد والمجتمع في المملكة، ويشرح التقرير في 400 صفحة تقريبًا خطة الطريق، لتقليل اعتماد الاقتصاد السعودي على النفط حتى العام 2030، فيما سيُطلق عليه لاحقًا “رؤية المملكة 2030”.

لم يمض أكثر من 3 شهور على خطة ماكينزي لتطوير الاقتصاد السعودي حتى خرج الأمير الشاب بعدما أصبح وليًا للعهد ليعلن خطته المتكاملة للنهوض بالاقتصاد السعودي وتطويره بحلول العام 2030، وجاء الإعلان من خارج الأراضي السعودية في لفتة لم تبد مبررة ولا واضحة في ذهن المواطن السعودي.

لكن رغم الارتباط الوثيق بين التقرير المنشور والرؤية التي أطلقها محمد بن سلمان، نفت شركة الاستشارات الأمريكية في وقت لاحق صياغتها للرؤية بعد اللغط الذي أُثير بشأن توظيف 8 من أبناء المسؤولين السعوديين، لتعزيز وجودها في المملكة، حيث تقيم ماكينزي علاقات قوية تعود إلى عقود مع هذا البلد الخليجي، حيث تم تعريف التجارة والأعمال من خلال العلاقات العائلية، وتقول الشركة إنها توظف بناءً على الكفاءة.

ويذكر تقرير لصحيفة “وال ستريت جورنال” أن الشركة وظفت ولدين من أبناء وزير النفط خالد الفالح، وابني مدير البنك المركزي الذي استقال عام 2016، وأصبح مستشارًا في الديوان الملكي ومديرًا لشركة كيماوية مملوكة من الدولة، وكذلك ابنة وزير الثقافة السابق، وأمير كان والده مستشارًا ويعمل الآن سفيرًا في الأردن، بالإضافة إلى اثنين استؤجرا للعمل في الصيف، في حين لا يزال هناك 4 من الذين استأجرتهم الشركة موظفين فيها، وهم فيصل ابن وزير المالية محمد الجدعان، ومحمد ابن رئيس شركة المعادن صالح المديفر، وآثاري ابنة مدير البنك المركزي السابق فهد المبارك، وعبد العزيز ابن خالد الفالح.

وبعد ازدياد وتيرة الانتقادات للشركة وتناولها من قبل الكثير من الجهات في المملكة، أصدرت شركة ماكينزي العملاقة، في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2016، بيانًا أكدت فيه أن ما أشُيع في الإعلام عن ربط الشركة برؤية المملكة غير صحيح، وأن التقرير الذي قدمه مركز أبحاث ماكينزي عن الاقتصاد السعودي والمنشور عام 2015 هو تقرير مستقل تم إعداده من المركز ولم تطلبه الحكومة السعودية.

لكن البيان الذي لم يكن مقنعًا لكثيرين لم ينه الجدل المثار بشأن علاقة تلك الشركة برؤية اقترن اسمها بمن كان آنذاك وليًا لولي العهد محمد بن سلمان، كما كان البيان نفسه أشبه ببوابة كبيرة فُتحت فدخل معها طوفان من الأسئلة عن الرؤية المعلنة وصلاحيتها للتطبيق، كما أثار ضجة كبيرة على شبكات التواصل الاجتماعي، واستفز مستخدمين سعوديين خصصوا وسومات للاستهزاء ببيان ماكنزي.

توجهت سهام النقد لورقة ماكينزي، فقد بدت غير ملمة بالسياق الاجتماعي والثقافي في المملكة، وتتحدث عن واقع متخَيل لم يدرك طبيعة الواقع السعودي، ولا شكل العلاقات فيه بين المواطن والدولة وبين الرجل والمرأة وبين السعودي والوافد، كما أعاد للأذهان تاريخًا طويلاً من تجارب معامل ماكينزي الدرامية على المشروعات والشركات والدول.

ورغم انتقاد عدد كبير من المتخصصين لـ”رؤية 2030″ والفشل الذريع الذي يطبع تاريخ ماكينزي مع كل الرؤى والخطط الاقتصادية والاستشارات التي قدمتها ما زالت السلطات السعودية تسوق لهذه الرؤية التي كانت أضخم صفقات الشركة “بائعة الوهم”، دون الالتفات إلى تاريخ ماكينزي المليء بالخداع والوهم والإفلاس.

أكثر من ذلك، تورطت “ماكينزي” في إعداد تقرير لصالح النظام السعودي ساهم بإلقاء القبض على معارض سعودي واعتقال أشقاء معارض آخر بعد اختراق جهاز هاتفه، وبحسب تحقيق نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، في أكتوبر/تشرين الأول، قام النظام السعودي بتوظيفِ شركة “ماكينزي” الاستشارية لمتابعة تطبيقِ السياساتِ الجديدة، عقب إعلان السعودية سياسات وتدابير اقتصادية تقشفية عام 2015 لمواجهة أزمة انخفاض أسعار النفط وسد العجز في الموازنة العامة للدولة، لكن شركة “ماكينزي” نفت الاتهاماتِ الموجهةَ لها في تحقيق “نيويورك تايمز”.

وتقول “نيويورك تايمز” إنها حصلت على أحد التقارير التي قامت بها شركة “ماكينزي” من 9 صفحات، وجدت فيه الشركة أن السياسات التقشفيةَ الجديدة كان لها صدى سلبي في موقع “تويتر” وبقية وسائل التواصل الاجتماعي، وبمجرد إصدار “ماكينزي” تقريرَها أُلقي القبض على الكاتب خالد العلقمي، بحسب ما أكدته منظمة القسط الحقوقية، أما الطالب عمر بن عبد العزيز المعارض السعودي المقيم في كندا، فتم اعتقال اثنين من إخوته وسجنهما، بينما اخترق النظام السعودي هاتفَه المحمول وحسابًا كان يديره وتدعمه شركة “سيتيزن لاب”، أما الحساب المجهول الذي يحمل اسم أحمد فقد أُغلِقَ نهائيًا.

ضحايا آخرين لماكينزي غير بن سلمان

وبالرغم من نجاحها إلا أن لتخبطاتها الاستشارية عظيم الأثر، ففي كتاب نُشر للكاتب داف ماكدونالد بعنوان (The Firm) تناول في إحدى فصوله الإخفاقات الاستشارية في مجال الأعمال والتي كانت ماكينزي خلفها. كان منها نصيحة شركة ماكينزي للخطوط الجوية السويسرية على تنفيذ “استراتيجية الصياد” المثيرة للجدل والتي أدت لفشل برنامج التوسع الكبير فشلًا ذريعًا واضطرت الشركة إلى إعلان إفلاسها في عام 2001.

كما ذكر الكاتب، تجربة ماكينزي السيئة مع شركة إنرون. إحدى أكبر شركات الطاقة في أميركا والتي ربطتها بماكينزي علاقة وثيقة على مدى 15 عامًا. هوت في سنة واحدة في إحدى أكبر أزمات الإفلاس في التاريخ الأميركي عام 2001 مسببةً بطالة 5000 موظف. وما يجدر ذكره أن الرئيس التنفيذي لشركة إنرون، جيف سكيلنج كان أحد خريجي ماكينزي.

نصيحة أخرى لبنك Morgan تسببت في إفلاسه حيث لم تستطع ماكينزي إنقاذ جنرال موتورز برغم خبرتها الطويلة. ولم تكن نصيحتها لبنك Morgan هي الأفضل فقد تسببت في إفلاسه. ولم تتمكن من التنبؤ بالأزمة المالية عام 2008 رغم علاقاتها الوطيدة في العالم المصرفي واستلامها لبلاغات تحذيرية من عدد من البنوك. فمهما بلغت احترافية ماكينزي في وضع الخطط والاستراتيجيات إلا أنها بطبيعة الحال لن تتمكن من معرفة المستقبل وهذا ما ينبغي وضعه في الحسبان.


اترك تعليق