fbpx
Loading

من الخليج إلى مصر— القوى الأجنبية المختلفة تلعب بالنار في السودان

بواسطة: | 2019-08-18T19:42:24+02:00 الأحد - 18 أغسطس 2019 - 7:42 م|الأوسمة: , |
تغيير حجم الخط ع ع ع

منذ سقوط عمر البشير، والقوى الأجنبية الخارجية المختلفة تسعى إلى صياغة الانتقال السياسي، غير المكتمل، بالصورة التي تخدم مصالحهم الإقليمية، حيث تعمل الأجندات المتنافسة على تعقيد المفاوضات بين المجلس العسكري الانتقالي الحاكم وبين المدنيين الممثلين للحركات المعارضة المنادية بالديموقراطية، وحرية الرأي والتعبير، وكان الجانبان قد توصلا إلى اتفاق في 05 يوليو/تموز المنصرم لإدارة مشتركة لفترة الانتقالية مدتها ثلاث سنوات قبل الانتقال إلى الحكم المدني، إلا أنه في 04 أغسطس/آب، انسحب الفريقان من هذا الالتزام، ليصبح الطريق مفتوحاً أمام كافة القوى الأجنبية لتنفيذ أجنداتهم، وتحقيق أهدافهم الخاصة، والمتضاربة أحياناً.

تؤكد مشاركة العديد من القوى الخارجية في شؤون السودان الداخلية على أهمية البلاد الاستراتيجية، ليس فقط لجيرانها الأفارقة، ولكن أيضاً لمنطقة البحر الأحمر وخليج فارس (الخليج العربي)، إلا أن هذا الاهتمام يُشكل خطراً بالنسبة للسودانيين في بعض الأحيان، حيث قد تدفعه بعض القوى للتورط في المنافسات الجيوسياسية التي لا تخدم مصالح السودان الوطنية، محطمة آمال مواطنيها في مستقبل سلمي وديمقراطي.

إلى جانب المجلس العسكري الانتقالي – أو العناصر الموجودة فيه – هناك مجموعة من دول الخليج ذات الأنظمة الاستبدادية، كالسعودية والإمارات، وبعض حلفائهم من الدول العربية كمصر، جميعها قوى تسعى بقوة لفرض سيطرتها على السودان بصورة أو بأخرى، والخطورة تكمن في أن هذه الدول تشتهر بممارسات قمعية ونظم حكم غير ديموقراطية، وبالنسبة لهم، فإن بقاء الجيش في السلطة هو أمان لهم وضمان لتحقيق أهدافهم، باعتبار الجيش حليفهم الطبيعي.

 

فيما يتعلق بأهداف السعودية والإمارات، فأنظمة هذه الدول ترغب في أن تضم السودان لصف سياساتها الخارجية، وأهدافها الاستراتيجية، كعزل قطر، وإيران، لدعمهما للإرهاب، كما تصفها تلك الدول، التي ترغب أيضاً في أن تستخدم السودان كأداة لخدمة أهدافها في اليمن في حربها ضد الحوثيين، اللذين تدعمهم إيران، ولعل هذا هو السبب الرئيسي وراء قيام الإمارات بإنشاء قاعدة في إحدى موانئ إيريتريا، لتدريب القوات المشاركة في حرب اليمن.

أما بالنسبة لمصر، فالهدف الأكبر لها هو أن تحجم السودان أي حراك إسلامي يرتبط بصورة أو بأخرى بالإخوان المسلمين، الذين سيطروا على الحكم في مصر لفترة قصيرة بعد سقوط حسني مبارك، إلى أن أطاح الجيش بالرئيس المدني محمد مرسي في الانقلاب العسكري الذي تم في 2013، ليصل بعدها عبد الفتاح السيسي إلى سدة الحكم في مصر.

من ناحية أخرى، هناك قطر وتركيا وإيران، وهي القوى التي يتحد التحالف السعودي/الإماراتي/ المصري ضدها، والتي على الرغم من قيام هذا التحالف باتخاذ خطوات عدة ضدهم في أكثر من مجال، قامت قطر بعمل مشاريع تستهدف تطوير البنية التحتية في دول شرق إفريقيا في 2018، حيث وقعت الدوحة صفقة لإنشاء ميناء للحاويات في السودان، رغم الحصار المفروض عليها منذ 2017.

كما أن تركيا كانت قد توصلت إلى اتفاق مماثل قبل أشهر، وطورت من علاقاتها الدبلوماسية والتجارية في المنطقة.

من جهته، لعب السودان دور محايد في أزمة الخليج التي افتعلتها السعودية والإمارات مع قطر، وقامت بإقامات علاقات مع الحكومات التي يمكن أن تُسمى، بأنها حكومات “جانب الأزمة”، لأجل الحصول على مساعدات مالية لمعالجة الانهيار الاقتصادي الذي تعاني منه البلاد.

ومع هذا، يُعتقد أن فشل البشير في توجيه مسار وسط بين خصومه الخليجيين قد لعب دوراً في قرار حكومات مصر والسعودية والإمارات العربية المتحدة بالاستسلام لإقالته في أبريل/نيسان.

وفي الوقت الذي تسعى فيه هذه البلدان إلى التدخل في المسار السوداني الآن، ركزت جميع هذه البلدان اهتمامها على الفريق محمد حمدان دقلو، المعروف باسم “حميدتي”، وهو القائد العسكري الذي برز في الآونة الأخيرة على الرغم من كونه نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي، الذي كان أحد أذرع البشير، شارك في عملية الإطاحة به، بعد أن بلغت الاحتجاجات المناهضة للحكومة ذروتها في بداية العام، وهو الذي استخدم قوة السلاح وروابط العشائر التابعة له والثروة المستمدة من السيطرة على منجم الذهب الأكثر ربحًا في السودان لكسب النفوذ في المنطقة.

يرأس حميدتي أقوى ذراع أمني في السودان، وهي قوات الدعم السريع شبه العسكرية، والتي استخدمها البشير أثناء فترة حكمه في ارتكاب أعمال وحشية وجرائم ضد الإنسانية، وهو الدور الذي حافظوا عليه بعد الإطاحة بالبشير، وقتلوا المتظاهرين والمعتصمين السلميين وسط الخرطوم في 03 يونيو/حزيران الماضي.

كما أن جنوده في قوات الدعم السريع كانوا من أبرز القوات التي استخدمتها السعودية والإمارات في التحالف العربي في اليمن، وفي يوليو/تموز الماضي، أرسل حميدتي نحو 4000 جندياً لمساندة حفتر في ليبيا، وهو الجنرال الذي تدعمه السعودية والإمارات في حربه في ليبيا.

دور حميدتي لا يقف عند الدور العسكري وحسب، بل له أدواراً دبلوماسية أيضاً، وقد ظهر هذا جلياً في زيارته للمملكة العربية السعودية ولقائه بولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في مايو/أيار، قبل أيام قليلة من اعتداء قواته على المتظاهرين السلميين في شوارع الخرطوم، كما أنه زار القاهرة والتقى بالسيسي، عشية إحدى المفاوضات التي جمعت بين قادة المجلس العسكري والنُخبة المدنية في السودان، حيث أكد له السيسي دعم مصر الاستراتيجي لـ “الاستقرار والأمن” في السودان.

يُذكر أن السعودية والإمارات كانت قد تقدمت في وقت سابق بدعم مالي للمجلس العسكري في بداية المرحلة الانتقالية  حيث تعهدوا بإيداع 500 مليون دولار في البنك المركزي السوداني.

على الجانب الآخر، تفتقر القوى المدنية في السودان إلى أي دعم مالي كالذي يلقاه حميدتي، بل على العكس، كل الدعم الذي يتلقونه معنوي، كذلك الذي يتلقوه من المؤسسات الأفريقية والقوى الغربية، حيث وضع الاتحاد الأفريقي “العلاقات” الدبلوماسية وراء مطالبة الحركة المؤيدة للديمقراطية بالانتقال لقيادة مدنية، كما لعب رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد دوراً مهماً وفعالاً في جهود الوساطة بين الفريقين في السودان، وبينما ينظر إليه على أنه وسيط نزيه، فإن أبي أحمد مشغول بالعديد من الأزمات الداخلية التي ستعرقل استمراريته في دعم الجهود الديموقراطية في السودان.

أما القوى الغربية، كالولايات المتحدة والمملكة المتحدة، فقد عززتا دعمهما للقوى المدنية في السودان منذ مذبحة 3 يونيو/حزيران من ناحية، ومن ناحية أخرى كثفا التنسيق مع السعودية والإمارات لكي يضغطا على المجلس العسكري للوصول إلى حصل دائم.

وبينما يواصل مختلف الدبلوماسيين عملهم، تُبرز التطورات الموازية “الدور غير المفيد” الذي تواصل القوى الأجنبية لعبه في العملية الانتقالية في السودان، حيث اُتهمت قطر من بعض الجهات الإقليمية بدعم انقلاب إسلامي مزعوم في الخرطوم في 24 يوليو/تموز، وهو فيما يبدو أنه قدم ذريعة لحميدتي لشن حملة “تطهير” ضد شخصيات عسكرية بارزة وشخصيات مرتبطة بحزب المؤتمر الوطني للبشير.

على مدار تاريخه، كان السودان ضحية للتدخل الخارجي، كما أن تدخله في الشؤون الداخلية لجيرانه كان مختلفاً، أما الآن، فالأمر مختلف حيث ان المخاطر التي تحيق بالسودان أكبر بكثير عن ذي قبل، بل ان مجموعة الجهات الخارجية التي ترغب في فرض أجندتها على الساحة السودانية أكثر، وما يزيد الأمر تعقيداً أن أهداف هذه القوى متضاربة ومتعارضة.

تلعب القوى الأجنبية بالنيران في السودان، وعليها أن تدرك أنه إذا تغلبت على المشاكل التي تواجهها في مثل هذه اللحظة الحرجة في عملية الانتقال، فإن محاولاتها لتعزيز مستقبل مستقر يمكن أن تنجح، وإلا -على الأغلب- ستُدفع البلاد إلى حرب أهلية.

 

للاطلاع على النص الأصلي اضغط هنا


اترك تعليق