fbpx
Loading

السعودية ودولة الاحتلال الإسرائيلي.. دبلوماسية الباب الخلفي

بواسطة: | 2019-09-24T20:41:41+02:00 الثلاثاء - 24 سبتمبر 2019 - 8:41 م|الأوسمة: , |
تغيير حجم الخط ع ع ع

يمضي قطار تطبيع العلاقات السعودية الإسرائيلية مسرعا، طاويا محطاته بأكثر مما توقع المراقبون الذين باتوا على قناعة بأن الرياض و(تل أبيب) تقتربان من تدشين علاقات طبيعية رسمية، سياسية وأمنية واقتصادية معلنة في آجال قريبة.

الشواهد التاريخية التي رصدها الخليج الجديد تؤكد وجود اتصالات سرية بين السعودية و(إسرائيل) بشكل سري؛ حيث كشفت الوثائق التاريخية عن تفاهمات ولقاءات سرية بين الرياض و(تل أبيب). فبعد سيطرة الملك المؤسس “عبدالعزيز آل سعود” على كامل أراضي الجزيرة العربية عدا الشريط الساحلي، منعه القائد العسكري البريطاني “غلوب باشا” (حسب ما أورده في مذكراته) عن المضي نحو الأردن وفلسطين؛ حيث كانت تستعر حرب طاحنة بين عصابات الهاغانا الإسرائيلية والفلسطينيين. كما اختار “عبدالعزيز” التنازل عن المطالبة بكافة الجزر التي تقع على خليج العقبة تجنبا للمواجهة مع (إسرائيل).

لكن الانقلاب العسكري الذي قاده الضباط الأحرار في مصر ضد الملك “فاروق” عام 1952 خلق عدوا جديدا مشتركا للرياض و(تل أبيب) هو “جمال عبد الناصر” الذي كان يحلم بإنهاء الملكية في السعودية بعد إنهائها في مصر ثم العراق ومن قبلهما سوريا. لكن هذا التعاون تأخر إلى عام 1962 حين قام ضباط من الجيش اليمني بثورة ضد الحكم الملكي؛ حيث دعمهم “عبدالناصر” بنحو 70 ألف جندي مصري.

في المقابل، استعانت المملكة بخدمات سلاح الجيش الإسرائيلي المتطور حينها؛ حيث قام سرب الطيران الدولي الإسرائيلي رقم 120 بقيادة الطيار “أرييه عوز” بأكثر من 14 رحلة مرورا بالأراضي السعودية وبالتنسيق مع سلطات المملكة ممثلة في صهر الملك “فيصل” رئيس استخباراته الشهير “كمال أدهم”، حسب ما ذكره عضو مجلس العموم البريطانى آنذاك “جوليان إيمرى” في كتابه “الصراع على اليمن”.

وعاد التنسيق بين البلدين اللذين لا يتمتعان بأي علاقات على المستوى الرسمي مرة أخرى بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران بقيادة “الخميني”، وظهور مصطلح “تصدير الثورة”، الذي اعتبر رسالة تهديد لأمن ساحل الخليج العربي قبل أي منطقة أخرى. 

لاحقا، تنامت العلاقات التجارية “الخفيّة” بين رجال أعمال سعوديين مقربين من الأسرة المالكة و(إسرائيل)، كان أبرزها ما أورده تقرير لموقع “ويللا” الإسرائيلي في مايو/أيار 2018، عن اتصالات مع مقربين من رجال أعمال سعوديين من مجموعة “بن لادن” الاقتصادية، وعدد من رجال الصناعات العسكرية والسياسيين في (إسرائيل)، فيما غضّت السعودية الطرف عن بعض المنتجات الإسرائيلية التي دخلت إلى البلاد بسبب حاجتها الاقتصادية لها.

وبعد عملية تفجير برجيّ مانهاتن في 11 سبتمبر/أيلول 2001، عزز السعوديون التنسيق مع (إسرائيل) مرة أخرى؛ حيث تولى السفير السعودي في أمريكا آنذاك، الأمير “بندر بن سلطان”، مهمة التنسيق وربط الأجهزة الأمنية السعودية بالإسرائيلية والأمريكية لمواجهة تنظيم “القاعدة” والجماعات المدعومة من إيران في المنطقة الشرقية للبلاد الغنية بالنفط. 

وبلغ هذا التنسيق ذروته بين “بندر بن سلطان” ورئيس الموساد “مئير داغان”، على خلفية الحاجة للتعامل مع الملف الإيراني. لكن هذا التنسيق تعرض لهزّة بوصول “باراك أوباما” إلى البيت الأبيض، إضافة إلى ثورات الربيع العربي وإقالة “داغان” من منصبه في الموساد، حسب صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية.

وبعد انتهاء الجولة الأولى من ثورات الربيع العربي، وصعود موجة “الثورة المضادة” في مصر، التي انتهت بالانقلاب العسكري على نظام الرئيس “محمد مرسي”، تقاطعت الطرق الإسرائيلية السعودية من جديد بالتنسيق حول تحسين صورة الانقلاب وسط دوائر صناعة القرار في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا.

ومع توقيع الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، ثم صعود ولي العهد السعودي “محمد بن سلمان” الباحث عن حلفاء غير عاديين لدعم خطة تسلمه السلطة في المملكة، تهيأ المناخ لتسريع العلاقات بين البلدين بدعوى مواجهة عدو مشترك يتمثل في إيران.

أنشطة تطبيعية

أسس “بن سلمان” جماعة ضغط سعودية في أمريكا سميت باسم “سابراك” برئاسة أحد الصحفيين المقربين منه، ويدعى “سلمان الأنصاري”، حسب موقع “ديلي بيست” الأمريكي، ونشر “الأنصاري” على الفور مقالة في صحيفة “ذا هيل” الأمريكية قال فيها إن وجود إيران كعدو مشترك يحتّم على (إسرائيل) والسعودية أن تعجلا بتطبيع العلاقات، وتأسيس رابطة متينة وقوية بينهما، مؤكدا استعداد ولي العهد شخصيا لإقامة علاقات دائمة مع (إسرائيل).

ولم يكتف اللوبي السعودي في واشنطن بمغازلة (إسرائيل) والتقرب منها علنا، بل دعا إلى تنظيم ندوات تنسيقية وأمنية بين البلدين؛ ما يوحي بأن هدف تأسيس جماعة الضغط هذه كان افتتاح قناة تواصل رسمية بين الطرفين في واشنطن، دون التعرض لضغوط شعبية.

وفي أواخر مايو/أيار 2017، انطلقت أول رحلة جوية مباشرة بين العاصمة السعودية الرياض ومدينة تل أبيب، وذلك عندما غادر الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” المملكة على متن الطائرة الرئاسية متوجها إلى محطته الثانية (إسرائيل) في أولى جولاته العالمية رئيسا للولايات المتحدة.

وكان وزير النقل والاستخبارات الإسرائيلي “يسرائيل كاتس”، عرض قبل أشهر على الممثل السابق للرئيس الأمريكي “جيسون غرينبلات”، خطة “سكة قطار السلام الإقليمي”، التي تتحدث عن ربط (إسرائيل) بالأردن ومنها إلى السعودية ودول الخليج عبر شبكة سكك حديد تسمح للدول العربية بمنفذ إلى البحر المتوسط.

وأخذ التطبيع السعودي الإسرائيلي طابعا جديدا في مارس/آذار 2018 عندما سمحت الرياض للخطوط الهندية باستخدام أجوائها للعبور من وإلى (إسرائيل)؛ فى خطوة اعتبرها رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” اختراقا كبيرا يبشر بقرب تسيير خطوط طيران مباشرة بين المطارات السعودية والإسرائيلية.

وفى هذا السياق، طلب طيران “العال” الإسرائيلى من السعودية الموافقة على استخدام مجالها الجوي، في تسيير رحلاتها الخاصة أسوة بالخطوط الهندية، مشيرة إلى أن رئيسها التنفيذي خاطب الاتحاد الدولي للنقل الجوي “إياتا”، إلى جانب مخاطبة “نتنياهو” بهذا الخصوص.

وأشارت تقارير مؤخرا لاعتماد المملكة على الدعم الإسرائيلي التقني في تعقّب رموز “تيار الصحوة” والشخصيات السعودية التي يرى النظام أنها تتبنى موقفا لا ينسجم مع توجهاته.

فقد سبق لتحقيقين نشرتهما صحيفتا “هآرتس” و”واشنطن بوست”، أن كشفا عن اعتماد الاستخبارات السعودية على تقنيات سايبر تنتجها شركات إسرائيلية في اختراق هواتف رموز “تيار الصحوة” ومن يعتبرهم النظام معارضين له، مثل الصحافي الراحل “جمال خاشقجي”.

ومن المؤشرات على علاقات الطرفين مشاركة شركات إسرائيلية بعروض ضمن مدينة نيوم، ولقاء رئيس الموساد “يوسي كوهين” مسؤولين سعوديين مرات عدة العام الماضي.

وعلى مستوى الخطاب الإعلامي، فلا تزال السعودية على موقفها المعلن من اعتبار (إسرائيل) “دولة عدوة” لكن الخطاب شهد في الآونة الأخيرة مقارنات غير مسبوقة بين إيران و(إسرائيل).

واللافت أن الخطاب الإعلامي المدعوم بصورة غير مباشرة من جهات رسمية روج مرات عدة إلى أن إيران أخطر من (إسرائيل) على السعودية والخليج.

مفاتيح للتطبيع

على مدى الأعوام الماضية، ارتبط اسم شخصيتين سعوديتين باللقاءات مع إسرائيليين، وهما رئيس الاستخبارات السابق الأمير “تركي الفيصل”، والجنرال السابق “أنور عشقي”، اللذان باتت لقاءاتهما أقرب لدور مناط بهما لدرجة أن هناك من بات يعتبر أنهما بمثابة “مبعوثين سعوديين” لـ(إسرائيل).

عادة ما يؤكد “الفيصل” و”عشقي” أن لقاءاتهما مع الإسرائيليين تتم بقرار شخصي منهما، لكن مراقبين يشككون بذلك، لاسيما أن “الفيصل” هو أحد أعضاء العائلة المالكة، ورئيس سابق لأخطر جهاز أمني بالمملكة، أما الثاني فهو مدير مركز أبحاث مرخص بمدينة جدة، وهذه المراكز عادة ما تكون في دولة كالسعودية بابا خلفيا لمؤسسات وأجهزة رسمية.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2017، كشف الناشط اليهودي “جيفري ستيرن”، عن مشاركة “الفيصل”، في لقاء عقد بولاية نيويورك، جنبا إلى جنب مع مسؤول الاستخبارات الإسرائيلي السابق “إفريم هيلفي”.

ونشرت وزيرة خارجية (إسرائيل) السابقة “تسيبي ليفني”، في يناير/كانون الثاني 2017، عبر حسابها الرسمي على “تويتر”، صورة تجمعها مع “الفيصل”، خلال تواجدهما معا في المنتدي الاقتصادي العالمي المنعقد في مدينة دافوس بسويسرا.

وفي يونيو/حزيران 2016، أجرى “الفيصل” مناظره مع الجنرال الإسرائيلي (احتياط) “يعقوب أميدرور” مستشار الأمن القومي السابق لحكومة “بنيامين نتنياهو”، نظمها معهد واشنطن للسياسات الشرق الأدنى.

فبراير/شباط 2016، سجل توثيق لحظة المصافحة بين “الفيصل” ووزير دفاع الاحتلال “موشيه يعلون”، عند انتهاء خطاب الأخير في جلسة خاصة بموضوع الشرق الأوسط، والتي تطرق فيه الوزير إلى العلاقات بين (إسرائيل) والسعودية.

وكان الأمير السعودي جدد، في نوفمبر/تشرين الثاني 2015، عرض “مبادرة السلام العربية” التي طرحتها السعودية على (إسرائيل)، مقابل التطبيع الكامل.

في المقابل، أجرى “عشقي” لقاءً، في 4 يونيو/جزيران 2015، مع مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية “دوري غولد”، لمناقشة فرص التعاون بين (إسرائيل) والسعودية بخصوص التهديد النووي الإيراني.

وخلال اللقاء، طرح “عشقي” خطة من 7 نقاط عن منطقة الشرق الأوسط على رأسها تحقيق السلام بين (إسرائيل) والعرب، وفي المرتبة الثانية “تغيير النظام في إيران”، بخلاف الوحدة العربية الكبرى، وإنشاء قوة عسكرية إقليمية عربية، ودعوة لإنشاء “دولة كردستان المستقلة” لتكون مكونة من أراضي في العراق وتركيا وإيران.

وسبق هذا اللقاء الذي جرى عقده بمجلس العلاقات الخارجية في واشنطن 5 جلسات سرية عقدت منذ بداية 2014 بين ممثلين عن (إسرائيل) والسعودية من بينهم “عشقي”.

ومؤخرا، كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية أن المستشار السابق بالديوان الملكي “سعود القحطاني” ونائب رئيس الاستخبارات السابق “أحمد العسيري” لعبا أدوارا رئيسية في الاتصالات السرية بين السعودية و(إسرائيل).

وأشارت الصحيفة إلى أن “القحطاني” سبق أن أصدر توجيهات للصحافة السعودية بتغيير النظرة إلى صورة (إسرائيل) في المملكة على أنها العدو الصهيوني.

أما “عسيري” فكان أكبر مسؤول سعودي يسافر إلى (إسرائيل)، ليبحث كيفية استفادة المملكة من تكنولوجيا المراقبة الحديثة فيها.

وقد واجهت جهود واشنطن في إقامة علاقات أوثق بين السعودية و(إسرائيل)  نكسات بعد تورط “بن سلمان” مع “القحطاني” و”العسيري”، في قتل الصحفي السعودي “جمال خاشقجي”.

فالضجة الدولية وتداعيات عملية الاغتيال داخل الديوان الملكي، قلصت من قدرة “بن سلمان” على المناورة وخوض مغامرة خارجية محفوفة بالمخاطر، مثل التواصل مع (إسرائيل)، بالرغم أن جريمة الاغتيال قد تكون دافعاً لتوثيق العلاقات السرية لصد الحملة الدولية التي يواجهها “بن سلمان”.

فلسطين والمصالح المشتركة

في الوقت الذي اشترطت فيه الرياض في عهد الملك “عبدالله بن عبد العزيز” تطوير علاقتها بـ(إسرائيل) بإحداث تقدّم على صعيد حل القضية الفلسطينية، فإن “بن سلمان”، الذي يراهن على دور (إسرائيل) في إنجاح رؤية 2030 وينطلق من افتراض يطرحه مراقبون، مفاده أن تطوير العلاقة مع (تل أبيب) يحسّن من قدرته على تجنيد دعم أمريكي لوصوله إلى الحكم، لم يُبدِ أي اهتمام بحثّ (إسرائيل) على إبداء مرونة في تعاطيها مع حقوق الفلسطينيين.

ومما يدل على التحوّل الذي طرأ على موقف السعودية من القضية الفلسطينية منذ وصول “بن سلمان” إلى الحكم، حقيقة أن الأخير لم يعد يشترط احترام (إسرائيل) مبادرة السلام العربية.

فقد كشف الرجل صراحة وفي تصريحات أدلى بها لمجلة “أتلانتك” الإخبارية الأمريكية، أبريل/نيسان 2018، عن رأيه باعتبار الإسرائيليين لهم “حق” في أن يكون لهم وطن، مشدداً على أهمية الوصول إلى “اتفاق سلام لضمان استقرار الجميع والبدء في بناء علاقات طبيعية”.

وعلى الرغم من أن الرغبة في مواجهة إيران تُعدّ الدافع المشترك لتعزيز العلاقة بين السعودية و(إسرائيل)، إلا أنه يتضح من الشهادة التي قدّمها “جويل روزنبرغ”، المستشار الأسبق لرئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو”، أن رهان “بن سلمان” على دور (تل أبيب) في دفع “رؤية 2030” كان كبيرا.

ونقلت تقارير أمريكية عن السفير السعودي السابق في واشنطن، “خالد بن سلمان”، قوله إن نظام الحكم في الرياض معني بتوثيق وتطوير العلاقة مع (إسرائيل) ليس لمواجهة إيران، بل بسبب الاعتبارات الاقتصادية.

ويعتقد الإسرائيليون على اختلاف مشاربهم السياسية وتوجهاتهم الفكرية، أن دور السعودية أكبر من أن يتم إخفاؤه في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، والحاجة لزيادة الاتصالات الإسرائيلية بها، واتضح ذلك جليا بحديث وزير الخارجية الأمريكي “مايك بومبيو” حين دافع عن الحلف الأمريكي السعودي، رغم مقتل “خاشقجي”، باعتبار أن المملكة تساعد في الحفاظ على استقرار المنطقة وضمان أمن (إسرائيل).


اترك تعليق