fbpx
Loading

كيف يعمل دعاة التطبيع على تزييف وعي الشعوب الخليجية

بواسطة: | 2019-09-24T19:49:07+02:00 الثلاثاء - 24 سبتمبر 2019 - 7:49 م|الأوسمة: , , , |
تغيير حجم الخط ع ع ع

يحظى أحدهم بعمود في صحيفة أو ببرنامج تلفزيوني أو تتعاقب عليه الاستضافات الإعلامية وتتسلّط عليه الأضواء فتكتشف أنّ ما يقوم به هو الدور المطلوب منه تقريبا. وقد يظهر أحدهم بلقب “دكتور” أو وصف “خبير” أو “محلل”، لكنّ ما يأتي به من تعليقات ليست مخصصة للأذكياء، فهي تنشر السذاجة والمروق من القيم والمنطق والمصالح الوطنية.

إنهم “غلاة التطبيع” الذين ظهروا في السنوات الأخيرة في بلدان خليجية، وباشروا القيام بدور متقدِّم في تسميم الرأي العام الخليجي والعربي.

يستعمل هؤلاء صفة كتّاب ومعلِّقين وإعلاميين وأكاديميين لأجل ترويج مضامين ساذجة وهابطة، يمارسون فيها طقوس “الافتتان بالعدو” على مرأى من جماهير الشبكات والشاشات.

غلاة التطبيع وتسميم الوعي

يتخصّص غلاة التطبيع في كيّ وعي الجمهور الخليجي والعربي، عبر تفنّنهم في إثارة الجدل واختطاف الأنظار حول ما يأتون به من مضامين فجّة وتعبيرات صادمة. وهم يحظوْن بدعم إعلامي وغطاء سياسي من سلطات دولهم أو بتوجيه من حكومات إقليمية تدعمهم، بما يمنحهم الحصانة وامتياز الجرأة على التعبير السياسي بسقوف عالية نسبياً، بينما يتم إخفاء آخرين لمجرد إطلاق تغريدة خجولة في “تويتر” مثلاً.

يحذِّر الأكاديمي السعودي “أحمد بن راشد بن سعيد” مما يقوم به “غلاة التطبيع” هؤلاء، فهم “باسم مواجهة إيران، يمرّرون رسائل خبيثة أبرزها: حماس إرهابية، الفلسطينيون خانوا قضيتهم، وإسرائيل حليفة. احذروهم! اعزلوهم! اجعلوهم جذاذا، وانسفوهم في اليمِّ نسفاً!”.

((1))

ويضيف الأكاديمي في سلسلة تغريدات أطلقها في نوفمبر/تشرين الثاني 2018 أنّ “الدعاية التي يروّجها سعوديون في الصحافة وفي الوسائط الاجتماعية ضد غزة وحماس، تقوم على مزاعم أبرزها: حماس إيرانية أو تأتمر بأمر إيران، حماس تُلقي بالغزّيين إلى التهلكة، حماس تكره السعودية وتحرق أعلامها، إسرائيل حليفة للسعودية في مواجهة إيران. كل هذه الدعاية مقصودة لخدمة إسرائيل”.

ويرى الكاتب والباحث الفلسطيني “حسام شاكر” أنّ “من أبرز النزعات الصاعدة في الخطابات التطبيعية الراهنة؛ التعويل على استثمار الاستقطابات وحالات العداء والخصومة المتفاقمة ضمن منطقة الخليج والعالم العربي والإسلامي للتهوين من أولوية الصراع مع نظام الاحتلال أو لإرجائه أو لنفيِ مبرراته، مع تقديم أولويات صراعية داخلية وإقليمية على التناقض مع نظام الاحتلال”.

ويضيف “شاكر”، في تحليل نشره تحت عنوان “تهافت الخطاب التطبيعي”، أنّ غلاة التطبيع “يقومون بتسليط الاهتمام على أولوية صراع إقليمي أو طائفي أو محلي؛ لمجرد التخلص من عبء الالتزام المؤكد نحو القدس وفلسطين، ولتبرير التطبيع مع أرباب الاحتلال بالتالي”.

حفاوة إسرائيلية

لا يفوت المنصّات الحكومية والإعلامية الإسرائيلية أن تحتفي بغلاة التطبيع، وهو ما تفعله منذ أواسط العقد الماضي عندما أخذت وزارة الخارجية الإسرائيلية في حدود سنة 2006 نشر مقالات هؤلاء المعلقين المحسوبين على الخليج والعالم العربي على صفحتها الرسمية كونهم يعبِّرون بإخلاص شديد عن مضامين دعاية الاحتلال ذاتها.

ثمّ تفاقمت حالة غلاة التطبيع مع الوقت، وصار بعضهم يمنحون الانطباع بأنهم “يحبّون إسرائيل” من أعماقهم بينما يزدرون كلّ ما يتعلق بالعروبة وأمّة الإسلام وقضاياها العادلة.

يشتغل غلاة التطبيع و”الذباب الإلكتروني” بتهيئة أذهان الشعوب الخليجية والعربية للانزلاقات التطبيعية التدريجية. فالمطلوب من هذه الجهود والحملات أن تنهمك في تبرير التوجّه التطبيعي والتماس الذرائع له وإكسابه المشروعية وتشويه المعترضين عليه.

تحرص جوقة “الغلاة” و”الذباب” هذه على منح انطباعات زائفة بتنامي القبول الشعبي العام بالحالة التطبيعية والالتفاف الداعم حولها، كأنها أمر واقع، بغرض التيئيس من مقاومة التطبيع وتثبيت الجهود المُسانِدة لقضية فلسطين عموما.

من الاستحياء إلى الاستفزاز

كانت خطوات التطبيع في الخليج تمشي على استحياء حتى سنوات قليلة مضت، وتصدّى لها مواطنون خليجيون وشخصيات من المجتمع، فتشكّلت لمواجهة التطبيع مجموعات ولجان في أقطار خليجية عدّة. ثمّ أشعلت اللقاءات العلنية التي عقدها الضابط السعودي المتقاعد “أنور عشقي” مع جهات إسرائيلية موجة رفض بين المواطنين السعوديين والمجتمعات الخليجية، حتى صعد وَسْم #سعوديون_ضد_التطبيع في “تويتر” تعبيراً عن رفض ذلك، وهو ما جرى في أواخر عهد العاهل السعودي الراحل “عبدالله بن عبدالعزيز” وبدايات عهد الملك الحالي “سلمان بن عبدالعزيز”.

حاولت بعض جهود المجتمع المدني الخليجي أن تتصدّى للانزلاقات التطبيعية، فعندما زار وفد إسرائيلي البحرين أواخر سنة 2016 مثلاً نشبت موجة رفض لهذه الزيارة، كما أُطلِقت نداءات وانعقدت فعاليات لمواجهة التطبيع المتسارع على المستوى الخليجي، من بينها “مؤتمر مقاومة التطبيع في الخليج العربي” الذي عقد في نوفمبر/تشرين الثاني 2017 في الكويت. لكنّ سيطرة “الذباب الإلكتروني” على الفضاء الشبكي حجَب الوعي بهذه التحركات، خاصة مع تزايد المواد التي تستفزّ الحسّ الخليجي العام التي اعتاد غلاة التطبيع على بثها في مقالاتهم وتعليقاتهم وتغريداتهم.

كسر الإجماع الشعبي

يُساهِم غلاة التطبيع مع “الذباب الإلكتروني” في محاولة كسر الإجماع المجتمعي الذي ينبذ التطبيع، على أمل أن يبقى هؤلاء في الصورة الشكلية مجرد أفراد أو مغرِّدين دون أن تتحمّل السلطات أو الحكومات التي تشغِّلهم المسؤولية عنهم.

تمّ تمكين عدد من غلاة التطبيع من أعمدة الرأي في صحف يومية وشاشات مقرّبة من السلطات أو مدعومة من حكومات إقليمية. ويُساهم هؤلاء في إنتاج كم هائل من المحتوى الإعلامي التطبيعي المخصص للاستهلاك الخليجي والعربي.

صار من المعتاد أن يظهر أحدهم، وقد يكون معلِّقاً مقرّب من سلطات دولة خليجية، على شاشة إسرائيلية ليتحدّث بإعجاب عن “دولة إسرائيل” ويحجب وصف الدولة عن جارة خليجية شقيقة. كما تجود هذه المقابلات التلفزيونية بمضامين سخية على المنصّات الشبكية بعد أن تتحوّل إلى مقاطع مجزّأة يشاهدها الملايين، دون أن يجد المواطنون في بعض البلدان الخليجية حرية كافية لنقد هذه الإطلالات والمواقف الصادمة والاعتراض عليها، خاصة بعد تشديد قوانين الجرائم الإلكترونية واستعمال الشبكات الاجتماعية وتطبيقات التواصل.

خطاب تلفيقي ساذج

يرسم غلاة التطبيع ومعهم “الذباب الإلكتروني” صورة ملفّقة للمواطن المخلص للوطن بأنه يقدِّس الحاكم أو”ولي الأمر”. ويقوم هؤلاء بترويج مضامين نمطية متعددة، سطحية وساذجة ومتناقضة في ما بينها أيضاً، في خدمة دعاية التطبيع.

تكسب هذه المضامين فرصة متزايدة للتأثير على قناعات الأجيال مع طمس المضامين التعليمية المتعلقة بالقضية الفلسطينية من العديد من المناهج الخليجية والعربية.

يبلغ التزييف مداه بالاحتجاج التلفيقي المضلِّل والمدلِّس بآيات من القرآن الكريم، مثلاً عبر نزعها من سياقها وإرفاقها بتأويلات باطلة، وهو ما يجري على سبيل المثال مع آية الجنوح للسلم، أو آيات متعلقة ببني (إسرائيل) وأهل الكتاب، وقد يقول بعضهم بمنطق ساذج للغاية إنّ “فلسطين غير مذكورة في القرآن”!.

لا تنفكّ هذه الحملات المنسّقة عن مهاجمة الشعب الفلسطيني وتخوينه لأجل تبرير التطبيع بناء على ذلك، وتطويق حالة التعاطف مع القضية الفلسطينية وعزلها، وإظهار المحتلِّين الإسرائيليين في صورة أصدقاء أوفياء “ما آذونا بشيء” كما يدّعي بعضهم!.

لا يتردّد غلاة التطبيع من المعلِّقين والكتّاب والإعلاميين في تقديم قضية فلسطين في صورة الحِمل الثقيل الذي آن أوان الاستراحة منه، وإبراز التطبيع كأنّه “مصلحة وطنية” لهذه الدولة الخليجية أو تلك وسيعود عليها بالسعادة والرفاه.

يقوم هؤلاء بـ”أنسنة الاحتلال” وتجاهل حقيقته واستبعاد الوجوه الخشنة والعدوانية في تاريخه وسياساته وإجراءاته وقياداته. ولتمرير هذا المنطق السطحي والمفهوم المزيّف يعتبر هؤلاء قضية فلسطين نزاعاً محدوداً أو خلافاً عابراً تجاوَزَه الزمن.

ويتمّ إبراز الأزمات والتناقضات مع إيران لتقزيم قضية فلسطين وتهميشها، وهو أسلوب تم استعماله بعد نشوب الأزمة الخليجية باعتبار أنّ العدو الحقيقي هو قطر وتركيا أيضاً؛ وليس الاحتلال الإسرائيلي!. حيث يستعمل هذا التوجّه التطبيعي فكرة “العدوّ المشترك”، أي أنّ “عدوّ عدوي صديقي!”، والصديق في هذه الحالة هو بنيامين نتنياهو وحكومته وجيشه.

وبينما يصول غلاة التطبيع ويجولون، فإنّ بعض السلطات الخليجية تقوم بإسكات الناشطين المناهضين للتطبيع وربما تُباشِر تغييبهم عن الأنظار بالاحتجاز القسري، وهو ما جرى على مدار سنوات عدّة في السعودية والإمارات، وأحيانا بأسلوب تلفيق القضايا والاتهامات كما جرى مع نخب معروفة بالمواقف الوطنية ومقاومة التطبيع، مثل المحامي الإماراتي البارز “محمد الركن” عضو مؤسس ونائب رئيس “لجنة الإمارات الوطنية لمقاومة التطبيع مع العدو الإسرائيلي” الذي يقبع في سجن الرزين الإماراتي سيئ السمعة.

ولم تسلم الشابة السعودية “نهى البلوي” من الاعتقال والقمع لمجرد خروجها في فبراير/شباط 2018 بمقطع ضد التطبيع اختفت من بعده، فهل كانت ستواجه المصير ذاته لو أنها عبّرت عن هيامها بالاحتلال الإسرائيلي ودعت إلى الهرولة إليه؟


اترك تعليق