fbpx
Loading

معدلات النمو الاقتصادي التي تعلنها الحكومة.. هل تخص اقتصاد مصر أم اقتصاد الجيش؟

بواسطة: | 2019-09-06T13:03:44+02:00 الجمعة - 6 سبتمبر 2019 - 1:03 م|
تغيير حجم الخط ع ع ع

في وقت سابق من هذا الصيف، تم نشر مقالين في “فورين بوليسي” يعرضان آراءً تبدو متناقضة تماما بشأن الاقتصاد المصري،، في أحد المقالين، قال “يحيى حامد” وزير الاستثمار في عهد الرئيس الراحل “محمد مرسي” إن الاقتصاد المصري على وشك “الانهيار”.

وردا على ذلك، قدم “أحمد شمس الدين”، رئيس الأبحاث في المجموعة المالية “هيرميس” دحضا اقترح أن الاقتصاد يسير نحو “الازدهار”.

لكن فكرة ازدهار الاقتصاد المصري ستكون بالتأكيد خبرا مفاجئا للملايين من المصريين الذين أبلغتهم الحكومة مؤخرا عن ارتفاع معدل الفقر في البلاد رسميا من 27.8% إلى 32.5%.

وإذا أردتم الحقيقة، فالاقتصاد المصري ليس في طريقه للانهيار، لكنه من غير المرجح أن “يزدهر” كذلك.

ولن ينهار الاقتصاد المصري لأن شركاء مصر الدوليين لن يسمحوا له بذلك، فمصر أكبر من أن تفشل، والحكومة تعرف ذلك.

ويحذر منتقدو السياسة الاقتصادية المصرية، بما في ذلك “حامد”، من أن آثارها قد تثير موجة من الهجرة الجماعية، وفي مقالته، يصر “حامد” على أنه “عندما تبدأ دولة ما بالفشل، فإن الأمر يستغرق وقتا طويلا قبل أن يأخذ الناس بزمام الأمور أو يبدؤوا في البحث عن مكان آخر خارج الوطن”.

وبينما يشجع ضعف الأداء الاقتصادي والفرص المحدودة الناس على الهجرة، فقد كانت هذه الحقائق سمة من سمات الحياة في مصر منذ عقود، وليس في الأعوام الأخيرة فقط، ولا تعد فكرة حدوث تدفق مفاجئ للمصريين عبر البحر الأبيض المتوسط واقعية، على الرغم من أنها قد تثير قلق الاتحاد الأوروبي الذي يخشى أي زيادة في معدل الهجرة.

 

نمو مبني على الديون

ومن المعقول انتقاد اعتماد مصر الكبير على الديون، فقد ارتفع الدين الخارجي والداخلي بشكل كبير في الأعوام الأخيرة، وتستهلك تكلفة خدمة هذا الدين نسبة كبيرة من إيرادات الدولة، ويخشى بعض الاقتصاديين من أن مصر لن تكون قادرة على خدمة ديونها الخارجية على المدى الطويل، بالنظر إلى الصادرات المصرية الضعيفة والمتقلصة.

وبينما يشير “شمس الدين” إلى أن مستويات الدين تظل قابلة للإدارة كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي، فإن القضية هي أن الدولة، حتى الآن، قد فشلت في زيادة الإيرادات بشكل كافٍ، وسوف تستمر في الاعتماد على النمو الممول من الديون للحفاظ على اقتصادها وعلى بقائها أيضا.

وعلى الرغم من أن بعض هذه الديون منخفضة الفائدة، ومستحقة لدول الخليج وصندوق النقد الدولي، فإن معظم الديون الجديدة التي يتم تحصيلها من القطاع الخاص ذات أسعار فائدة أعلى بكثير، بما يعادل أكثر من 3 أضعاف الزيادة في الناتج المحلي.

ولا يمكن الاعتماد على استمرار الاقتراض بهذه المعدلات، بخلاف ذلك، فإن معدلات الفائدة المرتفعة تخنق النمو المحلي، حيث تردع تكاليف الاقتراض المتزايدة الشركات عن التوسع.

ولم تنجح مصر بعد في التغلب على بعض التحديات الهيكلية الرئيسية التي أعاقت نموها وتسببت في تعثر اقتصادها، وهي تترنح من خطة إنقاذ إلى أخرى، ومن أزمة إلى أزمة، على مدى عقود.

وينمو العجز التجاري، المرتفع بالفعل، على الرغم من الانهيار في قيمة الجنيه والزيادات المتعددة على جمارك السلع المستوردة حيث لا يزال التصنيع يعتمد اعتمادا كبيرا على المواد والآلات المستوردة.

علاوة على ذلك، تعقد العقبات البيروقراطية، التي تواجه الجمارك، قدرة مصر على الاندماج بشكل أفضل في الدورات الحديثة للإنتاج وسلاسل التوريد، وتتراجع الصادرات فعليا، على الرغم من الميزة التنافسية التي كان من المفترض أن يقدمها تعويم الجنيه.

ويقدم الأشخاص مثل “شمس الدين” الذين يزعمون أن مليارات الدولارات المستثمرة في الديون المصرية تمثل صك ثقة في كفاءة الاقتصاد المصري، يقدمون حجة غير مقبولة، فقد ركز مديرو صناديق الدخل الثابت على شراء الديون المصرية قصيرة الأجل (6 – 12 شهرا).

ويخبرنا هذا أن المستثمرين يظلون سعداء بالاستفادة من أسعار الفائدة المرتفعة للغاية مع الحد الأدنى من مخاطر التخلف عن السداد، ولكنهم يكونون أكثر قلقا بشأن الالتزام بالاحتفاظ بمبالغ كبيرة من الديون المصرية على المدى الطويل أو حتى المتوسط.

ويعد أكثر من نصف الدين الخارجي لمصر قصير الأجل في الوقت الحالي، وإذا كان المستثمرون واثقين من آفاق مصر الاقتصادية طويلة الأجل، فإنهم كانوا ليظهروا انفتاحا أكبر على الاستثمار في السندات طويلة الأجل.

وتدل القراءة الأكثر واقعية أن تجنبهم القيام بذلك يعد علامة على انعدام الثقة في صحة الاقتصاد المصري على المدى الطويل.

وبصرف النظر عن الاهتمام بديون مصر، يظل الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر منخفضا بشكل غير مسبوق، ويفشل باستمرار في الوصول لهدف الحكومة البالغ 10 مليارات دولار.

وتوجد الغالبية العظمى من الاستثمار الأجنبي المباشر في قطاع النفط والغاز، الذي يجذب الاستثمار بغض النظر عن التوقعات الاقتصادية.

وقد انخفض الاستثمار الأجنبي المباشر غير النفطي في الربع الأول من عام 2019 بنسبة تقارب 45% مقارنة بالربع الأول من عام 2018، ليصل إلى 400 مليون دولار فقط، حتى إن مجتمع الأعمال المحلي في مصر لم يكن متفائلا.

وكان مؤشر مديري المشتريات يدور خلال الأعوام القليلة الماضية حول أقل من 50 نقطة في الغالب، وهو رقم سلبي يشير إلى ركود عمليات الشركات وانخفاض ثقتها في الاقتصاد.

وعندما يكسر رقم 50 في حالات نادرة، فإنه بالكاد يفعل ذلك، ما يشير إلى انتعاشات متواضعة للغاية في قطاع التصنيع.

كما انخفض مؤشر (EGX30)، وهو مؤشر لأكبر 30 شركة في سوق الأسهم في مصر، بنسبة 4.3% على أساس سنوي، وهبط بنسبة 7.4% في الربع الأخير، ولا تشير هذه الأرقام بالتأكيد إلى أن الاقتصاد المصري “يزدهر”.

ويركز برنامج صندوق النقد الدولي على التخفيضات في نفقات مصر في محاولة للسيطرة على العجز، وعلى الرغم من أن تخفيضات الدعم قد ساعدت على هذه الجبهة، لكن هذا النظام البدائي يفتقر إلى توفير التحسن المستدام، لأنه لا يدعم الإيرادات والنمو.

ولا تزال الضرائب على الشركات تشكل نسبة تفوق 15% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، وفي حين عرضت الحكومة إعفاءات ضريبية على أمل تغيير ذلك من خلال تشجيع المزيد من الشركات على تسجيل نفسها، لكننا لم نشهد حتى الآن تقدما كافيا.

وفي حين تفتخر الحكومة بمعدلات نمو تبلغ 5%، فإن الحقيقة هي أنه من أجل البدء في التخلص من الفقر، ستحتاج الحكومة إلى معدلات نمو تقترب من 7 إلى 8% على الأقل، خاصة بالنظر إلى معدل النمو السكاني الذي تشهده مصر، وتتفاقم الضغوط من أجل النمو بسبب الزيادة في معدل المواليد في البلاد.

 

الاقتصاد العسكري

وتعد المشكلة الأكبر التي يتجاهل صندوق النقد الدولي الحاجة لمعالجتها بشكل مباشر هي حجم انخراط الشركات المملوكة للمؤسسة العسكرية وغيرها من الشركات التابعة للأجهزة السيادية في مختلف القطاعات الاقتصادية، حيث يعد هذا التغلغل عقبة هائلة أمام التحول الاقتصادي في مصر.

وقد أدى التوسع الحاد للأجهزة العسكرية والأمنية ​​في الاقتصاد المصري إلى ابتعاد المستثمرين المحتملين والضغط على المستثمرين الحاليين.

ويتضح هذا في قطاع الأسمنت، حيث كان القطاع تحت ضغط زيادة المعروض بالفعل في مصر قبل أن يقرر الجيش بناء مصنع للأسمنت بمليارات الدولارات، ما زاد من الضغط على القطاع وتسبب في تسريح العديد من العمالة في القطاع الخاص، وأوقف مصنع للأسمنت مملوك لمستثمرين ألمان النشاط مؤخرا، ويقال إنه يدرس تصفية أعماله.

علاوة على ذلك، بالنظر إلى أن الحكومة من بين أكبر المشترين للأسمنت، فإن المزايا الفريدة المتوفرة للجيش من المرجح أن تحميه من عواقب تفاقم هذه التخمة في الطاقة الإنتاجية.

وبصرف النظر عن الضغوط على الاستثمار، لا تتقاسم الشركات العسكرية مع نظيراتها المدنية الأعباء الضريبية بشكل مماثل.

ويعني هذا في النهاية أن كل جزء من حصة السوق يحصل عليه الجيش من القطاع الخاص يمثل خسارة لإيرادات الضرائب المحتملة التي كان يمكن دفعها بواسطة بديل مدني، ويؤدي هذا إلى تفاقم مشكلة إيرادات الدولة، لأن المؤسسات العسكرية، كمؤسسات شبه عامة، تمثل أسوأ ما في العالم في هذا الصدد، فهي تتشارك العديد من أوجه عدم كفاءة المؤسسات العامة، دون وعد حتى بأن الأرباح ستعود إلى خزائن الدولة، لأن الجيش يحتفظ بحساباته منفصلة وسرية ومحمية دستوريا.

وأخيرا، يتلقى الجيش مجموعة من العقود بدون مناقصات من الحكومة، لا سيما في البنية التحتية، وبعد ذلك، غالبا ما يشرع في إسناد العمل إلى المقاولين من الباطن.

ويعني هذا النظام أن الحكومة تدفع تكاليف مضاعفة لأعمال البنية التحتية الحيوية فقط للحفاظ على نظام المحسوبية السياسية الذي يعتمد عليه الرئيس “عبدالفتاح السيسي” للبقاء في السلطة.

وبالنظر إلى الموارد التي تعاني الحكومة في توفيرها بالفعل، فإن هذا النهج يزيد عمدا من معدلات الهدر المالي وسط مستويات عالية من الفقر،وسياسات تقشفية تزيد معاناة المصريين.

وكما حدث مرارا وتكرارا في الماضي، عندما يصل هذا البرنامج غير المستدام من الهدر وسوء الإدارة وعدم الكفاءة والفساد والديون إلى ذروته، سيتم إعادة هيكلة ديون مصر، وستتوفر خطة إنقاذ إذا لزم الأمر.

ومع ذلك، فلن “يزدهر” اقتصادها أبدا، لأنه في بيئة استثمارية مبهمة يفتقر فيها المستثمرون إلى البيانات الموثوقة، بينما يواصل الجيش توسيع قبضته غير التنافسية في السوق، ما يمنع الاستثمار الأجنبي المباشر من القدوم إلى البلاد بمعدل كافٍ.

وسيستمر اقتصاد مصر في التباطؤ، وسيظل أداؤه ضعيفا مقارنة بمعظم الأسواق الناشئة، وسيظل الشعب المصري عالقا في مستويات الفقر المتزايدة نتيجة لحكومة تهتم أكثر بخدمة نفسها وليس من يستحقون أن تخدمهم.

وما يضيف إلى كل تلك المأساة، هو أن النظام يستمر في مطالبة المصريين بالتضحية بالكثير من الإعانات والقوة الشرائية مع وعد بأن تكون هناك مكافأة اقتصادية في نهاية المطاف.

ولكن بالنظر إلى المسار الذي تسلكه مصر، فمن غير المرجح أن تأتي هذه المكافأة أبدا.


اترك تعليق