Loading

كيف تتوسع امبراطورية الجيش المصري الاقتصادية والأجهزة السيادية داخل الاقتصاد المصري؟

بواسطة: | 2019-10-16T19:53:47+00:00 الأربعاء - 16 أكتوبر 2019 - 7:53 م|الأوسمة: , , |
تغيير حجم الخط ع ع ع

جاء إصدار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، يوم الأحد الماضي، قراراً جمهورياً بتشكيل لجنة لتعديل قانون قطاع الأعمال العام لإعادة هيكلته والتصدي إعلامياً لمعارضي الخطة الحكومية للتصرف في ذلك القطاع، ليفصح عن توسّع النظام الحاكم في الاعتماد على الأجهزة السيادية والأمنية، ممثلة في المخابرات العامة والرقابة الإدارية والأمن الوطني، وقبل كل ذلك الجيش، في مباشرة المشاريع ذات الصفة القومية، على حساب الأجهزة الحكومية المدنية. وهي السياسة التي كرستها دائرة السيسي خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة بصور شتى.

وتمّ تشكيل اللجنة الجديدة برئاسة شريف إسماعيل، مساعد السيسي للمشاريع القومية والاستراتيجية، والذي سبق له أن شغل منصب رئيس الوزراء السابق، وعضوية وزير قطاع الأعمال هشام توفيق، وممثلين عن وزارتي المالية والتخطيط، مقابل حضور مكثف للأجهزة السيادية بممثلين عن المخابرات العامة والرقابة الإدارية والأمن الوطني. يحدث ذلك في ملف من المفترض أن يكون اقتصادياً بالدرجة الأولى، وكان بعيداً تماماً عن تدخلات تلك الأجهزة منذ استحداث ذلك القطاع بداية التسعينيات من القرن الماضي كخطوة أولى لخصخصة القطاع العام وإدخال المستثمرين كمساهمين فيه.

وقالت مصادر حكومية مطلعة لـ”العربي الجديد”، إنّ هذه الخطوة لا يمكن فصلها عن إرادة السيسي بإسناد جميع الملفات السياسية والاقتصادية الحساسة إلى دائرته الخاصة، المكونة من المخابرات العامة والرقابة الإدارية تحديداً، وكذلك الاستعانة بخبرة الأمن الوطني في التعامل مع المواطنين، لا سيما أنّ اللجنة الجديدة ستهتم أيضاً بدراسة أوضاع العاملين في ذلك القطاع وما سيترتب عليهم جراء إعادة الهيكلة، فضلاً عن التعامل الإعلامي مع القرارات الجذرية التي سيتم اتخاذها.

وأضافت المصادر أنّ جميع اللجان التي شكّلها السيسي بين عامي 2017 و2019 برئاسة رئيس الوزراء الأسبق إبراهيم محلب ثمّ شريف إسماعيل، لتقييم شركات القطاعين العام والأعمال العام، ومتابعة ودراسة المشاريع الحكومية المتعثر إنهاؤها، والمرغوب حالياً في إعادة استثمارها وتسويقها، يهدف تأسيسها بهذه الصورة إلى إضعاف الأداء الحكومي المدني وتقييد سلطات الوزراء، وفرض رقابة من أجهزة مختلفة عليهم، وتعظيم الاعتماد على تلك الأجهزة ذات الطابع النظامي. وذلك إلى جانب منح الجيش والأجهزة السيادية التي دخلت على خط الاستثمارات والمشاريع الهادفة للربح، كالمخابرات العامة والرقابة الإدارية ووزارة الداخلية، أفضلية على حساب الوزارات المعنية بالمشاريع القومية، للسيطرة عليها، وإعادة التعاقد بشأنها وهيكلتها بما يتماشى مع الاتجاه الجديد للنظام.

وعلى الرغم من أنّ الجيش ليس ممثلاً في هذه اللجنة الجديدة، إلا أنّ المصادر أوضحت أنّه على رأس أعمالها، دراسة الخطة التي كانت “العربي الجديد” قد نشرت معالمها في سبتمبر/ أيلول 2017، لإقحام الجيش في ملكية وإدارة شركات قطاع الأعمال العام، بدعوى تطويرها والارتقاء بأدائها وزيادة أرباحها واستغلال مواردها المهملة أو المجمّدة، وتوسيع نطاقها لتشمل الدفع بالمخابرات، التي تنوي منافسة الجيش في بعض المجالات. وتأتي على رأسها محطات الوقود، وكذلك الشرطة التي ما زالت مشاريعها قليلة الانتشار، وذلك كله بإشراف الرقابة الإدارية.

وتقوم هذه الخطة على أن تتشارك الجهات السيادية مع وزارة قطاع الأعمال العام لتملّك وإدارة عدد من الشركات التابعة للشركات القابضة، الناشطة في مجالات ليس للجيش أو المخابرات أو الشرطة شركات تعمل فيها، خصوصاً صناعة الغزل والنسيج والأدوية والسياحة والنقل واللوجستيات، بشرط أن تكون غير خاسرة، ولكنها متعثرة في تحقيق أرباح تتناسب مع مواردها وأملاكها الحقيقية. كما سيتم استثناء الشركات القائمة في المجالات التي ينشط فيها جهاز مشاريع الخدمة الوطنية التابع لوزير الدفاع أو المخابرات والشرطة.

وأوضحت المصادر الحكومية أنّ الدوائر التشريعية بالحكومة عجزت عن وضع تصور يمكّن الجيش من إنشاء شركات متخصصة في المجالات التي يريد المشاركة فيها مع قطاع الأعمال العام، ثمّ طرح الشركات الحكومية للبيع الجزئي أو الكلي لصالح الشركات المتخصصة التابعة للجيش. واستدعى هذا الأمر تدخل الرئاسة لإنشاء اللجنة الجديدة لتسريع المناقشات حول هذا الأمر، حتى وإن استدعى ذلك تعديلاً جذرياً في القانون القائم منذ 28 عاماً.

وذكرت المصادر أنّ السيسي يرى أنّ الأصول الضخمة والموارد الثابتة الكبيرة غير المستغلة لدى شركات قطاع الأعمال، مثل الأراضي الفضاء والعقارات والمصانع والآلات المعطلة، يجب نقل إدارتها إلى الجيش والأجهزة السيادية لتحقق أداء أفضل، خصوصاً في ظلّ تعثّر طرح هذه الشركات في البورصة من ناحية، وزيادة مشاكلها المالية والإدارية من ناحية أخرى.

وسبق لـ”العربي الجديد” أن كشفت العام الماضي عن تشكيل لجنة برئاسة شريف إسماعيل أيضاً لإعداد قائمة كاملة بالأصول الحكومية غير المستغلة، تمهيداً لضمها بقرار جمهوري لصندوق مصر السيادي الجديد، الذي صدر قانون بإنشائه في أغسطس/ آب 2018، لاستثمار الأصول غير المستغلة، ونقلها من مجال المال العام إلى مجال المال الخاص بالدولة القابل للاستثمار بالبيع أو التأجير، والذي لم ينجح إلى الآن في عقد اتفاقات طويلة الأجل مع مستثمرين عرب أو غربيين. وكان من مهام هذه اللجنة تطوير عمل لجنة عليا سابقة كانت مشكلة برئاسة مدير المخابرات الحالي عباس كامل منذ عامين لحصر الأصول غير المستغلة. وتبين من عملها أن معظم الأملاك غير المستغلة عبارة عن عقارات وأراض فضاء، كانت تحت إدارة شركات قطاع الأعمال العام، فضلاً عن مصانع ومعامل تم تكهينها (إخراجها من الخدمة) منذ بدء برنامج خصخصة القطاع العام في تسعينيات القرن الماضي.

وبحسب المصادر، فإنّ هناك رغبة أيضاً في استغلال الأفضلية التي منحها السيسي للجيش والمخابرات والرقابة الإدارية في قانون التعاقدات الحكومية، الذي صدر في أكتوبر/ تشرين الأول 2018، ودخل حيز التنفيذ في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام نفسه، والذي يسمح لكل من وزارات الدفاع والإنتاج الحربي والداخلية، وأجهزتها جميعاً، في “حالات الضرورة التي يقتضيها الأمن القومي” التعاقد بطريقة المناقصة المحدودة، أو المناقصة على مرحلتين، أو الممارسة المحدودة أو الاتفاق المباشر.

ويعتبر هذا النص تكريساً وتقنيناً لوضع غير دستوري قائم على التمييز الإيجابي لصالح تلك الوزارات وأجهزتها على حساب باقي الوزارات والشركات، خصوصاً أن تعبير “الأمن القومي” يبلغ من الاتساع ما يُمكّن كل وزارة من تفسيره كما تشاء، ويضمن لها أن تُدرج تحته كل تعاقداتها. علماً أنّ القانون يضمن “سرية استثنائية” لخطط البيع والشراء المندرجة تحت اعتبار “الأمن القومي”، أي عدم نشر أي معلومات عنها على بوابة الخدمات الحكومية الإلكترونية.

وبسبب تضمن هذا القانون مواد تسمح للمرة الأولى بتعاقد جميع الهيئات والإدارات الحكومية مع بعضها البعض بالأمر المباشر، من دون اتباع المناقصات أو المزايدات، أو حتى الممارسات المحدودة، فإنّ هذا يتيح أفضلية استثنائية لأجهزة الجيش والمخابرات والرقابة التي تمارس أنشطة هندسية وتجارية، للسيطرة على الشركات والمشاريع الحكومية المختلفة، من دون منافسة من رجال الأعمال والشركات المحلية والأجنبية. وهو ما يتيح عقد شراكات جديدة بين الأجهزة التابعة للجهات النظامية، مع إمكانية نقل مسؤولية المشاريع القومية المتعثرة، أو المهملة، أو حتى الناجحة، إلى هذه الشراكات الجديدة، من خلال عمل اللجان الرئاسية المكلفة بمتابعة هذه الملفات، والاستفادة من المادة 19 من قانون الصندوق السيادي التي تنصّ على إعفاء المعاملات البينية للصندوق والكيانات المملوكة له من الضرائب والرسوم، باستثناء توزيعات الأرباح.

ويتقاطع عمل اللجنة الجديدة لإعادة هيكلة القطاع العام وتعديل قانونه، مع عمل اللجنتين الرئاسيتين المختصتين بحصر الأصول غير المستغلة مع المختصة بدراسة مشاريع الدولة المتعثرة، في بعض الاختصاصات، مثل اختيار الأراضي والمشاريع القابلة للاستثمار، وتقييم أسباب تعثر الاستفادة منها سابقاً والتوصية باستغلالها مستقبلاً وفقاً لقانون التعاقدات الحكومية المشار إليه.


اترك تعليق