Loading

كيف فشلت سياسات ترامب في الشرق الأوسط؟

بواسطة: | 2019-10-23T20:21:38+00:00 الأربعاء - 23 أكتوبر 2019 - 8:21 م|الأوسمة: |
تغيير حجم الخط ع ع ع

في يوليو/تموز 2019، حضر “غيسون غرينبلات”، مبعوث الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” آنذاك للمفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، اجتماع مجلس الأمن الفصلي الروتيني حول الشرق الأوسط. وعند تقديمه معلومات محدثة عن تفكير إدارة “ترامب” حول عملية السلام، أخبر بوضوح الجمهور أن الولايات المتحدة لم تعد تحترم “وهم” الإجماع الدولي حول القضية الإسرائيلية الفلسطينية.

 

وذهب “غرينبلات” في طريقه مهاجما قرار مجلس الأمن رقم 242، الذي أسس لنصف قرن من المفاوضات العربية الإسرائيلية وكل اتفاق تم التوصل إليه داخل هذه المفاوضات من قبل (إسرائيل)، بما في ذلك معاهدتي السلام مع مصر والأردن. وانتقد “غرينبلات” صياغة القرارات، وادعى أنها أضرت بالفرص الحقيقية لتحقيق السلام في المنطقة.

 

وبتوجيه من رئيسه “غاريد كوشنر”، صهر الرئيس وكبير مستشاريه، كان “غرينبلات” يحاول تغيير دفة الحوار، من أجل “بدء مناقشة واقعية جديدة” حول الموضوع بحسب رأيه. ولم تكن قرارات الأمم المتحدة، والقانون الدولي، والإجماع العالمي، حاضرة على أجندته. ومنذ ذلك الوقت فصاعدا، لم تعد واشنطن تؤيد حل الدولتين، الذي يدعو لأن تعيش دولة يهودية مستقلة إلى جوار دولة فلسطينية مستقلة جنبا إلى جنب بسلام وأمن.

 

كان عرض “غرينبلات” جزءا من حملة أوسع نطاقا قامت بها إدارة “ترامب” لكسر تقاليد الماضي وإنشاء نظام شرق أوسطي جديد. ولإرضاء رئيس يحب الإجابات البسيطة والخالية من التكلفة، يبدو أن الاستراتيجيين في الإدارة توصلوا إلى خطة ذكية؛ حيث يمكن للولايات المتحدة أن تستمر في الانسحاب من المنطقة، في حين لا تواجه أي عواقب سلبية لذلك، في حين تتولى (إسرائيل) والمملكة العربية السعودية دفة القيادة في مهام مثل احتواء إيران في المنطقة، مع الاعتماد على أن المصالح المشتركة للبلدين في مواجهة إيران ستحسن علاقاتهما الثنائية، وهو ما قد يمكّن (إسرائيل) من بناء تحالف ضمني مع المملكة ومع العالم العربي السني. لكن هذه الرؤية أثببت أنها حالمة للغاية.

 

وفي منتصف سبعينيات القرن الماضي، وحتى مع تراجع الولايات المتحدة بعد هزيمتها في فيتنام، نجح وزير الخارجية الأمريكي “هنري كيسنجر” في إرساء أسس نظام شرق أوسطي جديد بقيادة الولايات المتحدة. وكانت أداته الرئيسية هي الدبلوماسية النشطة للمصالحة بين (إسرائيل) وجيرانها العرب. وفي العديد من النواحي، كانت جهوده ناجحة بشكل لافت، حيث أنتجت معاهدات سلام بين (إسرائيل) ومصر وبين (إسرائيل) والأردن، بالإضافة إلى اتفاق مؤقت مع الفلسطينيين.

 

وتوقف التقدم في هذا المسار خلال القرن الحادي والعشرين، مع اندلاع الانتفاضة الثانية، وغزو العراق، ونشاط إيران الثوري، والربيع العربي الذي أدى إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة.

 

وأيا كان من سيفوز بالرئاسة في الولايات المتحدة عام 2016 فإنه كان سيواجه المشهد الدبلوماسي القاتم في الشرق الأوسط. لكن أي إدارة حديثة كانت لتستجيب لهذا الموقف من خلال العودة إلى الأساسيات وبذل محاولة مضنية لإعادة بناء النظام الذي تبناه “كيسنجر”، لأنه خدم المصالح الأمريكية بشكل جيد. لكن بدلا من ذلك، قررت إدارة “ترامب” تفجير ما تبقى من المشهد.

 

ولم يكن ما حدث عبارة عن فوضى طائشة “تدمير خلاق”، حيث يلزم الهدم لتهيئة الأرض لبناء هيكل دبلوماسي جديد كبير. لكن كان ذلك مجرد وهم آخر.

 

ولا يمكن لسياسات إدارة “ترامب” في الشرق الأوسط إنشاء نظام إقليمي جديد أكثر استقرارا. لكنها بالتأكيد قادرة على القيام بعمل جيد في مواصلة تدمير النظام القديم. ويتلاءم هذا بدقة مع حملة “ترامب” الشاملة للتخلص من النظام الدولي الليبرالي لصالح “قانون الغاب”.

 

الرهان على نتنياهو

وأظهرت إدارة “ترامب” سوء إدارة في العديد من الملفات، بدءا من إيران، القوة الإقليمية المعادية صاحبة البرنامج النووي المتطور والتي تحاول واشنطن احتواءها منذ عقود. وفي عام 2015، حقق الدبلوماسيون الأمريكيون والأوروبيون تقدما كبيرا من خلال التفاوض على خطة العمل الشاملة المشتركة، وهي اتفاقية كلاسيكية متعددة الأطراف للحد من الأسلحة وضعت أخيرا برنامج إيران النووي تحت إشراف دولي مكثف.

 

وبحلول الوقت الذي وصل فيه “ترامب” إلى منصبه الجديد، كان الاتفاق يعمل بشكل جيد من الناحية العملية، وأظهرت عمليات التفتيش درجة عالية من الثقة في أن إيران لم تكن تسعى بنشاط إلى تطوير أسلحة نووية.

 

لكن الاتفاق لم يكن مثاليا تماما. وقد مكّنت شروطه إيران من استئناف أجزاء من برنامجها النووي بعد 10 أعوام، ولم تتعامل بشكل كاف مع برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية، ولم تعالج الجهود الإيرانية العدوانية في زعزعة الاستقرار الإقليمي.

 

ومع ذلك، وضع الاتفاق الملف النووي على الطاولة وأسس نمطا لكيفية حل النزاعات. لذلك، كانت الخطوة التالية الواضحة لأي إدارة واردة هي البناء على ما تم ومعالجة المشكلات الأخرى في جدول الأعمال التالي. وبدلا من ذلك، في مايو/أيار 2018، قرر “ترامب” تمزيق الاتفاقية.

 

وكان هذا جزئيا بسبب هوس “ترامب” الشخصي بإرث “باراك أوباما”. حيث كان يرى أنه يجب أن يتراجع عن أي شيء فعله سلفه، حيث كان الاتفاق النووي الإيراني إنجازا بارزا لـ “أوباما”.

 

وفي خطاب بُعَيد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق، كشف “مايك بومبيو”، وزير الخارجية الجديد لـ “ترامب”، عن حملة “أقصى ضغط”، المتمثلة في فرض عقوبات تهدف لتخفيض صادرات النفط الإيرانية إلى الصفر، وهي محاولة تم تصميمها لمنع إيران من “الهيمنة على الشرق الأوسط”.

 

وأصدر “بومبيو” قائمة من المطالب لا يمكن ترجمتها إلا بأنه يطلب الاستسلام الكامل من إيران، شملت عدم تخصيب اليورانيوم على الإطلاق، وعدم التدخل في عمليات التفتيش التي تجريها الوكالة الدولية للطاقة الذرية في أي مكان، وعدم تطوير الصواريخ ذات القدرة النووية، وعدم دعم “حماس” أو “حزب الله” أو حركة “الجهاد الإسلامي” الفلسطينية أو الميليشيات الشيعية العراقية أو “طالبان” أو “الحوثيين” في اليمن، وألا توجد قوات بقيادة إيرانية في أي جزء من سوريا، وألا تمارس سلوكا يهدد (إسرائيل) أو السعودية أو الإمارات. وفي حالة وجود أي شك حول الامتثال لأي من هذه المطالب، فلن يكون هناك إعادة تفاوض بشأن خطة العمل.

 

ولم يتم تنسيق هذه التحركات مع حلفاء الولايات المتحدة وشركائها. وتم تجاهل نداءات الأطراف الأخرى الموقعة على الاتفاق، وهي الصين وروسيا والمملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي، وقد تعرضوا للتهديد بالعقوبات الأمريكية إذا تجرأوا على شراء النفط الإيراني، في تناقض مع الاتفاقية التي وقعوها.

 

وفي الوقت نفسه، كان “ترامب” مصمما على سحب القوات الأمريكية من المنطقة بسرعة أكبر مما فعل سلفه. بمعنى آخر، زادت الإدارة بشكل كبير من مطالبها لإيران في نفس الوقت الذي قللت فيه من قدرتها وإرادتها على ردع نشاط طهران العدواني في المنطقة.

 

وأصر فريق “ترامب” على أن الفجوة بين نوايا الولايات المتحدة وقدراتها في المنطقة لن تكون مشكلة، لأن معظم عبء احتواء إيران سيتحمله شريكان إقليميان قويان لواشنطن، وهما (إسرائيل) والسعودية. وكان هناك منطق ما ظاهريا في هذا النهج، لأن (إسرائيل) هي الآن أقوى قوة في المنطقة، والسعودية دولة غنية ومؤثرة. لكن هذا المنطق لم يخل من العيوب.

 

وتتمتع (إسرائيل) بقدرات عسكرية هائلة، ومصالح مشتركة مع الدول العربية السنية في مواجهة إيران، لكن الولايات المتحدة لا يمكنها الاعتماد على الدولة اليهودية لتعزيز مصالحها في العالم العربي.

 

فقد وضع الصراع الإسرائيلي الذي لم يحسم بعد مع الفلسطينيين حدا لقدرتها على التعاون علنا مع جيرانها. وغالبا ما تكون الدول العربية على استعداد لتبني قضية مشتركة مع (إسرائيل) تحت الطاولة، حيث تفعل السعودية ذلك منذ الستينيات. لكن وجود علاقة مفتوحة مع الدولة اليهودية من شأنه أن تمنح الفرصة لانتقادات إيران، وأن يولد معارضة داخلية.

 

وفي فبراير/شباط من هذا العام على سبيل المثال، حاول “ترامب” ورئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” تنظيم مؤتمر مناهض لإيران في بولندا. وغرّد “نتنياهو” حول الاجتماع قائلا إنه كان من المقرر أن يكون “اجتماعا مفتوحا مع ممثلي الدول العربية الرائدة، التي تجلس جنبا إلى جنب مع (إسرائيل) من أجل تعزيز المصلحة المشتركة في مكافحة إيران”.

 

ومع ذلك، رفض وزراء الخارجية العرب الظهور معه في المنتدى العام للمؤتمر. وكان أفضل ما يمكن أن يفعله الزعيم الإسرائيلي هو نشر فيديو تم تصويره بطريقة غير مشروعة على يوتيوب لوزراء خارجية البحرين والسعودية والإمارات في نقاش حول (إسرائيل) قبل أن يتم حذف الفيديو سريعا. أما بالنسبة إلى الحلفاء الأوروبيين للولايات المتحدة، فقد أرسلوا في الغالب ممثلين على مستوى منخفض، وكانوا هناك للحديث حول إيران والاتفاق النووي.

 

وفي سوريا، لا تستطيع (إسرائيل) تحقيق هدفها المتمثل في دحر الوجود الإيراني، الذي يضم ميليشيات مدعومة من إيران يقدر عددها بنحو 40 ألف جندي، دون مساعدة خارجية. ولكن مع توجه الولايات المتحدة للانسحاب، لم يكن أمام (إسرائيل) خيار سوى طلب مساعدة روسيا، بالنظر إلى وجودها العسكري وتأثيرها على نظام “الأسد”.

 

إلا أن الزيارات المتكررة التي قام بها “نتنياهو” لموسكو لم تكسب قبول الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” إلا لبعض الضربات الجوية الإسرائيلية على الأهداف الإيرانية. وقد كان رئيس الوزراء الإسرائيلي يأمل في استخدام الضغط الأمريكي ووعود تخفيف العقوبات لإقناع روسيا بالضغط على إيران لمغادرة سوريا، لكن تلك الخطة لم تنجح أيضا.

 

وفي يونيو/حزيران الماضي، دعا “نتنياهو” كبار مستشاري الأمن القومي الأمريكي والروسي إلى القدس لمناقشة العمل المشترك ضد طهران. وهناك، سكب الروس الماء البارد على المخطط الإسرائيلي موضحين علنا أن روسيا وإيران تتعاونان في قضايا مكافحة الإرهاب، وأن مصالح إيران في سوريا يجب الاعتراف بها، وأن الضربات الجوية الإسرائيلية على الأصول الإيرانية في سوريا “غير مرغوب فيها”.

 

وكان “نتنياهو” قد شعر بالقلق الشديد من إعلان “ترامب” المفاجئ بأنه سيسحب القوات الأمريكية المتبقية من شرق سوريا، حيث كانت هذه القوات تساعد في منع إيران من إقامة جسر بري من العراق إلى لبنان، ما اضطره إلى مطالبة البيت الأبيض بتأجيل الانسحاب. لكن هذا الإجراء المؤقت لم يفعل شيئا لإزالة معاقل إيران في سوريا، ولم تؤد مئات الضربات الإسرائيلية على المواقع الإيرانية إلا إلى زيادة خطر انتشار الصراع إلى العراق ولبنان، وتصعيده إلى حرب واسعة النطاق بين (إسرائيل) و”حزب الله”.

 

وكانت حدود (إسرائيل) مع سوريا هادئة منذ ما يقرب من 4 عقود، بعد أن تفاوض “كيسنجر” على اتفاق فك الارتباط الإسرائيلي السوري عام 1974. وشمل الاتفاق صفقة جانبية متفاوض عليها بعناية بين الولايات المتحدة وسوريا، ألزمت نظام “الأسد” بمنع أي قوى من العمل ضد (إسرائيل) من الجانب السوري من مرتفعات الجولان.

 

واستند اتفاق فض الاشتباك إلى قرار مجلس الأمن رقم 242، مع حظره الصريح للاستيلاء على الأراضي بالقوة، والذي أوضح أن مرتفعات الجولان هي أرض سورية ذات سيادة.

 

ومع ذلك، فقد سمح قرار الأمم المتحدة، الذي حرص “غرينبلات” على التقليل من أهميته أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، لـ (إسرائيل) بالحفاظ على هضبة الجولان حتى يتم التوصل إلى اتفاق سلام نهائي. ولهذا السبب لم تقم (إسرائيل) بضم الأرض مطلقا، على الرغم من أنها تعتبرها ذات أهمية استراتيجية، وتحتفظ بمستوطنات هناك، حتى أنها أنشأت مزارع الكروم وأسست صناعة سياحة قوية في المنطقة.

 

وتمكنت (إسرائيل) وسوريا من الاستمرار في اتفاقهما لأجيال، حتى انزلقت الأخيرة في حرب أهلية وفوضى. وعندما طلب “نتنياهو” مساعدة روسيا في إبعاد المليشيات المدعومة من إيران عن مرتفعات الجولان في يوليو/تموز 2018، فإنه احتج صراحة باتفاقية “فك الارتباط”. 

 

لكن ذلك كان قبل أن يطلب “نتنياهو” مساعدة “ترامب” في آخر محاولة لإعادة انتخابه ليعترف الرئيس الأمريكي بشكل مفاجئ بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان، حتى دون إبلاغ “بومبيو”، الذي صادف أنه كان في زيارة لـ (إسرائيل) في ذلك الوقت.

 

وفي مارس/آذار من هذا العام، أصدر “ترامب” بيانا رئاسيا أعلن فيه أن مرتفعات الجولان كانت جزءا من (إسرائيل). وقد تفاخر “ترامب” بأنه فعل شيئا لم يكن أي رئيس آخر على استعداد للقيام به. ومن الواضح أنه لم يكن على دراية بأن أي حكومة إسرائيلية سابقة لم تكن مستعدة للقيام بذلك أيضا، مع العلم أنها بذلك تنتهك أحد البنود الرئيسية لقرار مجلس الأمن رقم 242.

 

لكن لم تكن المناورة السياسية الرخيصة ناجحة. فلم يتمكن “نتنياهو” من الحصول على أغلبية في الانتخابات الوطنية بعد أسبوعين، واضطر إلى المشاركة في حملة أخرى في الخريف، حيث فشل مرة أخرى بشكل أوضح. لكن قرار “ترامب” المفاجئ سيكون له تداعيات دائمة، حيث قوض اتفاقية فك الارتباط، وأعطي “بوتين” مبررات لضمه غير الشرعي لشبه جزيرة القرم، وعزز العزلة الدبلوماسية الأمريكية والإسرائيلية.

 

والنتيجة هي أن طهران حرة الآن في إثبات وجود ميليشياتها على الجانب السوري من الحدود، بمباركة من دمشق، الغير مقيدة بالتزام مكافحة الإرهاب الذي قطعه “حافظ الأسد” لـ “كيسنجر” قبل كل تلك العقود الماضية. وكان من الطبيعي أنه بحلول يوليو/تموز من هذا العام، وجدت (إسرائيل) أنه من الضروري قصف مواقع “حزب الل”ه في مرتفعات الجولان كحل وحيد لمنع إيران من ممارسة أي فعلٍ مؤذي لها هناك.

 

السعودية الجديدة

ولقد أثبتت السعودية أنها أضعف طرف يمكن للولايات المتحدة الاعتماد عليه. ولم تسعى الرياض من قبل لقيادة العالم العربي في الحرب والسلام. وفضل الحكام السعوديون دائما لعب دور داعم هادئ في النظام الذي تقوده الولايات المتحدة. وكانت مصر والعراق وسوريا دائما اللاعبين الرئيسيين في السياسة العربية.

 

ولكن مع تعرض العراق للانهيار، ودخول سوريا في حالة من الفوضى، وتأرجح مصر بين الثورة والثورة المضادة، كان الطريق واضحا بالنسبة لأمير سعودي شاب طموح لا يرحم، للمشاركة في مطالبة بلاده بالقيادة العربية. وعند وصوله إلى السلطة في عام 2015 في سن 29 عاما، عزز ولي العهد “محمد بن سلمان” سيطرته على الجهاز العسكري والأمني ​​للمملكة، ثم أطلق برنامجا طموحا للتنمية الاقتصادية في الداخل والتدخلات العدوانية في الخارج، بما في ذلك حملة وحشية لقمع المتمردين الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن.

 

ومع تولي “ترامب” منصبه، ركز الرئيس على المنافع قصيرة الأجل التي وعدت السعودية بتقديمها في مجالي الأمن والاقتصاد، وعلى رأسها صفقة أسلحة دعائية بقيمة 350 مليار دولار لم تتحقق أبدا، ووعود باستثمارات ضخمة في الولايات المتحدة. وسرعان ما تطورت علاقة خاصة بين الأمير السعودي الشاب وصديقه الأمريكي “غاريد كوشنر”، الذي أقنع “ترامب” لأن كون الرياض أول رحلة له إلى الخارج، في قمة عربية إسلامية عام 2017.

 

وكان من المفترض أن يسهل هذا التجمع تعاونا أكبر في مواجهة التطرف العنيف في المنطقة. لكن كانت النتيجة الملموسة الوحيدة هي قيام “ترامب” بمنح الضوء الأخضر لقرار إماراتي سعودي بحظر وحصار دولة قطر المجاورة، وهي شريك أمريكي حاسم في الخليج لأنها تستضيف قاعدة “العديد” الجوية، وهي أكبر منشأة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط.

 

وبدلا من التركيز على إيران، خدع السعوديون “ترامب” للوقوف إلى جانبهم في تنافس أيديولوجي محلي، ضد صديق أمريكي آخر. وكانت النتيجة انقسام مجلس التعاون الخليجي، مما زاد من تقويض قدرته المحدودة بالفعل على مواجهة إيران في الخليج، مع دفع قطر إلى تعاون أكبر مع إيران، لأنه لم يكن لديها أي وسيلة أخرى للحفاظ على الوصول إلى العالم باستثناء استخدام المجال الجوي الإيراني، وهو الأمر الذي كان الإيرانيون سعداء جدا بتقديمه. ورغم أن الإدارة سعت لتصحيح هذا الإخفاق مرارا منذ ذلك الحين، عرقل السعوديون كل المحاولات الرامية إلى إصلاح الصدع.

 

وخلق “بن سلمان” في اليمن أسوأ أزمة إنسانية في العالم. وأثارت الفظائع التي ارتكبتها المملكة ضد المدنيين اليمنيين، التي تم تنفيذها باستخدام الطائرات الامريكية التي زودتها الولايات المتحدة بالوقود والذخائر، غضبا عالميا.

 

وكان الضرر الذي لحق بسمعة الولايات المتحدة كبيرا، لدرجة أن إجماعا من الحزبين الجمهوري والديمقراطي حاول تعليق مبيعات الأسلحة إلى السعودية. وتجاهل “ترامب” هذا التحدي، باستخدام حق الفيتو، الأمر الذي أثار غضب الكونغرس، ووضع العلاقة الأمريكية السعودية على المحك.

 

واستمر الغضب الشديد عندما تبين على ما يبدو أن “بن سلمان” قد أمر بقتل الصحفي السعودي المعارض “جمال خاشقجي”، على يد مسؤولين سعوديين في القنصلية السعودية في إسطنبول عام 2018. وبذل “ترامب” و”نتنياهو” قصارى جهدهما لحماية شريكهما السعودي من الإدانة الدولية، إلى درجة أن “ترامب” قد فرض قيودا على الكونغرس ومنعه من الوصول إلى معلومات استخباراتية حول عملية القتل، وزرع المزيد من الانقسامات في واشنطن.

 

ومع اعتماد الرياض بشكل كبير على واشنطن، وتعرض “بن سلمان” لمنافسة داخل العائلة المالكة، كان من الممكن أن يستخدم البيت الأبيض الأزمة للإصرار على تحميل “بن سلمان” مسؤولية القتل. لكن “ترامب” لم يحاول حتى ذلك. ومن الواضح أن موقف “بن سلمان” المهتز بعد حادثة “خاشقجي” أضعف القيادة السعودية للتحالف المناهض لإيران.

 

وكان “ترامب” قد أعطى “كوشنر” المسئولية عن عملية السلام، وكان الأخير معجبا بموقف “بن سلمان” المنفتح تجاه (إسرائيل) وازدرائه للفلسطينيين. وفي عام 2017، وعد “بن سلمان” رفيقه “كوشنر” أنه يمكنه جلب الزعيم الفلسطيني “محمود عباس” إلى طاولة المفاوضات وفق شروط “ترامب”.

 

وتم استدعاء “عباس” إلى الرياض، وأمره “بن سلمان” أن يقبل أفكار “كوشنر” في مقابل 10 مليارات دولار من التمويل السعودي. وبدلا من ذلك، رفض “عباس”، وسرّب على الفور تفاصيل النقاش، مما تسبب في ضجة في العالم العربي.

 

كما وعد “بن سلمان” “كوشنر” أيضا بأن المملكة ستوافق على اعتراف “ترامب” بالقدس عاصمة لـ (إسرائيل)، وطمأنه بأن أي رد فعل سلبي في الشارع العربي سوف يتلاشى في غضون شهرين. وكان هذا كافيا لتجاهل “ترامب” جميع الاعتراضات، وإعلان قراره في نهاية عام 2017 بالاعتراف بالقدس عاصمة لـ (إسرائيل)، ونقل السفارة الأمريكية إلى هناك.

 

وكان “بن سلمان” محقا في رد الفعل في الشارع العربي، الذي كان بالكاد ملحوظا. لكنه فشل في تحذير “كوشنر” من العواقب الأخرى. وربما لم يكن ولي العهد يهتم بالقدس، لكن والده فعل ذلك بالتأكيد. وعلى الرغم من أن “بن سلمان” كان المسيطر الفعلي على شؤون المملكة، إلا أن القول الأخير لا يزال يقع على عاتق الملك “سلمان”.

 

ويعد المسجد الأقصى في القدس هو ثالث أقدس مواقع الإسلام. وبصفته وصيا على الموقعين المقدسين الآخرين، المسجد الحرام في مكة والمسجد النبوي في المدينة، لم يستطع الملك “سلمان” الصمت. وقد أدان على الفور قرار “ترامب”، واستدعى قادة المنطقة العرب إلى اجتماع في أبريل/نيسان التالي لشجب القرار جماعيا. وصرح الملك “سلمان” مرارا وتكرارا أن المملكة لن تدعم أي تسوية لا تنص على إقامة دولة فلسطينية مستقلة تكون القدس الشرقية عاصمة لها، وهو أمر يرفضه “ترامب”.

 

فجر قرار نقل السفارة خطة “كوشنر” لجعل السعودية تلعب دورا رائدا في عملية السلام. كما دفع الفلسطينيين بعيدا عن طاولة المفاوضات. وفي أعقاب القرار، قطع الفلسطينيون كل الاتصالات الرسمية مع إدارة “ترامب”، مع إدانة “عباس” لخطة “ترامب” للسلام المقبلة، باعتبارها “صفقة مخزية”. وعندما كشف “كوشنر” عن الأبعاد الاقتصادية لخطة “ترامب” للسلام، في اجتماع تم عقده في البحرين في يونيو/حزيران الماضي، قاطع الفلسطينيون المؤتمر.

 

ولم تكن “البلطجة” أكثر فاعلية من محاولات الرشوة. واعتقد “ترامب” أن الفلسطينيين ضعفاء لدرجة أنه يستطيع تركيعهم عن طريق قطع المساعدات، وإغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، والقنصلية الأمريكية العامة في القدس، ومحاولة القضاء على وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في فلسطين “الأونروا”. ومرة أخرى، كما توقع أي شخص لديه خبرة في المنطقة، لم ينجح هذا. فلم تفعل معاقبة الفلسطينيين شيئا سوى جعلهم يتجمعون خلف قيادتهم، التي لم تكن تحظى بشعبية على الإطلاق.

 

وبدون دعم السعودية والسلطة الفلسطينية، لم يكن لدى “كوشنر” فرصة تذكر لتأمين الدعم المصري أو الأردني للجزء الأساسي من الخطة، أي الترتيبات السياسية والأمنية. وقد شعر الملك “عبد الله” عاهل الأردن، على وجه الخصوص، بالقلق المتزايد من احتمال أنه قد يضطر إلى الاختيار بين “ترامب” والفلسطينيين إذا عرض “كوشنر” أفكار “ترامب”. وسيكون الفلسطينيون في الأردن غاضبين للغاية إذا قبل الملك الخطة.

 

ومع ذلك، فإنه كان يخشى تنفير “ترامب” وتعريض حزمة المساعدات السنوية، التي تبلغ تكلفتها مليار دولار، للخطر إذا رفض الخطة الأمريكية. ومع ذلك، عندما قدم “كوشنر” عرضه الصيف الماضي، رفض الملك العرض. وإدراكا منه بأن الخطة ليس لها مستقبل، استقال “غيسون غرينبلات” في النهاية، وتم تجميد الخطة الأمريكية.

 

أما عن المبادرة الأخرى المستوحاة من السعودية، وهي التحالف الاستراتيجي المقترح في الشرق الأوسط، فلم تتقدم خطوة واحدة. وافترضت الرياض أن “ترامب” قادر على جذب الدول العربية المجاورة إلى تحالف لمواجهة إيران. وقد تم تسميته باسم “الناتو العربي”، حيث تجتمع مصر والأردن ومجلس التعاون الخليجي تحت مظلة أمنية أمريكية لتعزيز تعاونهم. وكما قال متحدث باسم البيت الأبيض، كان التحالف المقترح “بمثابة حصن ضد العدوان الإيراني”.

 

لكن التناقضات الداخلية للمشروع كشفت عن نفسها في الاجتماع الأولي في سبتمبر/أيلول 2017، وتوقفت المبادرة بسرعة، وقام “ترامب” في النهاية بتعيين “أنتوني زيني”، القائد السابق للقيادة المركزية الأمريكية، كمبعوث خاص لتحريك الأمور إلى الأمام. ولكن بالنظر إلى إحجام الدول العربية الأخرى عن إظهار العداء لإيران، لم يتمكن “زيني” من إحراز أي تقدم، واستقال في يناير/كانون الثاني. وبعد 3 أشهر، انسحبت مصر رسميا، وتوفت المبادرة.

 

الغضب الإيراني

وتماما مثل فشلها في جبهات أخرى، لم تسفر جهود إدارة “ترامب” بشأن إيران إلا عن نتائج إيجابية قليلة. وقد بدا لفترة من الوقت أن حملة “أقصى ضغط” كانت تقلل تمويل إيران لعملائها في الخارج. ومع ذلك، كانت هذه العمليات تُدار دائما بتكلفة قليلة. ومع بعض الترشيد في النفقات، تم استئناف هذه العمليات بسرعة.

 

ولا يزال “حزب الله” يحاول إضافة صواريخ موجهة بدقة إلى ترسانته في لبنان، وما زالت الميليشيات المدعومة من إيران في سوريا قائمة، وقد زاد تمويل إيران للحوثيين في اليمن، وحلحركتي ماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني في غزة.

 

ومع عدم رضاه عن أداء الحملة، طلب “ترامب”، في أبريل/نيسان من هذا العام الضغط أكثر فأكثر، من خلال تصنيف “الحرس الثوري” الإيراني كمنظمة إرهابية، وحرمان الصين والهند من إعفاءات شراء النفط الإيراني. ومع انهيار اقتصادها، وفشل الأوروبيين في توفير تخفيف مناسب للعقوبات، قررت طهران أن صبرها قد نفذ، وأعلنت عن غضبها.

 

وحتى ذلك الوقت، كان الإيرانيون يمارسون ما وصفوه “بالصبر الاستراتيجي”، في انتظار الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2020، مع الحرص على إبقاء الأوروبيين ملتزمين بالاتفاق النووي. لكن تصعيد العقوبات دفع طهران إلى الانتقام.

 

أولا، قللت إيران من امتثالها لخطة العمل الشاملة المشتركة من خلال توسيع مخزونها من اليورانيوم منخفض التخصيب قبل أن تقوم برفع مستويات التخصيب فوق الحدود المسموح بها بموجب الاتفاق النووي.

 

وفي سبتمبر/أيلول، استأنفت البلاد تطوير أجهزة الطرد المركزي، ما أدى إلى اختصار الوقت المستغرق لإنتاج الأسلحة النووية. وبما أن “ترامب” كان أول من انسحب من الاتفاق، حين مزق الإجماع القانوني الدولي الذي تم إنجازه بشق الأنفس والذي حال دون امتلاك إيران للأسلحة النووية، فلم تكن الولايات المتحدة في وضع يسمح لها بقول أو القيام بأي شيء لوقف الخطوات الإيرانية.

 

وضعت تحركات إيران “ترامب” في زاوية ضيقة. وأصبح الرئيس واقعا تحت ضغوط من مستشاريه الصقور، و”نتنياهو”، لشن حرب على قصف على منشآت إيران النووية وهو أمر من الواضح أن “ترامب” لم يكن مستعدا لفعله. 

 

وتصاعد التوتر بشكل أكبر مع بدء طهران في استهداف المصالح الأمريكية منخفضة المستوى في جميع أنحاء المنطقة، حيث تعرضت 6 ناقلات نفط لهجمات غامضة خارج مضيق “هرمز” مباشرةً، مع هجوم صاروخي إيراني على مرتفعات الجولان، قبل أن تتعرض منشآت النفط السعودية مؤخرا للضرب بالطائرات بدون طيار.

 

وفي شهر مايو/أيار، رد “ترامب” بإرسال مجموعة قاذفات قنابل إلى الخليج، لكنه تراجع عن الرد على إسقاط طائرة أمريكية بدون طيار ما منح الإيرانيين رسالة مفادها أن “ترامب” يحب التحدث عن الحرب، لكنه لا يرغب في شنها.

 

وقد فهموا أنه يفضل عقد الصفقات. لذلك عرضوا بذكاء بدء المفاوضات. وقبل “ترامب” العرض سريعا، ودعا الرئيس الإيراني “حسن روحاني” للاجتماع على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول، قائلا إن المشكلة الإيرانية “يمكننا حلها في غضون 24 ساعة”.

 

ونتيجة لذلك، شعر شركاء “ترامب” وفي مقدمتهم “نتنياهو” بالذعر. وأصبح السعوديون أكثر حذرا في الرد على هجوم الطائرات بدون طيار في سبتمبر/أيلول على حقولهم النفطية. ولم يضيع الإماراتيون وقتا في أخذ تحوطاتهم، حيث أرسلوا مسؤولين إلى طهران لاستئناف محادثات الأمن البحري المتوقفة منذ فترة طويلة.

 

وبالنسبة لشركاء “ترامب” في الشرق الأوسط، كان اللقاء المحتمل بين الرئيس الأمريكي المتهور، الذي لا يمكن التنبؤ به، والرئيس الإيراني الهادئ والمهني، أسوأ كابوسٍ لهم.

 

وبعد مرور 3 أعوام تقريبا على ولايته، ليس لدى “ترامب” أي إنجاز يمكن أن يدعيه لجهوده في مواجهة إيران أو تعزيز السلام في الشرق الأوسط. وبدلا من ذلك، غذت سياساته الصراع بين إيران و(إسرائيل)، وعزلت الفلسطينيين، ودعمت حربا لا تنتهي وأزمة إنسانية في اليمن، وقسمت مجلس التعاون الخليجي، ربما بشكل دائم.

 

ويوجد طريق آخر يمكن للولايات المتحدة أن تتبعه في المنطقة، وهو نهج أكثر مواتاة لمصالح واشنطن وجميع حلفائها وشركائها.

 

وسوف يتطلب الأمر تكثيف الدبلوماسية الأمريكية، وتقليص أهداف الولايات المتحدة إلى ما يمكن تحقيقه بالوسائل المتاحة، مع احتواء إيران بدلا من محاولة دحر مكاسبها أو إسقاط نظامها، والحفاظ على الوجود المتبقي للقوات الأمريكية في العراق وسوريا، والعودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة والبناء عليها لمعالجة السلوك الإيراني في الإشكاليات الأخرى، وذلك باستخدام تخفيف العقوبات كوسيلة ضغط، وحل النزاع في مجلس التعاون الخليجي، وإشراك جميع الأطراف المعنية لمحاولة إنهاء النزاع في اليمن، والعودة إلى مساعي التوصل إلى حل عادل للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني قائم على حل الدولتين. 

 

ويجب التعامل مع مع (إسرائيل) والمملكة العربية السعودية كشريكين إقليميين وليس كمتعاقدين من الباطنيمكنها فعل أي شيء. وبدلا من محاولة ضررب الإجماع الدولي، لابد من محاولة تشكيله وتعديله ليتوافق مع المصالح الأمريكية.

 

وقد يؤدي هذا المسار البديل في النهاية إلى تجديد ناجح للمشروع الكبير الذي بدأه “كيسنجر” قبل نصف قرن. ولكن إذا استمرت الولايات المتحدة في اتباع حماقة “ترامب” بدلا من ذلك، فلا ينبغي أن تفاجأ إذا وجدت نفسها بمفردها في الصحراء تطارد السراب


اترك تعليق