fbpx
Loading

دراسة أمريكية: الضباط الخليجيون يكرهون المخاطر ويفضلون المناصب الإدارية

بواسطة: | 2019-12-10T19:15:55+02:00 الثلاثاء - 10 ديسمبر 2019 - 7:15 م|الأوسمة: |
تغيير حجم الخط ع ع ع

“الضباط الخليجيون يجدون أنفسهم مجبرين على اللعب وفقاً لقواعد بيئتهم الأم، والتي تتسبب في تآكل العقلية المهنية والنهج الذي اكتسبوه في الخارج. تظل المشكلة الأبرز داخل جيوش دول مجلس التعاون الخليجي هي تفضيلها للأفراد الذين ينتمون إلى عائلات وقبائل معينة، على أبناء الطبقات العادية حتى وان كانوا أكثر تميزاً”.

عناوين مثيرة للاهتمام جاءت في دراسة “الضباط العسكريون في الخليج: المسارات والمحددات الوظيفية” الذي أصدره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي.

 

وتسلط الدراسة الضوء على طبيعة جيوش الخليج، وعقلية العاملين بها، سواء من الناحية المهنية أو الاجتماعية أو الثقافية أو الأكاديمية، وغيرها من العوامل التي تؤثر على تقدمهم المهني.

ففي دول الخليج العربي، الأمر مختلف، فالمجندون في جيوش تلك البلدان غالباً ما يكونوا من غير مواطني تلك الدول، ورغم أن  أغلب الضباط  والرتب العليا يكونون من مواطني الدولة الخليجية التي يقودون جيشها، إلا إنه توجد نسبة ليست قليلة أيضا من الضباط الأجانب. ويتم اختيارهم في منصبهم بناء على عوامل شتى، أبرزها العامل الاجتماعي، حيث تنحصر بصورة كبيرة هذه الرتب على أبناء العائلات الكبيرة والقبائل الغنية والعوامل الدينية، على سبيل المثال في البحرين والسعودية لا نجد ضباط في رتب قيادية من الشيعة.

 

معايير مختلفة للتجنيد والترقي

خلصت الدراسة إلى أن الطبقة الاجتماعية التي ينحدر منها ضباط الجيش في الخليج العربي تمثل عاملاً رئيسياً في عملية اختيارهم للخدمة، ولعل هذا هو السبب في جعل الفجوة بين الضباط والمجندين داخل جيوش الخليج كبيرة للغاية بصورة ملفتة، أكبر منها بين المجندين والضباط في الجيوش البريطانية والأمريكية. يمر الضباط المتقدمون للالتحاق بالخدمة في الجيش بعملية فحص صارمة، ليس فقط له ولمؤهلاته الثقافية والجسدية، وإنما لأفراد عائلته وأقاربه من حيث ولائهم لأفراد العائلة المالكة.

في دول الخليج الأقل ثراء، يحتاج الضباط إلى واسطة (نفوذ ومحسوبية) للقبول في الكلية العسكرية، ومعظم الطلاب يأتون من الطبقات العليا، أو المتوسطة على الأقل، وكما هو الحال في دول أخرى، يتكرر الأمر في دول الخليج، ويتم تعيين أو اختيار الضباط الذين ينحدرون من أسر عسكرية، وتكون الأولولية لهم.

العامل الديني له دور كبير أيضاً في اختيار الضباط والمجندين، ففي دول مثل البحرين والسعودية والإمارات، يتم محاربة أي تواجد للشيعة داخل الجيوش، بل يعد ذلك من المحرمات عليهم، بعكس الوضع في الكويت، يوجد ضباط يتقلدون مناصب ورتب عليا داخل الجيش، وينتمون للمذهب الشيعي.

في البحرين أيضا، حيث الجيش صغير والوضع الأمني ​​غير مستقر، يسعى النظام لتواجد العائلات السنية الكبيرة في تشكيل الجيش، لضمان بقاء “آل خليفة”، لتكون العلاقات الاجتماعية في الخليج هي المحدد الرئيسي لاختيار الضباط والعاملين في الجيش.

وفي الإمارات، يتم تحديد مصير الضباط كل ستة أشهر عندما يتلقون مهامهم الجديدة، حيث يتم استخدام عملية الاختيار لتعزيز الولاء للنظام والروابط الشخصية؛ لهذا السبب، تعد تنمية وتطوير وتنمية العلاقات الشخصية عنصراً حاسماً للحصول على حياة مهنية ناجحة، ناهيك عن الارتباط المتداخل للضابط مع موجهيه – غالبًا ما يكون هناك تقارب حقيقي بين الضابط ورعاته؛ وغالبًا ما يشتركون في الخلفية القبلية والدينية، ويكون شعار العمل الأشهر: “سأفعل فقط ما يريده رؤسائي”.

وفق الدراسة الأمريكية فإن “القبلـية” هي التي تشكل التفاعلات والعلاقات الشخصية وتؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على كل شيء من مهام العمل والترقيات إلى كيفية معاملة أفراد الجيش من قبل أقرانهم ورؤسائهم.

وفي الوحدات العسكرية، يعامل الجنود والضباط على حد سواء (الذين ينتمون إلى قبيلة معينة / قوية) بمنتهى الرفق واللين، مع امتيازات أخرى، بل يوكل إليه أعمالاً هاماً بغض النظر عن رتبته إذا كان من قبيلة عريقة.

كما أن الأشخاص المنتمين لقبائل عريقة، يسهل عليهم الوصول إلى شخصيات مهمة في مناصب عليا، أو بعبارات أخرى تتفوق الروابط الشخصية على العلاقات المؤسسية، وكذلك التعيين بعد التخرج، لا يعتمد على الكفاءة بقدر ما يعتمد على الأصل الاجتماعي.

وكمثال آخر؛ فإن الطلاب من (عائلات) عادية لن يفكروا في التأخر عن الفصل أو عدم القيام بمهام، في المقابل، الطلاب المنحدرين من قبائل عريقة ومرموقة، لا يخشون التأخر عن المحاضرات لضمانهم عدم التعرض لأي عقاب.

 

التدريب والتعليم: مصر بلا جدوى

يشارك معظم الضباط الخليجيون في العديد من الدورات التدريبية في الخارج في مختلف المراحل خلال حياتهم المهنية، كما أن التعليم الرسمي ذو قيمة عالية في الجيوش الخليجية، وأولئك الذين حصلوا على شهادات من جامعات مرموقة يحتفظون باحترام كبير وغالبًا ما يتم احترامهم أكثر من مجرد موظف من الرتب العليا ذوي المؤهلات التعليمية الأقل، ويظهر ذلك جلياً في نظرة الطلاب أو المتدربين للمدربين حملة الشهادات العليا كالماجستير والدكتوراه، خاصة إن كانوا من الأجانب.

وتعتمد الأكاديميات العسكرية المحلية في الخليج المناهج البريطانية ويستعينون بمدربين بريطانيين وأمريكيين (سواء متقاعدين أو لا) كما يحدث في كلية مبارك العبدالله للقيادة والأركان بالكويت، والتي تستقبل طلاباً من كافة أنحاء العالم، حيث تخرج في العام الأكادميي ٢٠١٨/٢٠١٩ ١١٣ طالباً من ٢٤ دولة، كثير منهم من العالم الإسلامي، واللافت للنظر أن المشاركون الأردنيون والمغاربة والباكستانيون يميلون إلى الحصول على أفضل سمعة، على عكس المصريين الذين يسعون لكل جهدهم أن يثبتوا أنهم الأسوأ، حسب الدراسة الأمريكية.

يتم إرسال الضباط الخليجيين أيضا إلى مؤسسات التعليم العسكري في العالم العربي، وخاصة في مصر، وحسب المقابلات التي أجرتها الدراسة مع بعض العسكريين المتدربين فإن “جميعهم” تحدثوا بسخرية واضحة عن مستوى التعليم بمصر، تقول الدراسة: أحدهم ضابط كبير كان قد التحق ببرنامج لمدة عام في أكاديمية ناصر العسكرية العليا في القاهرة – المؤسسة التعليمية العسكرية العليا في مصر – عام 2010، وقد وصف جودة التعليم والأكاديمية بأنها “قطعة من الخراء”، وذكر أن مناهج الدورة لم تكن متطورة، وكذلك مستوى المدربين، كان سيء للغاية على الرغم من أن “الكثير منهم حاصلين على درجة الدكتوراه ولكن، كما تعلمون، يمكنك شراء الدكتوراه في مصر بثمن بخس”. وذكر أحد المبحوثين أن الطالب الذي حصل على المركز الثاني في الدورة كان سعودياً، نادراً ما حضر المحاضرات، لكنه حصل على هذا المركز بسبب رشوته لمسؤولي الأكاديمية.

وقد أجمع الضباط الخليجيون الذي أجرى مركز الدراسات الاستراتيجية مقابلات معهم- وكانت دولهم قد أرسلتهم لحضور بعض البرامج التدريبية في مصر-  على أنها كانت فترة سيئة، وأضافوا أنهم يشعرون بالاستياء من أن بلدانهم تهدر، لأسباب سياسية، أموالهم ووقتهم على “تعليم” عديم الجدوى.

 

الفهم الخاطئ للوظيفة: الجيش ليس للقتال

تطرقت الدراسة إلى مقارنة بين جيوش الخليج والجيوش الغربية في طريقة فهم العسكريين لمكانتهم ونظرتهم لأنفسهم والدور الذي يقومون به. ففي جيوش الخليج، يتم فهم “المكانة” أو “الوضع” بشكل مختلف عن نظرائهم الغربيين، في الجيش الغربي على سبيل المثال يتشجع الضباط للقتال عمومًا لأن هذا هو ما تدربوا عليه، وهذا هو المكان الذي يمكنهم فيه التفوق وإظهار قدراتهم، ولأن واجب القتال مفيد لآفاق حياتهم المهنية، أما في معظم جيوش الخليج، لا يتم إرسال الضباط للقتال، بل إلى صراعات مثل الصراع الدائر في اليمن.

وفيما يعتبر ضابط القوات الخاصة البريطانية أو الأمريكية أن النقل إلى مكان إداري هو حط كبير من المكانة الوظيفية وربما الشخصية، فإن في جيوش دول مجلس التعاون الخليجي، يُنظر إلى الانتقال إلى الإدارة على أنه مصدر جيد لتحسين الدخل وزيادة الثروة الشخصية. إنهم يعتبرون التوظيف كضابط عسكري مجرد وظيفة أخرى في القطاع العام، بامتيازات خاصة.

على جانب آخر ينظر معظم طلاب الجامعات في الكويت الذين أجرى معهم مركز الدراسات الاستراتيجية مقابلات؛ أن الانضمام للجيش اختيار غير مرجح بالنسبة إليهم، حيث أن بلادهم لم تواجه أي تهديد وجودي، كما أن جيشهم “لم يستطع إنقاذ أي شخص”، مؤكدين أن الجيش الأمريكي هو أفضل ضامن لهم. يقول احد المبحوثين بالدراسة: “لقد اختبرنا قدرة الجيش الأمريكي عام 1991، وكانوا على قدر المهمة”، وأضاف أنهم يرون أن العمل في الجيش شيء ممل ومضيعة للوقت، ففي نظره أن أقرانهم في الجيش لا يقومون إلا بتدخين السجائر ولعب الـ “بلاي ستيشن”.

لكن الرأي الكويتي اختلف تماماً عن الرأي العُماني، حيث يرى العمانيون أن مهنة ضابط الجيش مهنة تحظى باحترام كبير ومكانة عالية.

يشتهر معظم الضباط في الخليج بكرههم للمخاطر، فهم يعلمون أن هناك عقبات إذا حاولوا التفكير خارج الصندوق، بل قد يعرقل هذا ترقيتهم، ووفقا للمقابلات التي أدرتها الدراسة مع ضباط من الجيوش الخليجية الستة فقد أجمعوا على أن: أعظم من يتنبأ برتبة المرء هو أسلوب خدمته: “ما لم تفعل شيئًا غبيًا حقًا، فسوف تصبح عقيداً”.

 

الامتيازات المادية في الجيوش

تقوم دول الخليج برعاية جيدة للضباط الخليجيون، خاصةً في الدول الأكثر ثراءً: فهم يتلقون راتبا سكنيا كبيرا ومزايا تعليمية وصحية على أعلى مستوى لعائلاتهم، بالإضافة إلى الرواتب المرتفعة، وحسب احصائيات الدراسة الامريكية، فإن راتب العقيد في الإمارات حوالي ١٠٠ ألف درهم شهرياً (ما يعادل ٢٧ ألف دولار أمريكي) بالإضافة إلى البدلات، كما أن جميع الرتب حينما يسافرون في رحلة عمل، يحصلون على راتب يومي ١٠٠٠ دولار أمريكي. كما أن هناك امتيازات كثيرة عند التقاعد، حيث يحصل العقيد المتقاعد على راتب عامين كاملين، بالإضافة إلى امتيازات أخرى تؤهلهم للانتقال إلى الحياة المدنية بأريحية تامة، كبدء مشروع تجاري مثلاً، كما يسمح لهم بالمشاركة في مشاريع تجارية أثناء الخدمة -ولكن بشروط”.

وخلال السنوات الماضية، خاصة بعد ثورات الربيع العربي ٢٠١١، تحسنت رواتب العسكريين في دول الخليج، ففي الإمارات رُفعت الرواتب العسكرية ستة أضعاف بين عامي ٢٠٠٨ و ٢٠١٨، بينما نمت الرواتب في قطر بنسبة ١٢٠٪.

ورغم ذلك؛ وحسب توصيفات الدراسة الأمريكية؛ فإنه ففي المستويات العليا، هناك قدر كبير من الركود الذي يحبط التفكير الجديد والمرونة والديناميكية لدى الأجيال الجديدة، عندما يصبح هذا النمط أكثر من اللازم أو يصعب التعامل معه، يتم تقديم برامج ذات حوافز خاصة لكي يتقاعد العقيد واللواءات.

ترى الدراسة في خلاصتها أنه بشكل عام، المشكلة الأكثر أهمية في سلاح الضباط الخليجيين داخل جيوش دول مجلس التعاون الخليجي أنهم ليسوا على قدر كاف من الكفاءة والجدارة، وما دامت الخلفية العائلية/ القبلية والروابط الشخصية تتخطى الكفاءة، فإنها لن تحقق المستوى المطلوب من التقدم والمتطور، فضلاً عن الأموال المهدرة في الإنفاق على تطوير تلك الجيوش.

 


اترك تعليق