Loading

فورين بوليسي: الهيمنة الليبرالية هي الحل الأمثل ولكن بشروط

تغيير حجم الخط ع ع ع

نشرت مجلة “فورين بوليسي” مقالا للبروفيسور ستيفين والت، الذي يشغل منصب (روبرت اند ريني بيلفير) للعلاقات الخارجية في جامعة هارفارد، حول رأيه في فكرة”الهيمنة الليبرالية” ومدى نجاحها بعد تطبيقها من قبل الإدارات الأمريكية، وهل هي بالفعل سياسة جيدة يحتاجها العالم أم يجب استبدالها بسياسة أخرى.

وبدأ “والت” مقاله متسائلاً عن مدى عدل وحيادية الانتقاد التي تم توجيهها سواء من قبله أو من آخرين إلى استراتيجية الولايات المتحدة “للهيمنة الليبرالية”، حيث كانت الانتقادات الدائمة هي حول ما إذا كان من الممكن أن يكون إنشاء نظام عالمي قائم على القيم الليبرالية (الديمقراطية والأسواق الحرة وسيادة القانون وحقوق الفرد وما إلى ذلك) أكثر جدوى مما يبدو الآن؟، وهل كانت ستنجح هذه الاستراتيجية إذا كان القادة الأمريكيون أكثر ذكاءً وأقل تعجرفًا وأكثر صبرًا وأكثر حظًا؟ أم هل كانت الهيمنة الليبرالية “حتمًا فاشلة” كما قال جون ميرشايمر في مقال سابق له، أم كانت هناك مسارات معقولة للعمل كان من شأنها أن تؤدي إلى التوسع المطرد والدمج العميق للقيم والمؤسسات الليبرالية حول العالم؟

وتحدث “والت” عن “الهيمنة الليبرالية” قائلاً أنه يبدو في ظاهرها أنها مفتاح للتقدم، ولكن ما حدث أنه بدلاً من التقدم، ظلت الديمقراطية تتراجع في جميع أنحاء العالم لأكثر من عقد من الزمن – بما في ذلك في الولايات المتحدة نفسها – ولم تؤد الجهود التي قادتها الولايات المتحدة لتغيير النظام إلى ازدهار الديمقراطيات، بل أدت إلى خلق دول فاشلة ديموقراطياً، كما أنتجت العولمة المفرطة تحت رعاية الولايات المتحدة أزمة مالية خطيرة عام 2008، تسببت في تشريد آلاف العاملين والموظفين في عدد من القطاعات، وساهمت في خلق رد فعل شعبي مضاد على جميع الأصعدة.

كما ساعد توسيع حلف الناتو في تسميم العلاقات مع روسيا، وغذت -بصورة أو بأخرى- سياسات لمعاداة الولايات المتحدة في الخليج العربي.

أكبر كارثة نتجت عن هذه السياسة هي الإرهاب وانتشار العمليات الإرهابية في العالم كله، وأبرزها هجمات 11 سبتمبر وجميع العواقب السلبية التي نجمت عن ذلك الحدث، لتكون النتيجة النهائية لهذه التطورات تراجعًا جزئيًا عن فكرة العولمة، وظهور مستبدين محتملين في المجر، وبولندا، وحتى في الولايات المتحدة، مع استعادة استعادة السلطوية في العديد من الأماكن الأخرى.

من ناحية أخرى، وبالنظر إلى ما نحن فيه اليوم، لا يزال الكثير من الناس مقتنعين بأن محاولة إنشاء نظام عالمي ليبرالي بقيادة الولايات المتحدة كان الهدف الصحيح وأن الولايات المتحدة تحتاج فقط للتعلم من أخطاء الماضي والقيام بذلك بشكل أفضل و أذكى في المستقبل، حيث يعتقد البعض أن ما يحتاجه الشرق الأوسط هو تغيير النظام الذي تقوده الولايات المتحدة، في حين يعتقد البعض الآخر أن المشكلة ليست الاستراتيجية الأساسية للولايات المتحدة بل بالأحرى حقيقة أن الأمريكيين يشككون بها بشكل متزايد.

وأشار “والت” إلى مدى تأثير نتيجة الانتخابات الأمريكية المقبلة على هذا الأمر، حيث قال انه إذا فاز نائب الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن في الانتخابات الرئاسية في نوفمبر/تشرين الثاني (وهو الخيار المفضل لوالت) فإن الدور الأمريكي العالمي “الذي لا غنى عنه” سيعود إلى مساره الصحيح مرة أخرى، ومن المرجح أن نرى محاولة جزئية على الأقل لإعادة عقارب الساعة إلى أيام الهالسيون عندما كانت الولايات المتحدة تحاول بنشاط إنشاء نظام ليبرالي عالمي.

 الهيمنة الليبرالية هي الحل الأمثل ولكن بشروط

وطالب “والت” القارئ بأن يترك العنان لخياله ويرجع بالزمن إلى عام 1992، والسعي في سبيل إنشاء نظام عالمي ليبرالي وإعادة ما حدث مع تجنب جميع الأخطاء التي تم ارتكابها خلال ربع القرن الماضي… ما الذي ستفعله بشكل مختلف؟ وهل سينجح هذا النهج الجديد؟

وأكد “والت” أن النهج الأكثر ذكاءً للهيمنة الليبرالية يجب أن يكون أكثر صبراً، ففي التسعينات، شعر الأمريكيون أنهم وجدوا “الخلطة السحرية” للنجاح في عالم معولم – كما أسماه توماس فريدمان “DOScapital 6.0” – وأن الدول الأخرى لا تستطيع الانتظار لتصبح مثل الولايات المتحدة، وعليه فيجب على الولايات المتحدة أن تتبنى نهجًا بطيئًا وثابتًا وغير عسكري بلا ريب لنشر القيم الليبرالية، وأن تدرك أن الأمر سيستغرق عدة عقود (أو أكثر) حتى تؤتي ثمارها.

من الناحية العملية ، كان من شأن الهيمنة الليبرالية أن تتجنب توسيع الناتو وتذهب مع ما يسمى الشراكة من أجل السلام بدلاً من ذلك، حيث كانت تلك الشراكة ستعزز التعاون الأمني ​​مع الدول المستقلة حديثًا في أوروبا الشرقية – وبالتالي المساعدة في تقوية نظمها الديمقراطية الوليدة، المختلف أنها كانت ستشمل روسيا وتفي بالوعود التي قطعها المسؤولون الأمريكيون قبل انهيار الاتحاد السوفييتي.

ربما كانت العلاقات مع موسكو ستبقى سيئة لأنها ستكون قد استعادت بعض قوتها السابقة، ولكن ليس كما هو الحال حالياً، كما أن غياب توسيع الناتو (ومحاولة الولايات المتحدة المضللة ترشيح أوكرانيا لخطة عمل عضوية عام 2008)، كان سيؤثر إيجاباً على المستقبل الأوكراني، أو على الأقل، لن تكن الأوضاع مضطربة هناك كما هي اليوم.

رحلة الزمن هذه كانت ستكسبنا “بُعد نظر”، له فوائد عدة، ربما تصبح الولايات المتحدة أكثر حكمة وتتبع نهجًا أكثر قياسًا للعولمة الاقتصادية، حيث يتم تقليل الحواجز أمام التجارة والاستثمار على تحسين الكفاءة الاقتصادية العامة، ولكن يجب تناوله بشكل أبطأ حيث يعطي ذلك القطاعات التي تضررت من المنافسة الأجنبية الأكبر المزيد من الوقت للتكيف مع الأوضاع الجديدة.

ورأى “والت” أن من أكبر الأخطاء التي ارتكبت “اقتصادياً”: إدخال الصين إلى منظمة التجارة العالمية “قبل الأوان”، في محاولة لإرسال الديموقراطية إلى الصين، وتحويلها إلى نظام ديموقراطي ليبرالي مسؤول، ولكن ما حدث هو أن هذه الفرصة سمحت ببروز الصين كمنافس شرس، مع عدم تغيير أي شيء في سياساتها الداخلية والخارجية.

إضافة إلى ذلك، في الرحلة عبر الزمن التي سنسافرها للتعلم من أخطاء الماضي، سنجد أن رفع القيود المفرطة على الأسواق المالية لم تكن قرارات صائبة، كما سنتلافى الدخول في “فقاعات المال والفقاعات الأصولية” لتجنب مخاطرها، التي ربما كانت السبب الأبرز لأزمة 2008.

“بُعد النظر” الذي سنحصل عليه من رحلتنا عبر الزمن كان سيحذرنا من سياسة الاحتواء المزدوج في الخليج العربي، وكذلك من محاولة خلق ديمقراطية على النمط الغربي في أفغانستان بعد أحداث 11 سبتمبر، والقرار الأحمق بالإطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين عام 2003.

وفيما يتعلق بالربيع العربي، ربما كانت الولايات المتحدة اتباع نهجاً أكثر دقة، حيث كان سيتم دعم انتقال تونس إلى الديمقراطية مع عدم الإطاحة القسرية للديكتاتور الليبي معمر القذافي، وبدلاً من الإعلان عن “رحيل الأسد” في بداية الحرب الأهلية السورية، كانت الولايات المتحدة ستعمل مع جميع الأطراف المعنية (بما في ذلك إيران) لإنهاء هذا الصراع بسرعة وبخسائر بشرية أقل بكثير، حتى لو كانت النتيجة النهائية أن يستمر بشار الأسد في السلطة.

الهيمنة الليبرالية هي الحل الأمثل ولكن بشروط

باختصار، كان يمكن للولايات المتحدة أن تدفع باتجاه المزيد من الانفتاح والحرية والأساس.

لو اتبع العالم نظاماً ليبرالياً، ولكن بصورة أكثر تدرجاً ودقة، كان سيتم تقديم دعمًا اقتصاديًا ودبلوماسيًا وخطابيًا للبلدان التي كانت تحاول حقًا التحرك في اتجاهات أكثر ليبرالية، وكان يمكن أن تعمل بجد أكثر للحفاظ على الولايات المتحدة كنموذج يريد الآخرون محاكاته، وفي المقابل، كانت ستمتنع عن محاولة مشاريع ضخمة للهندسة الاجتماعية في البلدان التي تفتقر إلى الشروط الأساسية للديمقراطية المستقرة، كما كان سيعلم القادة الاستبداديين الذين ليس لديهم نية التخلي عن السلطة طواعية بأن مقاومتهم هي الحل الأوحد لا محال.

وأشار والت إلى أنه “لو سعت الولايات المتحدة للهيمنة الليبرالية بهذه الطريقة، لكان من الممكن تجنب العديد من التداعيات السلبية التي حدثت بالفعل، ومع ذلك لا أظن أن الهيمنة الليبرالية قد تكون المسار الصحيح، وأنه ينبغي تبني نسخة أكثر تعقيدًا إذا وجدت الولايات المتحدة نفسها في موقع أسبقية مرة أخرى، وفقاً للمعطيات الحالية”.

وذكر “والت” نقطتين قال انه لا يجب أن نغفل عنهما حتى مع التعلم من الأخطاء:

أولاً: حتى عندما نعرف الأخطاء التي يجب تجنبها، قد لا يكون هناك أي مسار للعمل من شأنه أن يؤدي إلى نتيجة ناجحة… إن الولايات المتحدة قوية جدًا وغنية وآمنة، لكن بعض المهام قد تكون ببساطة خارج حدود إمكانياتها وخارج حدود فهمها، على سبيل المثال، مسألة استخدام القوة العسكرية لتحويل المجتمعات المنقسمة بشدة إلى ديمقراطيات ليبرالية.

ثانيًا: إذا كانت الولايات المتحدة قد اتخذت مسارًا مختلفًا تمامًا للعمل في نقاط حرجة مختلفة في الماضي القريب، لكان التاريخ قد اتجه في اتجاه مختلف، وكان قادة الولايات المتحدة سيواجهون مجموعة مختلفة تمامًا من الخيارات التي لا يمكن معرفة نتائجها مقدما.

بعبارة أخرى، فإن الدروس المستفادة من الأحداث كما وقعت بالفعل قد لا تساعد الولايات المتحدة على تحديد ما يجب فعله بمجرد أن يسلك التاريخ مسارًا مختلفًا.

كما ذكر “والت” الصعوبات التي تواجه “الهيمنة الليبرالية” سواء في الماضي أو حالياً، حيث قال أن الهيمنة الليبرالية تستلزم الكثير من الهندسة الاجتماعية المعقدة، فالنظام العالمي الليبرالي هو النظام الذي تكون فيه بعض المبادئ السياسية الرئيسية (الديموقراطية، سيادة القانون، حواجز منخفضة أمام التجارة والاستثمار والسفر، والحقوق الفردية)، ومع ذلك، فإننا نعيش في عالم لا يتم فيه احتضان هذه القيم عالميًا.

لم تكن الديمقراطيات أغلبية على الإطلاق، ويعتقد الملايين من الناس أن الأمن والسيادة والقيم الثقافية والاستقلالية الوطنية والأهداف السياسية الأخرى أكثر أهمية – مما يعني أن محاولة حمل الآخرين على اعتناق الديمقراطية تتطلب ضغطًا كبيرًا وتزيد من خطر عدم الاستقرار السياسي، خاصة في دول حيث تجعل القومية والأشكال الأخرى للهوية المحلية الناس مستاءين ومريبين حتى من التدخل الأجنبي حسن النية.

علاوة على ذلك، كلما كانت التغييرات بعيدة المدى التي تحدث بين أي مجموعة من الناس، كلما كانت النتائج صعب التنبؤ بها، وكلما ظهرت عواقب غير مقصودة.

حتى التغيير السياسي التقدمي يخلق فائزين وخاسرين، وبدلاً من تقبل النتيجة أو محاولة التغيير بالصبر، قد يحملون السلاح لمحاولة استعادة مواقعهم السابقة، وبالتالي خلق نوع من المقاومة التي ساعدت على هزيمة جهود الولايات المتحدة لتعزيز النظام الليبرالي في الماضي.

وأكد “والت” أنه حتى إذا تجنب صانعو السياسة في المستقبل جميع الأخطاء التي وقعت بين عامي 1992 و 2016 (ناهيك عن الأخطاء الفادحة التي ارتكبها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ ذلك الحين)، فقد نكون واثقين من أنهم سيسيئون التعامل مع بعض التطورات غير المتوقعة.

الهيمنة الليبرالية هي الحل الأمثل ولكن بشروط

واختتم “والت” مقاله قائلاً بأنه ربما كانت حركة الهيمنة الليبرالية ستعمل بشكل أفضل قليلاً مما فعلته الولايات المتحدة بالفعل، لكنها لم تكن ستحقق الهدف النهائي لنظام ليبرالي عالمي قائم على قواعد واحدة.

هذا الإدراك ليس حجة لفك الارتباط الأمريكي أو السلبية الدبلوماسية؛ إن الوضع الذي نتعامل معه جميعًا على أساس يومي اليوم هو تذكرة قوية بأن المصلحة الذاتية تتطلب أحيانًا أن تتعاون الولايات المتحدة مع الدول الأخرى لحل المشكلات العالمية، والاعتراف بأن الاعتقاد الحالي بأن معظم البشرية تشترك في القيم الأمريكية وأن إنشاء نظام عالمي ليبرالي سيكون من السهل القيام به هو اعتقاد خاطئ”.

اقرأ أيضاً: “كورونا” يرفع طلبات إعانة البطالة في أمريكا إلى مستوى قياسي

للاطلاع على النص الأصلي من المصدر اضغط هنا


اترك تعليق