Loading

معهد بريطاني: يجب ألا تغفل أوروبا عن الأزمات المحتملة في الشرق الأوسط بعد كورونا

بواسطة: | 2020-04-07T19:10:36+02:00 الثلاثاء - 7 أبريل 2020 - 7:10 م|الأوسمة: , |
تغيير حجم الخط ع ع ع

أصدر معهد “رويال يونايتد سيرفيس” البريطاني تقريراً للباحث توبياس بورك حول مستقبل العلاقات الأوروبية بل ومستقبل القارة نفسها مع الشرق الأوسط في ظل الجائحة الحالية التي ضربت العالم أجمع.

وأثار التقرير تساؤلاً مهماً حول التضامن الأوروبي مع الدول الأخرى في ظل تفشي أزمة كورونا، ولاسيما مع دول الشرق الأوسط، خاصة وأن أوروبا أصبحت مركزًا لانتشار الوباء، وعليه قامت الحكومات في القارة بإغلاق الحدود والانشغال بالداخل فقط في محاولة للحد تفشي المرض وتقليل التداعيات الاقتصادية، مع وضع العلاقات التجارية المستقبلية بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي في أسفل قائمة الأولويات.

وشدد التقرير على ضرورة اهتمام أوروبا بعلاقاتها الخارجية وعدم إغفال الأزمات الجارية الأخرى خاصة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، والتي تؤثر على المصالح الجيوسياسية والأمنية الأوروبية ، بما في ذلك مصالح المملكة المتحدة.

قبل أن ينتشر الوباء في أوروبا، كان صناع السياسة في لندن وباريس وبرلين وأماكن أخرى قلقين من اشتعال التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، وتصعيد الصراعات في سوريا واليمن وليبيا، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والحكمية في لبنان والعراق وإسرائيل، وهي الأزمات التي حذر التقرير أنها لم تختف أو تنته، بل على العكس فإن الوباء قد يمنحها بعدًا آخراً أكثر تعقيداً.

ولفت التقرير إلى أنه، باستثناء إيران وتركيا، فإن تفشي فيروس كورونا في بقية أنحاء الشرق الأوسط لم يصل بعد إلى الشدة التي شوهدت في العديد من البلدان الأوروبية، على الأقل رسمياً.

في وقت كتابة هذا التقرير، سجلت إسرائيل فقط أكثر من 5000 حالة إصابة مؤكدة، والمملكة العربية السعودية لديها أكثر من 2000، وقطر والإمارات أكثر من 1000، ومع ذلك، هناك اعتقادات من قبل نقاد ومعارضين بأن الأعداد الحقيقية في المنطقة قد تكون أعلى بكثير.

من ناحية أخرى، تم اتهام العديد من الحكومات وعلى رأسهم مصر بمحاولة التكتم على مدى تفشي المرض في بلدانهم، ومن المحتمل أن قدرات الفحص المحدودة تعني أن العديد من الحالات لا يتم تسجيلها، بل لا يتم فحصها من الأساس.

على أي حال، اتبعت الحكومات في جميع أنحاء المنطقة الاتجاه العالمي لفرض قيود على السفر وفرض حظر التجول وتعطيل الأعمال غير الضرورية وإغلاق أماكن العبادة.

وأشار التقرير إلى أنه هناك مخاوف واسعة النطاق من أن أنظمة الرعاية الصحية في العديد من دول الشرق الأوسط لن تكون قادرة على التعامل مع الوضع إذا انتشر المرض بصورة واسعة النطاق كما هو الحال في أوروبا والولايات المتحدة.

قد تتمكن الأنظمة الملكية الخليجية الثرية من إيجاد حلول مالية للأزمة، على الرغم من أن ميزانياتها على وشك الاهتزاز حالة بسبب انهيار أسعار النفط العالمية وتباطؤ الاقتصاد العالمي

أما البلدان الفقيرة، من الأردن إلى المغرب، فبالكاد ستكافح من أجل البقاء.

في الجزائر والعراق ولبنان، أدى الخوف من الفيروس وإجراءات الابتعاد الاجتماعي التي تم فرضها للحد من انتشار الفيروس، إلى وضع حد مؤقت لحركات الاحتجاج التي استمرت شهورًا، ومع ذلك فإن المشاكل السياسية والاقتصادية التي دفعت بالناس إلى الشوارع لم تنته بعد، ومن المؤكد أن تضاعفها انهيار الصحة العامة الذي يلوح في الأفق بجانب الأزمات الاقتصادية المتزامنة.

لبنان، على وجه الخصوص، في خضم أزمة مالية ذات أبعاد وجودية؛ في أوائل مارس/آذار، قررت الحكومة المحاصَرة في بيروت التخلف عن سداد ديون بقيمة 1.2 مليار دولار، مع اقتراب المزيد من المواعيد النهائية للدفع في الأسابيع المقبلة.

أما في العراق، يواجه رئيس الوزراء المعين حديثًا عدنان الزرفي المهمة الصعبة المتمثلة في تشكيل حكومة في بلد منقسم بصورة عميقة، ولا يزال يشهد صراعات عسكرية بين القوات الأمريكية والميليشيات المدعومة من إيران.

وسلط التقرير الضوء على الأوضاع في البلدان التي تعاني من حروب دائرة، حيث أكد إن الوضع مقلق بشكل خاص فيما يتعلق بأضعف السكان في المنطقة الذين تأثروا بالصراعات المستمرة، كاليمن وسوريا وليبيا، وهي البلدان التي حذرت الأمم المتحدة من أن تفشي كورونا فيها وفي العديد من مخيمات اللاجئين المزدحمة في الدول المجاورة قد يكون كارثياً ومن المستحيل احتواؤه.

وصل الفيروس بالفعل إلى سوريا وليبيا، بينما لم يتم تسجيل أي حالات في اليمن حتى الآن.

وأكد التقرير أنه حتى لو كانت هناك حالات بالفعل في أي من تلك البلدان الثلاثة، فمن الصعب اكتشافها في ظل وجود أنظمة رعاية صحية مدمرة بالكامل بفعل الحرب التي أنهكتها على مدار سنوات، فضلاً عن معالجتها.

ومما يزيد الطين بلة أن العنف الذي تسبب في هذه الأزمات الإنسانية القائمة بالفعل لا زال مستمر بلا هوادة، على الرغم من المحادثات الدولية والأممية حول وقف إطلاق النار المؤقت على الأقل لمنع انتشار الفيروس في اليمن أو سوريا أو ليبيا.

أما في اليمن، التي دمرتها الحرب على مدار خمس سنوات، خاصة بعد التدخل العسكري بقيادة السعودية في الحرب الأهلية، يبدو أن السلام بعيد المنال حيث اشتد الصراع مرة أخرى منذ بداية العام الجاري.

قد ترغب المملكة العربية السعودية في تخليص نفسها من الحرب، لكن التقدم الحوثي الأخير جعل هذا مستحيلاً، حيث لا يزال وجود مليشيا جيدة التسليح متحالفة مع إيران تعمل عبر حدودها الجنوبية أمرًا غير مقبول تهديدًا للأمن القومي للمملكة كما كان قبل خمس سنوات.

بالنسبة لأوروبا، قد تبدو الحرب في اليمن بعيدة وغير مؤثرة، ولكن يجب الالتفات إلى أنه لا يمكن فصلها عن اشتعال أوسع نطاقا بين الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين وإيران، وهو الصراع الذي كافحت الحكومات الأوروبية لتحديد دورها فيه، دون أن تتمكن من عزل نفسها عن عواقبه، ولعل أحدث مثال على ذلك مقتل جندي بريطاني في العراق في 12 مارس/آذار المنصرم في هجوم على قاعدة عسكرية على يد ميليشيا عراقية مدعومة من إيران

حتى الآن، تظل أوروبا، بقيادة لندن وباريس وبرلين، متمسكة بالاتفاق النووي مع إيران، حتى بعد أن انسحبت واشنطن من تلك الاتفاقية ونكث إيران التدريجي لالتزاماتها بها، ليبدو أن الاتفاق الجديد يجب أن يتجاوز الاتفاق النووي ليشمل أنشطة إيران الإقليمية، بما في ذلك دعمها للحوثيين في اليمن.

في سوريا، دخلت الحرب عامها العاشر، حيث لا يزال القتال مستمر في محافظة إدلب على وجه الخصوص، على الرغم من وقف اطلاق النار المؤقت بين جميع الأطراف التي تدعم بعضهم تركيا فيما تدعم روسيا البعض الآخر المكون من نظام الأسد وحلفائه.

ورأى التقرير ان وقف إطلاق النار الذي تم الاتفاق عليه بين تركيا وروسيا في أوائل مارس/آذار ما هو إلا اتفاق هش، فعلى أرض الواقع، يستمر القتال ويبدو أن التصعيد المتجدد الواسع النطاق للعنف مسألة وقت.

كما تحدث التقرير عن الحرب الأهلية في ليبيا، والتي قال عنها أنه لا يوجد ما يدل على أنها ستنتهي قريباً، مضيفاً أنه في العالم الماضي، حاول الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر، الذي يسيطر على معظم شرق ليبيا، غزو طرابلس ونزع سيطرتها من القوات المتحالفة مع حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًا.

لم تتحرك الخطوط الأمامية بشكل كبير في الأشهر الماضية، لكن القتال، بما في ذلك القصف العشوائي للمناطق السكنية، مستمر بصورة يومية ولم يتوقف.

في هذه العملية، تحولت نقاط الصراع إلى محاور أكثر تعقيداً، حيث تلقى حفتر دعما من الإمارات ومصر، وكذلك من المرتزقة السودانيين والروس، في حين إن حكومة الوفاق الوطني مدعومة من تركيا، التي أرسلت بعضا من أفرادها العسكريين إلى غرب ليبيا.

من ناحية أخرى، هاجم التقرير الحكومات الأوروبية في التعامل مع تلك الأزمات، حيث قال ان الحكومات الأوروبية فشلت بشكل مذهل في محاولاتها غير الهادفة للدفع من أجل تسوية هاتين الحربين الواقعتين على الجناح الجنوبي لأوروبا.

كما تسبب تهديد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في فبراير/شباط بالسماح مرة أخرى للاجئين السوريين بمغادرة تركيا إلى أوروبا، في إحداث ضجة في العواصم الأوروبية، وهو ما أثار ذلك اتهامات غاضبة بأن تركيا كانت تحاول ابتزاز أوروبا.

في ليبيا أيضاً، أدت السياسات المتعارضة لفرنسا وإيطاليا إلى تعقيد الأمور، حيث دعمت فرنسا حفتر، واعتبرته المرشح الأكثر احتمالا لتحقيق الاستقرار في البلاد، في حين عملت إيطاليا بشكل وثيق مع حكومة الوفاق الوطني وبعض الشركات المسلحة التابعة لها في محاولة لوقف الهجرة عبر البحر الأبيض المتوسط.

لكل من روما وباريس مصالح تجارية طويلة الأمد في صناعة النفط والغاز الليبية.

من جانبها، استضافت ألمانيا في يناير/كانون الثاني مؤتمراً دولياً حضرته جميع الدول المشاركة في الحرب الأهلية في ليبيا، بما في ذلك تركيا ومصر والإمارات وروسيا. اتفق جميع الأطراف على دعم حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة على ليبيا، الساري منذ عام 2011، فقط لزيادة الدعم لشركائهم على الأرض.

كما أعلن الاتحاد الأوروبي هذا الأسبوع عن إطلاق مهمة بحرية جديدة لمنع تصدير شحنات الأسلحة إلى ليبيا، ولكن بصرف النظر عن الشكوك حول فعاليتها، فإن دعم الدول الأعضاء للمهمة لا يمكن وصفه إلا انه دعم فاتر، حيث تشعر العديد من الحكومات بالقلق من أن تضطر سفنها إلى إنقاذ المهاجرين الذين يحاولون عبور البحر الأبيض المتوسط ​​من ليبيا.

لقد أظهر العقد الماضي أن الصراعات والأزمات الإنسانية في الشرق الأوسط تؤثر بشكل مباشر على الأمن القومي والسياسات الداخلية للبلدان في جميع أنحاء أوروبا.

ومع ذلك، بدلاً من تحفيز السياسة الخارجية الأوروبية – سواء بشكل جماعي أو فردي – يستمر الخوف من تدفق المزيد من اللاجئين والمهاجرين في شل الحكومات عبر القارة.

الحكومات الأوروبية سريعة في تحديد كيف أن تصرفات الآخرين – بدءً الموقف العدواني لإدارة ترامب المناهضة لإيران، إلى التدخل الروسي، إلى المنافسات الإقليمية – تغذي عدم الاستقرار في جميع أنحاء الشرق الأوسط، ومع ذلك ليس لديهم ردود من تلقاء أنفسهم، سواء من جانب واحد أو متعدد الأطراف.

في هذه المرحلة، يكون تأثير أوروبا على الأزمات الواقعة على حدودها ضئيلاً.

واختتم بورك التقرير محذراً من استمرارا أوروبا في الانغلاق على نفسها، موضحاً أنه في الوقت الحالي، أجبر فيروس كورونا الحكومات الأوروبية على تركيز انتباهها إلى الداخل، مع توفير سبب جديد لإغلاق الحدود، ومع ذلك، فإن الأشخاص اليائسين الهاربين من ويلات الحروب وسفك الدماء وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط – وربما انهيار أنظمة الرعاية الصحية قريبًا – سيستمرون في رؤية أوروبا كملاذ آمن.

في الأسابيع المقبلة، يمكن للوباء أن يشعل أزمات إنسانية جديدة في الشرق الأوسط ويزيد من تفاقم الأزمات القائمة، لذلك يجب أن يكون صناع السياسة الأوروبيون على أتم الاستعداد لذلك.

للاطلاع على النص الأصلي من المصدر اضغط هنا


اترك تعليق