fbpx
Loading

محمد الجمالي.. سياسي خدمَ العراق بصدق وأحبّه التونسيون من قلوبهم

بواسطة: | 2020-10-27T18:58:54+02:00 الثلاثاء - 27 أكتوبر 2020 - 6:58 م|الأوسمة: |
تغيير حجم الخط ع ع ع

محمد فاضل الجَمّالي، وزيرٌ وسياسيٌّ ومفكرٌ عراقيٌّ بارز، ألَّف العديد من الكتب والمقالات في مجال الوحدة العربية والعلوم التربوية، وشغل منصب رئيس وزراء العراق خلال عامي 1953-1954، كما أنه كان أول شخصية عراقية تحمل شهادة الدكتوراه في علوم التربية من جامعة  هارفارد، ويعتبر أيضًا مِن المؤسسين للأمم المتحدة في عام 1945.

غادر الصخب السياسي العراقي وبقي يتأمل تأريخه من على ضفاف البحر المتوسط، حيث عاش أكثر من نصف عمره ضيفًا على تونس التي لم تنسَ موقفه النبيل الذي خدعَ فيه الأمم المتحدة من أجل أن يتمكّن التونسيون من إيصال صوتهم للعالم أجمع.

نشأته وحياته 

وُلد الجَمّالي بمدينة الكاظمية في بغداد عام 1903. ونشأ في بيئة دينية يَغلب عليها الإلتزام والمحافَظة. درس في مدرسة الإمام الخالِصِي، وتفوقه العلمي أُرسل في بعثة إلى الجامعة الأمريكية في بيروت.

حصل الجَمّالي على شهادة البكالوريوس في التربية من الجامعة الأمريكية، ونال شهادة الدكتوراه في التربية من جامعة كولومبيا الأمريكية، وكانت أطروحته للدكتوراه بعنوان: “معالجة مشاكل التعليم لأبناء الريف والعشائر في العراق”. عُيِّن بعد عودته مدرساً في دار المعلمين العالية، وتدَّرج إلى إن أصبح مديرًا عامًا للمعارف، ورئيسًا لجهاز للمفتش العام. كما أُختيرَ عضوًا في المجمع العلمي العراقي.

أسهم الجَمّالي بفاعلية في تطور التعليم الوطني الحديث في العراق. حيث دفع الحكومة العراقية لاستقدام (لجنة دابول مونرو) من جامعة كولومبيا الأمريكية بهدف دراسة واقع التعليم في العراق. وبالفعل جاءت اللجنة ووضعت تقريرًا مهمًا عن التعليم في البلد.

وُضِعت توصيات اللجنة موضع التنفيذ، وانعقد المؤتمر الأول ببغداد في أبريل 1932 لإعادة النظر في مجمل النظام التعليمي في البلاد. ثم تأسست “كلية بغداد” في 30 حزيران من عام 1932، ثم “جامعة الحكمة”، واللتان كانتا تُداران من قبل الأمريكان. غير أن التوجه القومي الذي برز في الثلاثينيات من القرن الماضي، واستمر حتى قيام ثورة 14 تموز 1958 أدى إلى تغيير الواقع التعليمي في العراق بعيدًا عن التوجهات الغربية.

رجل السياسة

في عام 1945 وقع الإختيار على الجَمّالي ليكون ممثلاً للعراق في هيئة الأمم المتحدة، وشارك في التوقيع على ميثاقها. قبل أن يُصبح وزيرًا للخارجية بين عامي 1946/1952، ثم رئيسًا للوزراء بين عامي 1953/1954

كان الجَمّالي أول سياسي يحمل شهادة الدكتوراه يتولى رئاسة الحكومة العراقية. لذلك نجده قد حرص كثيرًا على تقديم نخب من الجامعيين والمثقفين للمناصب العليا في الحكومة الجديدة. هذا الأمر انعكس على مواقف أخرى محافِظة، خاصة من أعضاء مجلس النواب ورجال العشائر والريف في المجلس، أو مِمَّن تعلَّموا في العهد العثماني تعليمًا محافظًا، حيث وصفوا وزارات الجَمّالي بأنها ليبرالية، وغربيـة الإتجاه.

بالإضافة إلى انتمائه الوطني، عُرفَ الجَمَّالي باتجاهه القومي العربي. إذ دعا إلى استقلال الدول العربية، وخاصة دول المغرب العربي، أثناء مشاركاته في المحافل الدولية والدبلوماسية، وشارك في مؤتمرات دولية ودبلوماسية عدة في هذا الاتجاه.

لعلَّ أبرز مواقفه المشرِّفة تجاه الأشقاء العرب، هو خِداعهُ للأمم المتحدة من أجل أن يوصل التونسيّون صوتهم للمجتمع الدولي في عام 1954. ففي هذا العام كانت تونس ماتزال ترزح تحت الإنتداب الفرنسي، وكانت فرنسا هي المسيطرة على مقدرات هذا البلد العربي، وتتحدث باسمه في كل المحافل الدولية ومنها الأمم المتحدة، وليس بمقدور أي مواطن تونسي أن يرفع صوته محليًا أو دوليًا باسم بلده المحتل. 

في هذه الفترة ظهر المحامي البارز (الحبيب بورقيبة) على الساحة النضالية في تونس وتصدَّر كمُمثلٍ لشعبها المضطهد. سافرَ (بورقيبة) إلى نيويورك نيابةً عن الحزب الدستوري الجديد، في محاولة لحضور جلسات الجمعية العمومية للأمم المتحدة، وإبراز صوت تونس في هذا التجمع الأممي.

ما حدث هو أن حرّاس مبنى الأمم المتحدة رفضوا إدخاله رغم كل المحاولات التي بذلها، بسبب عدم تحلّيه بالصفة الرسمية التي تؤهله للدخول. في هذه اللحظة كان القدر إلى جانب (بورقيبة)، فقد حضر الدكتور محمد فاضل الجمَّالي والوفد العراقي المرافق لدخول المبنى، فاستغرب من الفوضى الموجودة عند البوابة.

وما أن علم بالقصة حتى توجه إلى (بورقيبة) وقال له: “أنت ستدخل إلى مبنى الأمم المتحدة بصفتك عضوًا في الوفد العراقي”، ورفع شارَةَ الدعوة من عضو عراقي مرافق له، ووضعها على صدر (الحبيب بورقيبة)، وقال له: “أصبحتَ الآن عضوًا في الوفد العراقي، ولن يستطيع أحد أن يمنعك من الدخول إلى مبنى الأمم المتحدة”. وبالفعل دخل (بورقيبة) مع الوفد العراقي.

ما أن أنهى الجمَّالي كلمة العراق حتى سلَّم الميكروفون إلى (الحبيب بورقيبة) وقال: “الآن أُسلِّم الميكروفون إلى أخي (الحبيب بورقيبة) للتحدّث باسم تونس الحرة”. وهنا سادَ الصمت في القاعة، وغادر الوفد الفرنسي احتجاجًا على ما قاله الجمَّالي. وما أن استلم (بورقيبة) الميكرفون حتى ألقى خطابًا حماسيًا نال استحسان الحاضرين وإعجابهم، ووقف أغلبهم وصفّقوا له. بعدها توجه (بورقيبة) إلى الدكتور الجَمَّالي وقال له: “لا أنا ولا بلدي تونس سننسى لك صنيعكَ هذا”. بعد سنتين من هذه الحادثة نال الشعب التونسي استقلاله، وأصبح (بورقيبة) أول رئيس لتونس.

الانقلاب ورد الجميل

في تشرين الأول من 1957 عُيِّن محمد فاضل الجَمّالي عضوًا في مجلس الأعيان، كما أصدر صحيفة يومية سياسية ببغداد في نفس العام. قبل أن يُعاد تعيينه وزيرًا للخارجية في آذار 1958. استمر الجمّالي في منصبه حتى الإطاحة بالحُكم الملكي في 14 تموز 1958 بانقلاب عسكري قاده عبد الكريم قاسم، وقُتِلَت على إثره العائلة الحاكمة.

شنَّ الإنقلابيون عقب ذلك حملةَ اعتقالات واسعة ضد رموز الحقبة الملكية، وكان الدكتور محمد فاضل الجَمّالي من بينهم، حيث قُدِّم إلى “محكمة الثورة” التي امتازت بالتعسّف والفوضوية، وصدر عليه حكم بالإعدام، ليكون أول رموز النظام الملكي التي يصدر بحقها حكم الإعدام. وبمجرَّد صدور الحكم، خرَّ الجَمّالي مغشيًا عليه في قفص المحكمة، فهو لم يكن عميلاً لدولة ما، ولم يكن قاتلاً يوما مًا، ولم تُحِطْ به شبهة اختلاس أو سرقة.

وهنا، حان وقت ردّ الجميل، فكان الرئيس التونسي (الحبيب بورقيبة) أول من تدخّل وطلبَ من السلطة الجديدة في العراق العدول عن إعدامه، والسماح له بالمغادرة إلى تونس، وبالفعل لم يُنَفَّذ الحكم، وبقيَ في السجن حتى 1961 حيث أُطلق سراحه وسُمِح له بمغادرة البلد.

عاش الجَمّالي كلاجئٍ سياسي في سويسرا، ثم دعاه (الحبيب بورقيبة) إلى تونس ومنحه الجنسية التونسية وأطلق اسمه على أحد شوارع العاصمة، وفاءً لموقفه النبيل مع تونس وشعبها. وقرر (بورقيبة) أيضًا منحه راتبًا لكنه رفض، لأنه أراد أن يحصل على راتبه من عرق جَبينه، فعمل أستاذًا في إحدى الجامعات التونسية.

لم يتوقف الجَمّالي عن مواقفه الوطنية والعروبية رغم أنه بعيدٌ عن وطنه. ففي عام 1995 أقامت الأمم المتحدة حفلاً بمناسبة مرور 50 عامًا على توقيع ميثاق الأمم المتحدة. ووجَّهت دعوة لكل مَن شاركوا في هذا التوقيع، وكان بضمنهم الدكتور محمد فاضل الجَمّالي. 

في 24 أيار من عام 1997، توفي في تونس بعيدًا عن وطنه الذي أحبَّه وخدمه طويلاً، عن عمر يناهز الخامسة والتسعين عامًا. لتُطوى بذلك صفحة واحدٍ من أبرز رجال العهد الملكي العراقي، في مجالات السياسة والدبلوماسية والتربية والتعليم.


اترك تعليق