أعلنت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة عودة أكثر من 3 ملايين نازح سوداني إلى مناطقهم الأصلية حتى نهاية نوفمبر/تشرين الثاني 2025، في تطور لافت يأتي رغم استمرار القتال في أجزاء واسعة من البلاد. هذه العودة، التي شملت نحو 3 ملايين و300 ألف شخص، تعكس تحولات ميدانية وسياسية متسارعة منذ أواخر 2024، لكنها في الوقت ذاته تطرح أسئلة ثقيلة حول الاستقرار، وإعادة الإعمار، ومسؤولية الأطراف التي غذّت الحرب وأطالت أمدها.

الخرطوم.. وجهة العودة الأولى
سجّلت العاصمة الخرطوم أكبر موجة عودة، بقرابة 1.4 مليون شخص، تلتها ولاية الجزيرة بنحو 1.1 مليون. ويعزو التقرير هذا الارتفاع إلى استعادة الجيش السيطرة على الخرطوم في مارس/آذار 2025، عقب هجوم واسع على ميليشيا الدعم السريع في وسط البلاد أواخر 2024. وقد شجّع الهدوء النسبي في العاصمة ومدن الوسط والشرق آلاف العائلات على المخاطرة بالعودة، رغم هشاشة الوضع الأمني واستمرار الضربات المتفرقة بالطائرات المسيّرة التي تستهدف بنى تحتية وخدمات أساسية.
من النزوح الداخلي إلى العودة القسرية
يشير التقرير إلى أن أكثر من ثلاثة أرباع العائدين كانوا نازحين داخليًا، ما يعني أن عودتهم لم تكن انتقالًا عبر الحدود بل رجوعًا إلى أحياء وقرى دُمّرت جزئيًا أو كليًا. كثيرون عادوا إلى منازل منهوبة، وشبكات مياه وكهرباء معطلة، ومرافق صحية شبه منهارة. وبينما تبدو العودة في ظاهرها خبرًا إيجابيًا، فإنها في الواقع عودة محفوفة بالمخاطر، تفرضها الحاجة واليأس أكثر مما تصنعها ضمانات الأمن.
حكومة تعود… ودولة تُرمَّم
في خطوة رمزية، أعلنت الحكومة السودانية بدء مزاولة أعمالها رسميًا من داخل الخرطوم، وعقدت أول جلسة لمجلس الوزراء في العاصمة منذ اندلاع الحرب، بعد فترة إدارة من بورتسودان. هذه العودة الحكومية تحمل رسالة سياسية بأن العاصمة “استُعيدت”، لكنها تصطدم بواقع خدماتي قاسٍ، وبحاجة عاجلة إلى موارد لإعادة تشغيل الدولة. فعودة المؤسسات لا تعني تلقائيًا عودة الدولة بكامل وظائفها، ولا تعفي من مواجهة آثار عامين من حرب مدمرة.
ميليشيا الدعم السريع… عودة تحت النار
على الضفة الأخرى، تواصل ميليشيا الدعم السريع شن هجمات متفرقة، مستخدمة الطائرات المسيّرة لقصف منشآت مدنية وبنى تحتية، في محاولة لإبقاء البلاد في حالة استنزاف دائم. هذه الهجمات، التي طالت محطات كهرباء ومخازن وقود ومرافق حيوية، تُفاقم معاناة العائدين، وتحوّل “العودة” إلى اختبار يومي للبقاء. كما تستمر المعارك في مناطق أخرى، ما يعني أن خريطة الأمان لا تزال متقلبة، وأن موجات نزوح جديدة قد تُخلق في أي لحظة.
الإمارات… دور مظلم في حرب السودان
لا يمكن قراءة مشهد العودة بمعزل عن الدور الإماراتي الذي وُجّهت إليه اتهامات واسعة بدعم ميليشيا الدعم السريع سياسيًا ولوجستيًا وماليًا، بما أسهم في إطالة أمد الحرب وتعقيد مسارات الحل. تقارير وتحقيقات متعددة أشارت إلى شبكات إمداد وتسليح وتمويل، وإلى استثمار الفوضى لتحقيق نفوذ إقليمي على حساب استقرار السودان ووحدته. هذا الدعم، الذي يُنكر رسميًا، ترك بصمته على الأرض: مدن مدمّرة، ملايين نازحين، واقتصاد منهك، وجرائم موثقة بحق المدنيين.
عودة بلا عدالة؟
تثير عودة الملايين سؤالًا مركزيًا: هل يمكن للاستقرار أن يتحقق دون محاسبة؟ فالعائلات التي عادت إلى الخرطوم والجزيرة وولايات أخرى تحمل ذاكرة القتل والنهب والاغتصاب والتشريد. ومع غياب مسار عدالة واضح، يخشى كثيرون أن تتحول العودة إلى تطبيع مع الإفلات من العقاب، وأن تُدفن الجرائم تحت ركام المنازل.
خلاصة المشهد
عودة 3 ملايين سوداني إلى ديارهم مؤشر على تغيّر موازين ميدانية، لكنها ليست إعلان نهاية الحرب. الخرطوم تتقدم كوجهة أمل، فيما يلاحقها ظل الخطر. وبين حكومة تحاول استعادة الدولة، وميليشيا تواصل التخريب، ودعم خارجي—في مقدمته الدور الإماراتي—أسهم في صناعة الكارثة، يبقى مستقبل السودان معلقًا بين عودة بلا ضمانات، وعدالة لم تبدأ بعد، وإعمار يحتاج قبل المال إلى قرار سياسي يضع حياة السودانيين فوق حسابات النفوذ.
اقرأ أيضًا : تدفق السلاح الإماراتي للدعم السريع… صراع نفوذ يتفجّر على حدود السودان وليبيا