تغيير حجم الخط ع ع ع

لم تعد لبنان تمر بأزمة عادية، إنه إعصار ركود متزايد يتميز بالقضاء على القوة الشرائية، وتسريح العمال، وضياع القيم.

لبنان

لبنان

اجتمع لبنانيون يوم الجمعة، الثالث يوليو، في منطقة الحمرا في بيروت، بعضهم حاملاً للزهور، والبعض الآخر يصرخ غضبا وألما، إثر انتحار رجل على خلفية الانهيار الاقتصادي والمالي.

في هذا المكان التجاري النابض بالحياة، انتحر “علي الحق”، 61 سنة، في وضح النهار وفي منتصف الشارع، حيث قام بإطلاق النار على نفسه، بينما صرح ابن عمه قائلاً: “لقد قتل نفسه بسبب الجوع! “.

في اليوم نفسه، أفادت الصحافة بحدوث انتحار آخر في منطقة جنوب العاصمة من قبل سائق حافلة صغيرة يعاني من صعوبات مالية، وقد تسببت هذه الوفيات العنيفة في إحداث صدمة كبيرة للمواطنين.

لم تعد لبنان تمر بأزمة عادية، إنه إعصار ركود متزايد وبداية نهاية العالم.

تصيح “ماريا”، طبيبة نفسية: “نحن نستيقظ مرهقين في الصباح، بدون أي أمل”، ومع تواصل الحروب والأزمات السياسية في لبنان، أصبح التعايش مع الحياة اليومية عبارة عن فلسفة.

هذه الأزمة، التي لم تشهدها البلاد من قبل، تسببت في القضاء على القدرة الشرائية لدى المواطنين، وفي تسريح العمال بشكل كبير، وضياع القيم، ولا أحد يعرف إلى أي مدى سيستمر ذلك.

يشخص الخبير الاقتصادي “شربل نحاس”، وهو واحد من القلائل الذين حذروا في خريف سنة 2018، من الزلزال الذي كان يهدد البلاد، “إنها صدمة كبيرة، أسوأ بكثير من اليونان، التي يعانيها لبنان”.

في بيروت، لا تزال العديد من المتاجر مغلقة، وهو دليل على الإفلاس أو تباطؤ النشاط، تقول “هانية”: موظفة في أحد المحال التجارية، لم يعد راتبها يساوي الكثير، ولكنه كل ما تبقى لها: “لقد خفضنا ساعات العمل لعدم وجود عمل كافٍ، لا يمكن للزبائن مواجهة التضخم، وأخشى أن المالكين سيغلقون مركز التسوق حينها سأفقد وظيفتي”.

لم تعد الأسعار معروضة في بعض المتاجر: لقد أصبح من الصعب تغييرها كل يوم، حيث إن معظم ما يتم استهلاكه يتم استيراده بالدولار، الذي يستمر سعره في الارتفاع في السوق السوداء، حيث تتداخل ثلاثة أسعار للدولار:

الأول رسمي (1500 جنيه مقابل دولار واحد)، والثاني يمارسه البنوك (3850 جنيهًا للدولار الواحد) والثالث ساري في السوق السوداء (أكثر من 8000 جنيه للدولار الواحد).

يقول “حسن”، الذي يدير محل بقالة صغير: “لم نعد نعرف سعر البيع”، وقد أصبح اللحم سلعة فاخرة، من جهة أخرى أعلن الجيش أنه أزال اللحم من قائمة وجبات جنوده.

في بعض التقاطعات يضاف إلى المتسولين الصغار الذين كانوا متواجدين منذ سنوات، أشكال لم يسبق رؤيتها من قبل، وهم كبار السن الذين يبيعون بعض الأغراض البسيطة مقابل مبلغ من المال، ومما زاد الطين بلة، أن بيروت تعيش في الظلام لعدة أيام في الليل نتيجة انقطاع الكهرباء.

تجاهل البنوك

يرى “علي الحريري” في صيدليته في منطقة بدارو عملاءه “يطلبون تخفيضات”، وفوق هذا يأتيه عدد كبير من الطلبات، حيث “يخشى الناس أن يكون هناك نقص، خاصة أولئك الذين يعانون من أمراض مزمنة، لذا يقومون بتخزين المواد لعدة شهور، ونحن بالكاد نستطيع متابعة الطلبات”.

في أواخر يونيو، أدت شائعات عن نقص الطحين إلى اصطفاف المواطنين اللبنانيين أمام المخابز لشراء الخبز، في مشهد يوحي إلى فترة الحرب الأهلية (1975-1990)، وقد تم رفع سعر هذا المنتج المدعوم.

أما البنوك، فهي مغلقة خلف جدران معدنية تغطي النوافذ الخارجية، وبينما كانت تعتبر ركيزة للاقتصاد، فقد أصبحت الآن محتقرة من قبل المواطنين، حيث تم تقنين السحب، ولا يمكن لأحد أن يعثر على الدولار في أي مكان، باستثناء أولئك الذين يتلقونها من الخارج.

بالإضافة لأسعار الفائدة المرتفعة، التي اجتذبت منذ فترة طويلة الودائع وعززت النظام المالي اللبناني، منذ الخريف، فقد تم تجميد أموال صغار المدخرين، وحدث تهريب كبير لرأس المال إلى الخارج منذ أبريل 2019، من قبل الأشخاص ذوي النفوذ.

يصيح أحد المواطنين المتقاعدين، وهو عميل في فرع بنك في منطقة الأشرفية “إنها أموالي! ليس لديكم الحق في منعي من سحبها!”، بينما اعتاد الجميع على هذه المعاناة، والعملاء المنهكون وكذلك الموظفون يتساءلون متى سيحين دورهم ليتم الاستغناء عنهم.

طلب المساعدة من المغتربين

توقفت الحياة أيضا في “صور” في الجنوب، حيث تعتبر “نور عز الدين”، التي تعمل في مدرسة، نفسها محظوظة مقارنة بالمعلمين المفصولين في مؤسسات أخرى أو مع الجيران الذين ترى أنهم يطلبون المساعدة لتوفير الاحتياجات الأساسية.

كان عليها “بيع سيارتها” والعودة للعيش مع والديها، لمواصلة دعم أطفالها، الذين يدرسون في فرنسا، “نحن نشهد تغيراً مفاجئاً، أخشى أننا سنعتمد في الجنوب على المال الذي يرسله أقاربنا في الخارج”، والذي يعيش منهم الكثير في إفريقيا.

ناشد رئيس الوزراء “حسن دياب” مؤخراً العديد من المغتربين اللبنانيين حول العالم، داعياً إياهم للقدوم إلى لبنان حاملين معهم الدولار لمساعدة أسرهم وبلدهم.

تضيف “نور عز الدين” ساخرة: “إنه لأمر مضحك بصراحة أن أسمع مثل هذه التعليقات”، فقد أعطت هذه الدعوةُ اللبنانيين الشعور بأنهم، في كثير من الأحيان، لا يمكنهم الاعتماد إلا على أنفسهم أو على تضامن الأسرة والمجتمع”.

تبدو الحكومة دائما أكثر قوة، فقد تم تشكيلها في يناير بدعم من “حزب الله” والرئيس “ميشال عون” ورئيس مجلس النواب “نبيه بري”، عندما انتقل بقية الطيف السياسي مثل رئيس الوزراء السابق “سعد الحريري”، “وليد جنبلاط” أو “سمير جعجع” إلى المعارضة، في محاولة استغلال الاحتجاجات، وقال مصدر مقرب من رئيس الوزراء “لا توجد نية للاستقالة”
.

ترجمة العدسة عن صحيفة لوموند الفرنسية ـ للاطلاع على المقال الأصلي (اضغط هنا)