تغيير حجم الخط ع ع ع

تعاني الإمارات من أزمة اقتصادية طاحنة جراء استمرار أزمة “كورونا” والآثار المترتبة عليها؛ والتي أدت إلى تراجع عائدات النفط، وانهيار في قطاع الشركات، بالإضافة لتعطل قطاعات اقتصادية هامة وتسريح للعاملين فيها مثل قطاع الطيران والسياحة.

واضطرت هذه الحالة المتردية للاقتصاد المسئولين في الإمارات إلي إجراء تغييرات جوهرية في هيكلة الحكومة، والتي تمثلت في إلغاء بعض الوزارات ودمج أخري سعياً لتقليل الكلفة الاقتصادية وإنقاذ ما يتعرض له اقتصاد بلادهم من انهيار.

هيكلة جديدة

وفي 5 يوليو 2020، أعلن محمد بن راشد آل مكتوم، رئيس الحكومة الإماراتية وحاكم دبي، أنه “أقر هيكلة جديدة للحكومة” لمواكبة التغييرات التي فرضتها أزمة كورونا على حد قوله.

 ومن ضمن إجراءات الهيكلة التي أعلنها، إلغاء 50% من مراكز الخدمة الحكومية وتحويلها لمنصات رقمية خلال عامين، ودمج نحو 50% من الهيئات الاتحادية معاً أو ضمن وزارات.

كما نصت القرارات على إنشاء وزارة للصناعة والتكنولوجيا المتقدمة ودمج هيئة المواصفات والمقاييس معها، ودمج وزارة الطاقة مع وزارة البنية التحتية، وإلحاق برنامج زايد للإسكان والهيئة الاتحادية للمواصلات البرية والبحرية بالوزارة الجديدة.

ونصت القرارات أيضاً على دمج المجلس الوطني للإعلام والمؤسسة الاتحادية للشباب مع وزارة الثقافة، لتكون وزارة الثقافة والشباب وتضم وزيرين، ونقل وكالة أنباء الإمارات لشؤون الرئاسة، وإلحاق الهيئة الاتحادية للكهرباء والماء ومجموعة بريد الإمارات ومؤسسة الإمارات العامة للنقل ومؤسسة الإمارات العقارية بجهاز الإمارات للاستثمار.

ومن بين الوزارات التي دُمجت الهيئة العامة للمعاشات والتأمينات الاجتماعية ضمن وزارة تنمية المجتمع، ونقل ملف جودة الحياة والسعادة لوزارة تنمية المجتمع، وإلحاق الهيئة الاتحادية للموارد البشرية بمكتب رئاسة الوزراء.

كما تم دمج الهيئة الوطنية للمؤهلات مع وزارة التربية، ودمج هيئة التأمين مع هيئة الأوراق المالية والسلع برئاسة وزير الاقتصاد، واستحداث منصب وزير دولة للاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي وتطبيقات العمل عن بعد، وإلحاق وزيرة الدولة للأمن الغذائي والمائي بشؤون الرئاسة.

وفي 13 مايو الماضي، قال بن راشد إنه “سيراجع هيكلة الحكومة وحجمها، وسيجري تغييرات لتكون أكثر مرونة وسرعة لتواكب أولويات وطنية جديدة ومختلفة بعد كورونا”.

وأضاف في بيان، آنذاك “مخطىء من يظن أن العالم بعد كورونا كالعالم قبله”.

ووفق تقارير صحفية، تأسست حكومة الإمارات عام 1971 وكان آخر تعديل شهدته عام 2017 شمل حينها تغيير 4 وزراء، دون مساس بوزارات سيادية.

وفي 24 يونيو/ حزيران الماضي، قال “بنك الإمارات دبي الوطني” (تملك الحكومة فيه حصة غالبة)، إنه سيقوم بتقليص بعض الوظائف؛ بسبب الأزمة الاقتصادية الناجمة عن تفشي “كورونا”.

وقال البنك، في بيان آنذاك إن “المستجدات التي طرأت في الآونة الأخيرة، كان لها تداعيات كبيرة على مختلف القطاعات الاقتصادية في الدولة، ومنها قطاع الخدمات المالية، الأمر الذي استدعى إجراء تغييرات”.

انهيار اقتصادي 

ويعاني اقتصاد الإمارات أزمة سيولة نتيجة تراجع أسعار النفط، التي وصلت في أبريل/نيسان إلى أدنى مستوى لها في 20 عاما عند 16 دولارا للبرميل.

ورغم تحسن الأسعار بعد اتفاق تحالف “أوبك ” على تخفيضات غير مسبوقة في الإنتاج، إلا أن السعر الحالي الذي يحوم حول 42 دولارا للبرميل ما زال بعيدا عن سعر 70 دولارا الذي تحتاجه الإمارات للوصول إلى نقطة التوازن في ميزانيتها.

وفي تقرير حديث، قالت وكالة “فيتش” للتصنيف الائتماني، إن ربحية بنوك الإمارات ستتضرر هذا العام تحت ضغط جائحة كورونا وتراجع أسعار النفط، وسط ضعف الآفاق الائتمانية.

وفي 31 مايو الماضي، أعلنت مجموعة “طيران الإمارات”، أنها قررت تسريح “عدد” من موظفيها بسبب الصعوبات الناجمة عن أزمة كورونا، لكن دون تحديد عددهم.

وتراجعت الأصول الاحتياطية من النقد الأجنبي في الإمارات إلى 96 مليار دولار، بعد أن كانت قد بلغت 110 مليارات دولار في شهر مارس الماضي، ما يعني أن الإمارات فقدت نحو 14 مليار دولار بسبب تداعيات جائحة كورونا.

ويبرز تهاوي احتياطات الإمارات إلى مستوى غير مسبوق مؤشراً جديداً على أزمة اقتصاد الدولة مع استمرار نزيف الخسائر وسط الإجراءات الاحترازية التي أقرتها الحكومات وتوقف الأنشطة والأعمال، وزيادة الإنفاق العام لمواجهة تفشي الفيروس.

وذكرت شركة “أرابتك” القابضة المدرجة في سوق دبي المالي، في يونيو الماضي، أن الخسائر المتراكمة عليها بلغت 671.3 مليون درهم (نحو 183 مليون دولار)، وتشكل ما نسبته 44.7% من رأسمالها البالغ 1.5 مليار درهم.

وبحسب توقعات البنك الدولي من المتوقع أن ينكمش اقتصاد الإمارات بنسبة 4.3%، فيما توقع مصرف الإمارات المركزي انكماش اقتصاد البلاد 3.6% لهذا العام.

فيما توقعت شركة “إس تي آر غلوبال” المتخصصة في مجال الأبحاث الفندقية أنه من المحتمل أن يفقد نحو 30% من العاملين في القطاع الفندقي بدبي وظائفهم من جراء تداعيات الأزمة.

أما تقديرات “الاتحاد الدولي للنقل الجوي (أياتا)”، في مايو الماضي، فقال إن الإمارات سجّلت انخفاضاً في عدد المسافرين بما يعادل 31 مليون مسافر، في الوقت الذي سجلت فيه خسائر بالإيرادات تقدر بنحو 6.8 مليارات دولار.

دبي تفاقم الأزمة

وفي الوقت الذي تتدهور فيه إيرادات إمارة أبوظبي من النفط، تعاني إمارة دبي من أزمة أكبر نتيجة تعطل قطاعي العقارات والسياحة والتي تعتمد عليهم دبي في اقتصادها بشكل أساسي.

وتقدر بيانات صندوق النقد الدولي ديون حكومة دبي والكيانات المرتبطة بها بنحو 110% من الناتج المحلي الإجمالي، دون تغير من حيث القيمة الاسمية منذ الأزمة المالية العالمية في 2009، لكن بنك أوف أمريكا قال إن “مزيداً من تعثر الشركات سيكون ممكناً إذا تواصل الركود الاقتصادي”.

وأضاف البنك أن “خسائر متواصلة في الإيرادات قد تثير مخاوف حيال ملاءة الشركات إذا كان التعافي ضعيفاً”، وفقاً لـ”رويترز”.

وأشار إلى بيانات صندوق النقد التي تتحدث عن أن دبي والكيانات شبه الحكومية تواجه سداد ديون بنحو عشرة مليارات دولار هذا العام.

وفي تقرير جديد نشر في 7 يوليو 2020، قالت مؤسسة “فيتش” العالمية للتصنيف الائتماني إن الأزمة المالية التي تعاني منها دبي “ربما ستضرب القطاع المصرفي في كامل البلاد، ولن تستثني مصارف أبوظبي، إذ رفعت مصارف البلاد مخصصاتها في الربع الأول من العام الجاري لتغطية الديون المعدومة بمعدلات مرعبة عما كانت عليه في الفترة نفسها من العام الماضي”.

وتقول: “تواجه الإمارات ثلاثة تحديات رئيسية خلال الأعوام المقبلة تختلف نوعياً وكمياً عن أزمة العقارات التي ضربت إمارة دبي في العامين 2008 و2009، إذ إن الأزمة المالية الماضية كانت قاصرة على القطاع العقاري في دبي، ولم تصل إلى قطاع العقارات في الإمارات الست الأخرى، كما أنها لم تشمل العديد من القطاعات الأخرى”.

وتشير المؤسسة إلى أن الأزمة الحالية ربما ستشمل جميع القطاعات التي بنت عليها دبي ومعظم الإمارات الأخرى مستقبلها الاقتصادي، وتأتي في وقت تتدهور فيه إيرادات إمارة أبوظبي من النفط بالإضافة لصرفها الأموال الطائلة على الحروب في المنطقة.

من جانب آخر، رأت وكالة “موديز” للخدمات المالية، في تقرير نشر في 6 يوليو، أن مصارف الإمارات رفعت مخصصاتها للديون المعدومة بنسبة 222% في الربع الأول من العام الجاري مقارنة بمعدلاتها في الفترة نفسها من العام الماضي، وهذا معدل مرعب يعكس حجم الانهيار في الأعمال التجارية والقطاع العقاري والسياحي الذي يشكل معظم اقتصاد الإمارات غير النفطي في البلاد.

وتواجه حكومة الإمارات اتهامات بإنفاق الأموال لإشعال الحروب وضرب الاستقرار في المنطقة، كدعمها لمليشيات حفتر في ليبيا، والانفصاليين الجنوبيين في اليمن، وهو عادة ما تقابله أبو ظبي بنفي قاطع، وتؤكد أنها تريد الاستقرار في المنطقة ومواجهة “المتآمرين” عليها.