تغيير حجم الخط ع ع ع

في تطور جديد للأزمة القائمة بين شيخ الأزهر وهيئة كبار العلماء من جهة وعبد الفتاح السيسي ونظامه من جهة أخري، أعلن الأزهر عن رفضه مشروع قانون لتنظيم دار الإفتاء المصرية عشية مناقشته بالبرلمان، والذي يجرد هيئة كبار العلماء من حق ترشيح مفتي الجمهورية.

ورغم مشاركة الأزهر وشيخه أحمد الطيب في مشهد الانقلاب في 3 يوليو 2013 وما ترتب عليها من أحداث، إلا أن عدم انصياع “الطيب” الكامل للسيسي في بعض المسائل جعلت منه هدفاً للإبعاد والتنحية عن سدة المؤسسة الدينية الأعرق في مصر.

الأزهر يرفض

ونقلت وسائل إعلام محلية في مصر، مساء السبت، نص خطاب للأزهر، أُرسل إلى رئيس البرلمان، علي عبد العال، يتضمن رأي هيئة كبار العلماء بالأزهر في مشروع قانون تنظيم دار الإفتاء.

وأشار الأزهر في بيانه إلى أن المشروع “يمس استقلاليته”، وأنه يتضمن ما وصفه بـ”العدوان” على اختصاص هيئة كبار العلماء فيه واستقلاليتها، وأضاف البيان أن “مواد هذا المشروع تخالف الدستور المصري، وتمس باستقلالية الأزهر والهيئات التابعة له، وعلى رأسها هيئة كبار العلماء وجامعة الأزهر ومجمع البحوث الإسلامية”.

وأوضح أن “الدستور المصري نص على أن الأزهر هو المرجع الأساس في كل الأمور الشرعية التي في صدارتها الإفتاء”، ولفت إلى أن ما ذُكر في مقدمة القانون المقترح من أن هناك فصلاً بين الإفتاء والأزهر منذ نحو 700 عام، وأن هناك كياناً مستقلاً (دار الإفتاء) غير صحيح، مؤكداً أن مقر الإفتاء في القدم كان في الجامع الأزهر.

وتابع البيان أن “جميع مناصب الإفتاء في مصر طوال العصر العثماني كانت في يد علماء الأزهر، وأشهرها إفتاء السلطنة والقاهرة والأقاليم”.

وشدد الأزهر على أن هيئة كبار العلماء “هي التي تختص وحدها بترشيح مفتي الجمهورية، وجاء المشروع مُلغياً للائحة هيئة كبار العلماء التي تكفَّلت بإجراءات ترشيح 3 بواسطة أعضاء هيئة كبار العلماء، والاقتراع وانتخاب أحدهم لشغل المنصب”.

وأكدت اللجنة المشتركة من لجان “الشؤون الدينية والأوقاف”، و”الخطة والموازنة”، و”الشؤون الدستورية” بالبرلمان، في تقرير سابق، أن مشروع القانون يهدف إلى إعادة تنظيم دار الإفتاء، ومنحها الشخصية الاعتبارية المستقلة والاستقلال، وفق إعلام محلي.

ويستهدف مشروع القانون إعادة تنظيم كل ما يتعلق بالمفتي، من حيث: وضعه الوظيفي، وإجراءات تعيينه واختياره، ومدة شغله للمنصب، والتجديد له، وسلطاته، واختصاصاته، ومن ينوب عنه في تسيير شؤون الدار بوجه عام في أحوال معينة.

ويري مراقبون أن الهدف الرئيسي من قانون تنظيم دار الإفتاء الجديد، هو “إنشاء كيان موازٍ للأزهر، وتفريغ دور الأزهر وتهميشه لصالح كيان دار الإفتاء الذي سيكون تحت أمر السلطة التنفيذية

رسالة من كبار العلماء 

وكشفت هيئة كبار العلماء عن الرسالة التي بعثتها إلى رئيس مجلس النواب علي عبد العال برقم 166 بتاريخ 20 فبراير/شباط الماضي، وأعلنت فيها الهيئة رفضها الكامل لمشروع القانون، مقترحةً تعديلات أكدت أنها تتسق مع أحكام الدستور، بخلاف المشروع الذي تقدم إلى البرلمان من قبل رئيس جامعة الأزهر السابق، النائب أسامة العبد.

وأشارت هيئة كبار العلماء إلى أن نصَّ القانون رقم 103 لسنة 1961، وتعديلاته بالمرسوم بقانون رقم 13 لسنة 2012، أكد أن الأزهر هيئة مستقلة تتمتع بشخصية اعتبارية. وأضافت أنه “لما كان مشروع القانون المقترح قد تضمن إنشاء هيئة دينية إسلامية، وأناط بها الاختصاص بكافة ما يتعلق بالفتوى، فقد أسند إليها إجراء الأبحاث الشرعية المتعلقة بالفتوى، وجعلها الجهة القوامة على شؤون الفتوى، والرد على الشبهات المثارة، وهي المتحدث في كل شؤون الشريعة الإسلامية، وإعداد المفتين وتأهيلهم (داخل جمهورية مصر وخارجها)، وترجمة الفتاوى الشرعية إلى اللغات المختلفة ونشرها، وإصدار النشرات والكتب والمجلات، وأي إصدارات ذات الصلة بنشاط دار الإفتاء”. 

وتطرق الخطاب إلى “إنشاء مركز يسمى مركز إعداد المفتين برئاسة المفتي، في دار الإفتاء، يهدف إلى إعداد الكوادر العلمية التي تشتغل بالإفتاء، وإكسابهم المهارات اللازمة لذلك، وتأهيلهم داخل مصر وخارجها، وإصدار شهادة دبلوم يعادلها المجلس الأعلى للجامعات، وهذا مما يعد افتئاتاً على جامعة الأزهر، التي تختص بإصدار الشهادات العلمية في العلوم الإسلامية”

وأكد خطاب الهيئة أنه “فضلاً عما تقدم، فقد تضمّن مشروع القانون المقترح عُدوانا على اختصاص هيئة كبار العلماء بالأزهر واستقلالها، وهي التي تختص وحدها بترشيح مفتي الجمهورية، وقد جاء المشروع ملغياً للائحة هيئة كبار العلماء التي تكفلت بإجراءات ترشيح ثلاثة بواسطة أعضاء هيئة كبار العلماء، والاقتراع وانتخاب أحدهم لشغل المنصب، وجاء المقترح ليلغي ذلك”.

 وقالت الهيئة إن “مُؤدى هذه النصوص، فضلاً عن سلب اختصاص هيئة كبار العلماء، جعل تبعيَّةِ الفتوى الشرعية لأحد وزراء الحكومة، وتخويله سلطة ندْب من يحلُّ محلَّه عند خلو منصبه؛ بما يؤكد زوال جميع الضمانات التي كفلها الدستور والقانون لاستقلال الأزهر وهيئاته، وإسناد رسالته لأحد أعضاء الحكومة، على الرغم من أن الأزهر هو مَن يختار المفتي ابتداءً”. وأضافت: “كما تضمن مشروع القانون المقترح عُدواناً على جامعة الأزهر في ما تضمَّنَه من النص على أن ينشأ بدار الإفتاء مركز يسمى مركز إعداد المفتين برئاسة المفتي، يهدف إلى إعداد الكوادر العلمية التي تشتغل بالإفتاء”.

طعن على القانون

وفي خطوة يراها مراقبون تصعيدا ً جديداً للغة الخطاب من قبل “كبار العلماء”، قالت الهيئة إنها تعتزم الطعن بدستورية القانون في المحكمة الدستورية العليا.

 وقالت الهيئة إن المشروع “لم يخلُ من المساس بمجمع البحوث الإسلامية، الذي يتألَّف من عددٍ لا يزيد على 50 عضواً من كبار علماء الإسلام، يُمثلون جميع المذاهب الإسلامية، ويكون من بينهم عددٌ لا يزيد على الـ20 من غير مواطني جمهورية مصر العربية”.

 ولفتت الهيئة إلى أن المخالفات الدستوريَّة التي شابت مشروع القانون “لا تقتصر أو تقف عند مجرد العدوان على اختصاصات الأزهر، ومحاولة إنشاء كيان موازٍ للأزهر يقوم في موضوعه وغايته على محاولة الحلول محلَّه في رسالته وأغراضه، فالأمر يتجاوز حدود النزاع على الاختصاصات، أو التشبث بالصلاحيات، أو احتكار جهةٍ للقيام بدور معين، ومنع غيرها من مشاركتها فيه”. 

ورأت أن “الخطورة تكمن في تجزئة رسالة الأزهر، وإهدار استقلاله الذي هو عِمادُ وسطيته واعتداله، فالأزهر ليس مجرد هيئة وأشخاص، وإنما هو رسالة علميَّة لا تحتمل إلا أن تكون مستقلة غير تابعة، وهذا المشروع المعروض يخلُّ إخلالاً جسيماً بالدستور، كما يخلُّ بالاستقلالية والحياد الذي ينبغي أن يتمتع بهما منصب مفتي الجمهورية.

ولم تمنع رسائل “الأزهر” و”كبار العلماء” مجلس النواب من الموافقة علي مشروع القانون، حيث وافق مجلس النواب، برئاسة علي عبد العال، في جلسته العامة الأحد على مجموع مواد مشروع قانون مقدم من النائب أسامة العبد، وأكثر من عُشر عدد أعضاء المجلس، بشأن تنظيم دار الإفتاء المصرية.

وأعرب عبد الهادي القصبي، رئيس ائتلاف دعم ورئيس لجنة التضامن الاجتماعي، عن تأييده لإصدار قانون تنظيم دار الإفتاء، لافتًا إلى أن اليوم فيه خير وبركة حيث تمت الموافقة على قانون بيت الزكاة، وأيضا تمت الموافقة على إنشاء هيئتي أوقاف الكنيسة الكاثوليكية والطائفة الإنجيلية، وبعده قانون تنظيم دار الإفتاء، علي حد قوله

وأحال المجلس مشروع القانون إلى مجلس الدولة لمراجعته، تمهيدا لأخذ الرأي النهائي عليه في جلسة عامة لاحقة.