تغيير حجم الخط ع ع ع

 

مع توقيع الإمارات لاتفاقيات العار التطبيعية منتصف سبتمبر الماضي، اتخذت باكستان موقفاً رسمياً منددا  بهذه الاتفاقات، فضلاً عن حالة الغضب العارمة التي اجتاحت الشارع الباكستاني رفضاً للاعتراف بإسرائيل، الأمر الذي لم يرق للإمارات ومن خلفها السعودية فبدأتا ممارسة ضغط سياسي وابتزاز اقتصادي على إسلام آباد، سعياً لاسقاطها في وحل التطبيع وإجبارها على الاعتراف بإسرائيل. 

ضغط سعودي 

وفي تطور لافت، قالت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، نقلاً عن دبلوماسي باكستاني ومسؤول عسكري بارز هناك، إن السعودية تمارس ضغوطاً على إسلام آباد من أجل دفع الأخيرة للتطبيع مع إسرائيل، متوقعة أن يدفع الجيش الباكستاني نحو التطبيع، طمعاً في صفقات دفاعية تسهلها إسرائيل.

وأضافت الصحيفة أن الرياض كثفت، خلال الشهور الأخيرة، من ضغوطها على إسلام آباد لدفعها نحو التطبيع، حيث يريد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان تطبيعاً باكستانياً قبل أن يتخذ هو أية خطوة رسمية تجاه تل أبيب.

وأشارت هآرتس إلى أن رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان شدد في ذلك الحين على أن بلاده مستمرة في رفضها القاطع لأي تحركات نحو إقامة علاقات مع تل أبيب.

وفي مقابلة تليفزيونية، قال خان إن الولايات المتحدة ودولاً صديقة أخرى تضغط على إسلام آباد، من أجل الاعتراف بإسرائيل، رافضاً الكشف عن أسماء هذه الدول، لأن علاقة بلاده معها جيدة، ولا ترغب بإزعاجها، تقول الصحيفة العبرية.

وأكدت “هآرتس” أن من بين الدول الإسلامية الشقيقة التي لم يرغب “خان” في تسميتها في المقابلة هناك السعودية، مشيرة إلى أن الموافقة الضمنية للرياض كانت عاملا رئيسيا في اتفاقيات التطبيع بين تل أبيب وأبوظبي والمنامة.

واعتبرت الصحيفة أن “باكستان ثاني أكبر دولة ذات أغلبية مسلمة من حيث عدد السكان، وهي الدولة الإسلامية الوحيدة المسلحة نوويا، وتطبيعها سيوفر سبقا جيدا للسعودية”، معتقدة أن “الرياض تحمل بطاقة قوية لإسلام آباد، تتمثل في توفير قرض بقيمة ملياري دولار، لإنقاذ البلاد”.

وأشارت إلى أن يقين “خان” الواضح من أن السعوديين سيواصلون الآن المساعدة المالية لباكستان، وتلميحاته العريضة إلى أن هناك تسوية مؤلمة ومربحة قد تكون ضرورية، يبدو أن رئيس الوزراء مستعد للانضمام إلى الرياض وواشنطن.

واختتمت بقولها: “تبدو تصريحات خان مخالفة لما يتم طهيه بالتعاون مع الجيش الباكستاني، وإذا كان الأخير متواطئا مع الضغوط السعودية، لأجل التطبيع مع إسرائيل، فإن رئيس الوزراء يواجه تحديات هائلة في هذا الصدد”.

دور إماراتي

وكون الإمارات تلعب دور عرابة التطبيع في المنطقة العربية والإسلامية، فإن خبراء باكستانيون رأوا أن الإمارات مارست بعد تطبيع علاقاتها مع إسرائيل ضغوطاً عبر قوتها الاقتصادية لدفع باكستان للاعتراف بتل أبيب.

وفي 18 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أعلنت الإمارات تعليق منح التأشيرات لمواطني 13 بلدا بينها باكستان و8 دول عربية حتى إشعار آخر.

وقدمت باكستان طلبا رسميا إلى الإمارات من أجل إيجاد حل لقضية تعليق الأخيرة منح التأشيرات لمواطنيها، علماً أنه يعيش في الإمارات نحو 1.5 مليون باكستاني.

واحتج وزير الخارجية الباكستاني شاه محمود قريشي لدى اجتماعه مع وزيرة الدولة الإماراتية لشؤون التعاون الدولي ريم الهاشمي على هامش اجتماع مجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي في النيجر، على التصرف الإماراتي بحق مواطني بلاده.

وأبلغ “قريشي” الوزيرة الإماراتية بالمصاعب التي تواجه مواطني بلاده بسبب قيود أبوظبي بخصوص التأشيرة، داعياً لحل هذه القضية بأسرع وقت ممكن.

وشدد مراقبون على أن تعليق الإمارات تأشيرات دخول الباكستانيين إلى أراضيها، يمكن قراءته ضمن الضغوط الممارسة على إسلام آباد للاعتراف بتل أبيب.

من جانبه قال الدكتور “سيد حسين شهيد سهروردي”، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة بيشاور الباكستانية إلى أن اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة والمتعاون مع الإمارات يعمل من أجل إقناع باكستان بالاعتراف بإسرائيل.

وقال إنه في حال أعلنت باكستان باعتبارها دولة إسلامية نووية اعترافها بإسرائيل، فإن السعودية ستتخذ خطوة في الاتجاه نفسه.

وأوضح “سهروردي” أن باكستان تمر بمرحلة صعبة جراء جائحة كورونا، ودول الخليج تحاول استغلال هذا الوضع.

غير أنه استبعد اعتراف باكستان بإسرائيل، قائلا: “من المستحيل على أي حكومة باكستانية الاعتراف بإسرائيل، فالشعب الباكستاني حساس للغاية ومتعلق بالقضية الفلسطينية”.

ابتزاز اقتصادي 

وتمارس كلاً من الإمارات والسعودية ابتزازاً اقتصادياً لباكستان لإجبارها على سلوك مسار التطبيع مع إسرائيل، حيث تمثل دول الخليج شرياناً اقتصادياً لباكستان، نظراً لاعتمادها في استيراد النفط بشكل أساسي على دول الخليج، بالإضافة للعمالة الباكستانية الكبيرة في كل من السعودية والإمارات.

ويري نائب عميد المركز الدولي للسلام والاستقرار بالجامعة الباكستانية للعلوم والتكنولوجيا، البروفيسور طوغرال يامين، أنه من المتوقع أن تكون الولايات المتحدة ودول الخليج حثت باكستان على الاعتراف بإسرائيل.

وذكر يامين أن إسلام آباد معرضة للضغوط السياسية الخارجية، بسبب ديونها لصندوق النقد الدولي، وتحقيقات مجموعة العمل المالي لمنع غسيل الأموال. وأوضح أن باكستان مدينة للسعودية لتقديمها قروضاً منخفضة الفائدة، بجانب واقع القوى العاملة الباكستانية الكبيرة في دول الخليج.

ويضيف: “العملة الأجنبية الوافدة مهمة لباكستان، وخاصة من منطقة الخليج.. يبدو أن تعليق الإمارات تأشيرات العمل والسفر للباكستانيين بعد تطبيع علاقاتها مع إسرائيل أسلوب ضغط”.

فيما رأى سيد قنديل عباس، وهو أستاذ بقسم السياسة والعلاقات الدولية بجامعة القائد الأعظم، أن الوضع الجديد في منطقة الخليج يضغط على باكستان لمراجعة سياساتها التقليدية تجاه “النظام الصهيوني”.

وأوضح عباس أن باكستان تربطها علاقات اقتصادية مهمة مع أبوظبي والرياض، وتواجه ضغوطاً عديدة للاعتراف بإسرائيل، وتابع: “السعودية طالبت باكستان بمليار دولار قدمتها لها في إطار مساعدات مالية عام 2018، وسداد إسلام آباد ذلك المبلغ بمساعدة الصين”. ولفت عباس إلى أنه “خلال وباء كورونا، تم تسريح بين 40 و50 ألف باكستاني من أعمالهم في الإمارات”.

وأوضح أن دول الخليج تعرف أهمية باكستان على الصعيد الإسلامي، وتخشى من عدم مشاركتها في المخطط الإقليمي الجديد في الخليج؛ وذلك وفق عباس، قد يثير الكراهية والغضب في العالم الإسلامي تجاه مواقف الملوك الخليجيين الموالية لإسرائيل، وهم (ملوك الخليج) يدركون ذلك جيداً”.