تغيير حجم الخط ع ع ع

تصفية بعض الأبرياء من أجل إبعاد التهمة عن القاتل الحقيقي، هذا ما حدث من نظام السيسي عند تعامله مع قضية مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني.

فبعد نحو 50 يوما من اختفائه، ثم العثور على جثته، أعلنت وزارة الداخلية التوصل لتشكيل عصابي تورط في قتل ريجيني، لنكتشف في النهاية أنهم ليسوا على علاقة بالأمر وأن القاتل لا يزال مجهولا لدى السلطات.

وحينها، كي لا تكون هناك خيوط يمكن من خلالها نسج الرواية الحقيقية لما جرى، قالت وزارة الداخلية، في بيان لها، إن التشكيل العصابي يتكون من 5 أفراد، قتلوا جميعا في تبادل لإطلاق النار بينهم وبين قوة شرطية.

وانتشرت صور لما نتج عن واقعة تبادل إطلاق النار، أظهرت 4 جثث غارقة في الدماء مكومة داخل حافلة مثقوبة بمئات الرصاصات وجثة وحيدة تحيطها دائرة حمراء ملقاة على الطريق إلى جوار الحافلة.

ومع التطورات الأخيرة في قضية ريجيني، أغلقت السلطات المصرية “مؤقتا” ملف التحقيق، في ظل بقاء مرتكب واقعة القتل “مجهولا” كما وصفته، بينما تعتزم النيابة الإيطالية إجراء محاكمة غيابية لخمسة أفراد يعملون بقطاع الأمن الوطني بالقاهرة.

ويظل السؤال بلا إجابة بخصوص مصير المصريين الخمسة الذين جرت تصفيتهم واتضح بعد سنوات أنهم كانوا كبش فداء ذبحته الشرطة المصرية من أجل إبعاد التهمة عن آخرين.

مقتل ريجيني

ريجيني قتل في فبراير 2016، بعد اختفائه عدة أيام، قبل أن يعُثر على جثته ملقاة في منطقة صحراوية بمحافظة الجيزة، وعليها آثار تعذيب.

وإثر الحادثة، وقع خلاف دبلوماسي بين القاهرة وروما؛ أشارت أصابع الاتهام الإيطالية بعد أيام قليلة من اكتشاف جثة ريجيني إلى تورط السلطات بمصر في الجريمة.

وحينها، ظهرت عدة تسجيلات تثبت مراقبة أجهزة أمنية مصرية للطالب الإيطالي قبل اختفائه.

ومع محاولات القاهرة نفي تورط مسؤولين أمنيين في الجريمة، ظهرت عدة روايات تُبعد التهمة عن الجهات الرسمية، ومنها أن ريجيني قُتل في حادث سيارة، ورواية ثانية تقول إن الدافع وراء الجريمة جنسي.

وأشارت رواية ثالثة إلى أن الضحية شوهد وهو يتجادل مع أجنبي بالقرب من القنصلية الإيطالية في المساء الذي سبق يوم وفاته.

لم تنطل تلك الروايات على سلطات التحقيق الإيطالية، مما دفع الأجهزة الأمنية في مصر لتدفع برواية أخيرة تتعلق بتشكيل إجرامي قالت إنه استهدف ريجيني من أجل سرقته، وكان ذلك في 24 مارس 2016.

وأرفقت وزارة الداخلية في بيانها، حول التشكيل العصابي صورا لمتعلقات الطالب الإيطالي التي كانت بحوزته قبل اختفائه للأبد، مثل هاتفه الجوال ونظارته الشمسية وجواز سفره وبطاقة الهوية الجامعية.

كما ذكر البيان، هوية 4 من أعضاء العصابة المزعومة، وجميعهم سبق اتهامهم في قضايا سرقة ونصب، حسب الرواية الرسمية، وتتراوح أعمارهم بين 26 و60 عاما، أما الخامس لم يتم الاستدلال على هويته.

وحينها، زعم بيان رسمي، أن الأجهزة الأمنية تمكنت من استهداف تشكيل عصابي تخصص في انتحال صفة ضباط شرطة واختطاف الأجانب وسرقتهم بالإكراه، وتمت تصفيتهم في تبادل لإطلاق النار.

تغطية على المجرم

لم تقتنع روما بدماء المصريين الخمسة، واعتبرت ما أعلنته القاهرة بشأن التشكيل العصابي رواية غير قابلة للتصديق، ومجرد تغطية على المجرم الحقيقي.

بل إن بعض المحللين السياسيين اعتبروا أن الحادثة تدين السلطات المصرية أكثر مما تبرئها، على اعتبار أنه لا أحد سيصل للمتعلقات الشخصية لريجيني سوى جهة أمنية.

وأمام الرفض الإيطالي، تراجعت القاهرة عن تلفيق التهمة للمواطنين الخمسة بعد قتلهم، واكتفت النيابة العامة المصرية بحصر الجرم الذي ارتكبوه في سرقة متعلقات ريجيني.

وقالت صحيفة الجارديان في تقرير لها نشر، في سبتمبر 2016، إن المجموعة التي قتلها الأمن المصري والمكونة من 5 أشخاص، هم سائق و3 أشقاء وصديق لهم، كانوا يحملون سجلا إجراميا، لكنهم لم يكونوا مجرمين عتاة، فأحدهم مثلا سُجن لأنه مدمن مخدرات.

وأوضحت أن المواطنين المصريين يوم مقتلهم كانوا في طريقهم إلى أحد المنازل في القاهرة، من أجل طلائه، لكنهم قبل وصولهم إلى هناك قتلتهم الشرطة.

مع الريبة التي تحيط حادث مقتل المصريين الخمسة، كان من الطبيعي أن تتجه الأنظار إلى ذويهم لاستبيان مدى صحة ادعاءات الأجهزة الأمنية بحق المقتولين.

لكن يبدو أن طريق الوصول إليهم سُدّ بواسطة الجهة المستفيدة من التعتيم، وطوي ما جرى لهم ضمن ما جرى لريجيني.

ولا يوجد أثر لصوت أهالي الخمسة، غير أن صحيفة البديل نشرت خبرا، في سبتمبر 2016، أي بعد نحو 5 أشهر من الحادثة يفيد بعزم أهالي الضحايا على مقاضاة جهاز الشرطة، بعد أن أعلنت النيابة العامة المصرية براءتهم من تهمة قتل ريجيني.

ونقلت البديل، عن أسر القتلى الخمسة قولهم: “لا نستطيع نسيان مشاهد أبنائنا المشرحة بعد قتلهم من قبل قوات الشرطة بطريقة بشعة”، مؤكدين أن الشرطة “لم تبقِ شاهدًا واحدًا لسرد الحقيقة”.

ولكن يبدو أن الجهة المستفيدة من التعتيم أوقفت أهالي الضحايا عن اللجوء إلى المسار القانوني، ولم يقدموا على رفع دعوى قضائية بخصوص مظلوميتهم، ورأى بعض المراقبين أن تصرف الأهالي يعني تعرضهم للتهديد.