الكاتب والصحفي البريطاني أوين جونز انتقد في أحدث مقالاته حملة القمع غير المسبوقة التي تشنها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد حرية التعبير في الولايات المتحدة، مستخدمة شعار “مكافحة معاداة السامية” كذريعة لإسكات أي انتقاد لسياسات إسرائيل. جونز أبرز في مقاله أن ترامب، الذي يزعم أنه “أعاد حرية التعبير إلى أمريكا”، في الواقع يقود أكبر عملية تكميم للأفواه منذ عهد المكارثية، مستهدفًا الطلاب والأكاديميين الذين يعارضون الحرب الإسرائيلية على غزة، ويطالبون بوقف الدعم الأمريكي للاحتلال.

بدأ جونز مقاله بالإشارة إلى التناقض الصارخ في خطاب ترامب، ففي خطابه أمام الكونغرس، أعلن الرئيس الأمريكي أنه “أعاد حرية التعبير” إلى البلاد، بينما في اليوم نفسه نشر على منصته “تروث سوشيال” تهديدًا بقطع التمويل الفيدرالي عن أي جامعة تسمح بـ”الاحتجاجات غير القانونية”، دون تحديد ما تعنيه هذه العبارة.

وبحسب جونز، فإن المستهدف الحقيقي بهذه السياسة ليس سوى الحراك الطلابي الداعم للقضية الفلسطينية، حيث وصف ترامب المتظاهرين بأنهم “محرضون يجب سجنهم أو ترحيلهم”، متوعدًا بأن “الطلاب الأمريكيين سيتم طردهم أو اعتقالهم وفقًا للجريمة”.

جامعة كولومبيا كانت أول ضحايا هذه السياسة الفاشية، حيث قطعت عنها الإدارة الأمريكية 400 مليون دولار من التمويل الفيدرالي، بحجة “عدم اتخاذ إجراءات كافية ضد المضايقات التي يتعرض لها الطلاب اليهود”.

ولفت جونز إلى أن جامعة كولومبيا، إلى جانب تسع جامعات أخرى من بينها هارفارد وجامعة كاليفورنيا، قد تواجه نفس الإجراء، لأن هذه المؤسسات شهدت احتجاجات سلمية نظمها الطلاب ضد دعم واشنطن للحرب الإسرائيلية على غزة، وضد استثمارات الجامعات في الشركات التي تتعامل مع إسرائيل.

إن استهداف الحراك الطلابي ليس مجرد دفاع عن اليهود أو عن حرية التعبير، بل هو جزء من حملة منظمة لإسكات أي انتقاد للجرائم الإسرائيلية. فإدارة ترامب، وفقًا لجونز، تربط أي انتقاد لإسرائيل بمصطلح “الكراهية المعادية لإسرائيل”، كما تروج له إيليز ستيفانيك، السفيرة الجديدة لترامب في الأمم المتحدة، والتي أصبحت بطلة في أوساط اليمين المتطرف بعد استجوابها لرؤساء الجامعات بشأن المظاهرات الداعمة لفلسطين.

المقال سلط الضوء كذلك على النفاق في مواقف ترامب، الذي سبق أن أطلق تصريحات معادية لليهود الأمريكيين، قائلاً إن من يدعمون الديمقراطيين “يكرهون دينهم”، و”يكرهون كل شيء يتعلق بإسرائيل”، و”يجب أن يخجلوا من أنفسهم”، بل وذهب أبعد من ذلك عندما هدد بأنهم سيكونون “موضع اللوم” إذا خسر الانتخابات. لكن في المقابل، نجد أن الاحتجاجات الطلابية في الجامعات كانت تضم أعدادًا كبيرة من اليهود الأمريكيين الذين رفضوا الزج بهم في هذه المعركة السياسية، ووقع المئات منهم رسالة مفتوحة تؤكد أن “الاعتصامات لم تكن معادية للسامية، بل كانت رفضًا للمجازر الإسرائيلية في غزة”.

كما تطرق المقال إلى القمع الذي مارسته جامعة كولومبيا نفسها ضد طلابها، فقد حظرت الجامعة منظمة “الصوت اليهودي من أجل السلام”، وأمرت الشرطة باقتحام الحرم الجامعي، ما أدى إلى اعتقال أكثر من 100 طالب، وفصل عدد منهم. كما استهدفت شخصيات أكاديمية متعاطفة مع القضية الفلسطينية، مثل البروفيسورة كاثرين فرانكي، التي أُجبرت على التقاعد بعد تعرضها لحملة تشهير قادتها إيليز ستيفانيك.

وبحسب جونز لم يتوقف القمع عند هذا الحد، بل أصبح أكثر خطورة مع اعتقال الطالب محمود خليل، أحد قادة الاعتصام في جامعة كولومبيا. خليل، وهو فلسطيني يحمل البطاقة الخضراء ومتزوج من مواطنة أمريكية حامل في شهرها الثامن، تم اختطافه من قبل وزارة الأمن الداخلي ونُقل سرًا إلى مركز احتجاز سيئ السمعة في لويزيانا، بعيدًا عن زوجته وعائلته. الاتهام الموجه إليه كان زائفًا تمامًا، حيث زعمت السلطات أنه “قاد أنشطة مرتبطة بحماس”، في محاولة واضحة لربط أي تضامن مع فلسطين بالإرهاب، إذ تعتبر الإدارة الأمريكية حركة حماس والمقاومة بشكل عام منظمات إرهابية ولا تعترف بحق الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال.

هذه السياسات تثبت أن إدارة ترامب لا تحمي حرية التعبير، بل تدمرها بالكامل، خاصة عندما يتعلق الأمر بفلسطين. فعندما يتعلق الأمر بهذه القضية، تختفي جميع الشعارات الأمريكية عن الديمقراطية وحقوق الإنسان. وهنا يشير الكاتب إلى نائب الرئيس جي دي فانس، الذي صرح قبل أيام فقط بأنه “يجب الدفاع عن حرية التعبير، حتى لو لم نتفق مع ما يُقال”، لكن إدارته هي التي تقود الآن أكبر حملة قمع لحرية التعبير في التاريخ الحديث.

بحسب جونز، فإن اليمين الأمريكي لم يكن يومًا مدافعًا عن حرية التعبير، بل استخدمها كسلاح لإسكات منتقديه، خاصة أولئك الذين يدافعون عن حقوق الأقليات والمظلومين. واليوم، نشهد تصعيدًا غير مسبوق لهذا القمع، حيث يتم استهداف الأصوات التي ترفض الإبادة الجماعية في فلسطين، ويتم شيطنتها وتجريمها. والأسوأ من ذلك، أن العديد ممن يعتبرون أنفسهم “ليبراليين” و”وسطيين” شاركوا في هذه الحملة، وساهموا في تصوير معارضي الجرائم الإسرائيلية على أنهم “متطرفون”، ما فتح الباب أمام الحملة القمعية التي نشهدها الآن.

واختتم جونز مقاله بتحذير واضح: القمع الذي نشهده اليوم لن يتوقف عند استهداف المتضامنين مع فلسطين، بل قد يمتد إلى أي شخص يعارض إدارة ترامب. فالسوابق التي يتم وضعها اليوم يمكن أن تتكرر في المستقبل ضد أي صوت معارض. ويشير إلى أن وسائل الإعلام الأمريكية تتعرض لضغوط هائلة، سواء من خلال الدعاوى القضائية التي يرفعها ترامب ضدها، أو عبر تهديدات بفتح تحقيقات تعسفية، أو من خلال تواطؤ مليارديرات مثل جيف بيزوس، الذين يفضلون تجنب غضب ترامب بدلاً من الدفاع عن المبادئ الديمقراطية.

ما يحدث الآن، وفقًا لجونز، ليس مجرد حملة ضد الفلسطينيين، بل هو هجوم شامل على حرية التعبير في الولايات المتحدة، يتم تنفيذه باسم “مكافحة معاداة السامية”، لكنه في الحقيقة لا يهدف إلا إلى قمع الأصوات التي تفضح الجرائم الإسرائيلية، وإسكات كل من يجرؤ على الحديث عن العدالة للفلسطينيين.