بقلم: عبيدة الضاري
لسنوات، بدا أن المشروع الإماراتي المعادي للربيع العربي يسير بخطى ثابتة، مدعومًا بثروات النفط، وتحالفات دولية، وشبكة إعلامية وأمنية كثيفة. ولكن خلال الشهور الأخيرة، تكشفت تحولات ميدانية وسياسية كبيرة تُظهر انحسار هذا المشروع وتراجعه أمام مقاومة الشعوب وتمسكها بحريتها، رغم الثمن الباهظ.
أبوظبي، التي نصّبت نفسها “عرّابة الاستقرار” في المنطقة، كانت في الحقيقة القوة المحركة للثورات المضادة، بدعمها للجنرالات، والأنظمة القمعية، ومشاريع التهجير والتطبيع. لكن الميدان يقول الآن شيئًا آخر: الردة تنهار.. والشارع لا يُهزم بسهولة.
🔻 السودان.. عندما يعود القصر للجمهورية لا للمرتزقة
لطالما اعتُبرت قوات الدعم السريع في السودان الذراع الميداني الأخطر للمشروع الإماراتي في أفريقيا. ومنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، دعمت أبوظبي حميدتي سياسيًا ولوجستيًا وماليًا، في محاولة لإقصاء الجيش السوداني وبناء نموذج “حكم ميليشيوي” يحاكي نموذج حفتر في ليبيا.
لكن تقدم الجيش السوداني مؤخرًا ودخوله القصر الجمهوري قلب المعادلة، ووجه ضربة قاسية لحسابات أبوظبي. القصر – بما يحمله من رمزية سيادية – لم يعد تحت قبضة ميليشيا ممولة من الخارج، بل بيد المؤسسة العسكرية الوطنية، رغم كل الانتقادات الموجهة لها. خسرت الإمارات رهانها في الخرطوم كما خسرته في بنغازي.
🔻 سوريا.. التطبيع لا يصنع شرعية
لم تكتفِ الإمارات بمحاولات قتل الثورات، بل حاولت إعادة تعويم الأنظمة المجرمة، كما في سوريا. احتفت أبوظبي بـ”عودة بشار الأسد إلى الحضن العربي”، ظنًا منها أن القتل والتدمير والتهجير سيُمحى ببيان من الجامعة العربية.
لكن الهبّة السورية الأخيرة، وتصاعد المقاومة الشعبية، والانتفاضات المتكررة في الشمال، كل ذلك أعاد التأكيد أن الأسد لا يمثل إلا نفسه، وأن الثورة – رغم ضعفها – ما زالت حيّة.
والأهم، أن الإمارات خسرت رهاناتها السياسية: لم تنجح في إعادة تأهيل الأسد دوليًا، ولم تفلح في فتح أبواب الخليج له اقتصاديًا، بل زادت عزلته بعد انكشاف أدواره في تهريب المخدرات والسلاح.
🔻 حفتر.. القائد الذي لم يصل العاصمة
في ليبيا، حاولت أبوظبي تصنيع “سيسي جديد”، وقدمت الدعم الكامل للواء المتقاعد خليفة حفتر، في حملة دموية للسيطرة على طرابلس. طائرات إماراتية، مرتزقة من فاغنر، وضخ مالي هائل… لكن فشلت الحملة فشلًا ذريعًا.
انكسرت قوات حفتر على أسوار طرابلس، واضطرت الإمارات إلى التراجع بهدوء، بعدما تَسببت في تمزيق البلاد وزيادة التدخلات الأجنبية. الرهان على الجنرال القوي سقط، كما سقط من قبله رهانات على غيره.
🔻 غزة.. فشل تهجير شعب
ومع اندلاع العدوان الإسرائيلي الوحشي على غزة، ظهر مجددًا الوجه الحقيقي لأبوظبي: دعم صامت لإسرائيل، وفتح قنوات خلفية لتسهيل مشروع تهجير الفلسطينيين من القطاع نحو سيناء، بدعوى “الإنقاذ الإنساني”.
لكن صمود غزة الأسطوري، ورفض الفلسطينيين للنزوح الجماعي، أفشل المخطط. لا خيام رفح امتلأت، ولا صمت أبوظبي حال دون انكشاف الدور. المقاومة لم تُهزَم، والمشروع الإقليمي الذي تقوده إسرائيل وتدفعه الإمارات بالمال والنفوذ، تعثر مرةً أخرى.
✅ مشروع المال لا يهزم مشروع الكرامة
تُظهر هذه المحطات بوضوح أن المشروع الإماراتي لم يكن مشروع بناء دول، بل مشروع دفن ثورات. اعتمد على المال والضغط والدم، لكنه فشل في خلق شرعية حقيقية لأي طرف دعمه.
الدرس الأهم: الاستقرار لا يُصنع بالانقلابات ولا التطبيع ولا التهجير، بل بحرية الشعوب وكرامتها. وكلما حاولت الأنظمة قتل الربيع، عاد من نافذة جديدة، باسم جديد، وأمل جديد.
قد يتأخر الانتصار، وقد تنكسر موجات التغيير مؤقتًا، لكن الزمن – حتى الآن – ليس في صالح من استثمروا في الموت، وتجاهلوا إرادة الحياة.