في مشهد يلخص المعاناة المركّبة للفلسطينيين في الضفة الغربية، أقدم جيش الاحتلال الإسرائيلي، الجمعة، على مهاجمة مئات المدنيين العزّل من سكان مخيمي طولكرم ونور شمس، بينما كانوا يحاولون الوصول إلى منازلهم التي تقرر “إسرائيل” هدمها بالكامل، بزعم “الأمن العسكري”.

الهجوم العنيف الذي شمل إطلاق الرصاص الحي وقنابل الصوت والاعتقالات، يأتي بعد إعلان الاحتلال عن نية هدم 106 مبانٍ سكنية في المخيمين، في تصعيد غير مسبوق يُنذر بجريمة تهجير قسري جديدة، توازي في خطورتها ما يحدث في قطاع غزة.

العودة المستحيلة: رصاص في وجه الناجين

وفق ما أفادت به وكالة الأناضول، حاول مئات من سكان المخيمين الوصول إلى منازلهم لجمع ما يمكن من مقتنياتهم الشخصية، إلا أن جيش الاحتلال لاحقهم بالرصاص وقنابل الصوت، واعتقل العشرات منهم، بينما أصيبت صحفية فلسطينية في قدمها بشظايا الرصاص أثناء تغطية الأحداث.

ويُظهر هذا السلوك بوضوح أن الاحتلال لا يستهدف فقط المنازل بل وجود الإنسان الفلسطيني نفسه، فالوصول إلى بيتك بات جريمة، والاحتفاظ بصورة أو وثيقة هو خطر أمني يجب منعه بالقوة.

106 منزلاً.. منازل تتحوّل إلى أهداف عسكرية

بحسب محافظ طولكرم عبد الله كميل، فإن الاحتلال سلّم رسميًا خرائط مرفقة بإشعارات الهدم، تشير إلى نية هدم 58 بناية سكنية في مخيم طولكرم، و48 منزلًا في مخيم نور شمس، ضمن سياسة ممنهجة تستهدف المخيمات الفلسطينية، التي تمثل رمزًا تاريخيًا لحق العودة والصمود الشعبي.

الهدم لم يُبرر بأي حاجة أمنية ملموسة، بل يعتمد على توصيف شامل للمخيمات كمناطق “خارجة عن السيطرة”، وهي اللغة ذاتها التي استخدمها الاحتلال سابقًا في اقتحام مخيم جنين وتدمير أجزاء واسعة منه.

سياق أوسع: ما يحدث في الضفة ليس “تبعًا” لغزة.. بل جزء من المخطط

منذ 7 أكتوبر 2023، لا يقتصر العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة فحسب، بل امتد إلى الضفة الغربية بوتيرة متصاعدة، أسفرت حتى اللحظة عن استشهاد أكثر من 960 فلسطينيًا وإصابة قرابة 7000 آخرين، إضافة إلى 16,400 حالة اعتقال.

الاحتلال يستثمر في اللحظة الدولية المنشغلة بالإبادة الجارية في غزة، ليُمرر مشروعًا موازيًا في الضفة: إخضاع المخيمات، وتفريغها ديموغرافيًا، وهدم البنية السكنية والاجتماعية التي تحصّن فكرة العودة والمقاومة.

هدم المخيمات: عودة إلى سيناريو النكبة

سياسة هدم المنازل الجماعي تعيد إلى الأذهان مشاهد النكبة الأولى عام 1948، حين تحولت عشرات القرى الفلسطينية إلى ركام تحت جنازير الجرافات الإسرائيلية. الفارق اليوم أن المخيمات، التي كانت مؤقتة ذات يوم، صارت مستهدفة في حد ذاتها، وكأن الاحتلال يسعى لإلغاء كل ما يذكّر بالقضية، لا الأرض فقط.

الهجوم على سكان المخيمات أثناء محاولتهم دخول بيوتهم هو اعتداء مزدوج: مرة على حق السكن، ومرة على الكرامة الإنسانية، إذ إن الاحتلال لم يكتف بتجريدهم من الأرض، بل يحرمهم حتى من وداع جدرانهم.

اقرأ أيضا: دعوى قضائية ضد جامعة تكساس وحاكم الولاية بسبب قمع مؤيدي غزة