في مشهد أثار موجة من التساؤلات والجدل، ظهر سعود القحطاني، المستشار السابق في الديوان الملكي السعودي، علنًا لأول مرة منذ سنوات، إلى جانب رئيس هيئة الترفيه تركي آل الشيخ. 

وقد نشر آل الشيخ صورتين على منصة “إكس” يظهر فيهما مع القحطاني خلال زيارته له لتقديم العزاء في وفاة والده، واصفًا إياه بـ”أغلى الناس”.

اللافت في المشهد ليس فقط ظهور القحطاني بعد غياب طويل، بل ما يحمله هذا الظهور من دلالات سياسية ورسائل ضمنية حول مصير الرجل الذي لطالما وُصف بـ”رجل المهام القذرة” لولي العهد محمد بن سلمان، خصوصًا بعد تورطه في واحدة من أبشع الجرائم السياسية في العقد الأخير: جريمة اغتيال الصحفي جمال خاشقجي.

عودة القحطاني.. محاولة تلميع أم إشارة لإعادة دمجه في السلطة؟

سعود القحطاني، الذي كان يوصف بأنه اليد اليمنى لولي العهد والمُنفّذ الأمين لسياسات الترهيب والتنكيل، خرج من المشهد الرسمي بشكل كامل منذ أواخر عام 2018 بعد اتهامه بالتورط المباشر في مقتل خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول. 

ورغم أن القضاء السعودي – المُتهم بعدم الاستقلالية – قد برّأه لاحقًا، فإن ظهوره العلني ظل محصورًا للغاية، وحسابه على منصة “إكس” بقي مجمّدًا لسنوات، حتى أعيد تفعيله مؤخرًا عن طريق الخطأ، حسبما أقرت المنصة نفسها قبل أن تعيد حظره مجددًا.

الظهور إلى جانب تركي آل الشيخ – وهو شخصية لا تقل قربًا من محمد بن سلمان – قد يكون محاولة لإعادة دمج القحطاني بشكل ناعم في المشهد العام، عبر بوابة العلاقات الشخصية والمجاملات الاجتماعية، دون أن يُعلن ذلك رسميًا.

فآل الشيخ ليس مجرد صديق قديم للقحطاني، بل هو أحد الأذرع الأساسية لابن سلمان في مشروع “الترفيه” الذي يُستخدم سياسيًا لصرف الأنظار عن الانتهاكات والبطش الداخلي.

من حصار قطر إلى اغتيال خاشقجي.. سجل حافل بالانتهاكات

لعب سعود القحطاني دورًا محوريًا في سياسات القمع، الترويع، وإدارة الجيوش الإلكترونية الموجهة ضد المعارضين داخل المملكة وخارجها. وقد ذاع صيته إبان الأزمة الخليجية عام 2017 عندما تولّى مهمة قيادة الهجوم الإعلامي والسياسي على قطر، مستخدمًا أساليب تُوصف بأنها “قذرة”، تتضمن التجسس، الابتزاز، ونشر الإشاعات.

لكن الجريمة التي دمرت سمعته دوليًا كانت اغتيال خاشقجي في إسطنبول. تقرير الاستخبارات الأمريكية الذي صدر في عهد بايدن عام 2021، أكد أن القحطاني كان على اتصال مباشر بالفريق الذي نفذ عملية الاغتيال، بل وشارك في التخطيط لها. ومع ذلك، لم يُقدّم للمحاكمة الدولية، وأعفته السعودية من مسؤولياته دون أن تلاحقه قانونيًا بشكل جاد، وهو ما اعتبره حقوقيون “تبرئة سياسية هدفها حماية رأس النظام”.

القحطاني كان يلقّب داخل الدائرة المقربة من ابن سلمان بـ”السيد لا يُرفض له طلب”، وكان مسؤولًا عن التنسيق مع شركات الرقابة الإسرائيلية مثل NSO المالكة لبرنامج بيغاسوس، لاختراق هواتف المعارضين والنشطاء. كما ارتبط اسمه بحملات اعتقال موسعة استهدفت دعاة وصحفيين وأمراء، وهو ما جعل كثيرين يصفونه بأنه رجل الاستخبارات الموازي داخل القصر الملكي.

رسائل الظهور الجديد: استعراض للقوة أم محاولة لغسل السمعة؟

إن توقيت ظهور القحطاني الآن، وسط حالة ارتباك داخلية وخارجية تعيشها السعودية بسبب الحرب الإسرائيلية الإيرانية، والتوترات الإقليمية، قد لا يكون بريئًا. فالنظام السعودي يسعى – وفقًا لمحللين – إلى إعادة ترتيب أوراقه الأمنية والسياسية، وقد يرى في عودة القحطاني “كفاءة” لا بد من الاستفادة منها في لحظة حرجة. 

لكن في الوقت ذاته، فإن إعادة تلميعه عبر صور مع تركي آل الشيخ، بعيدًا عن أي منصب رسمي، قد يكون مجرد اختبار لردة الفعل المحلية والدولية.

كما أن ظهور القحطاني بعكاز وملامح تُوحي بمرض أو إنهاك، قد يكون أيضًا محاولة لاستدرار التعاطف أو ترسيخ صورة جديدة له، تتناقض مع تلك المرتبطة بوجهه الحقيقي كواحد من أبرز أدوات القمع والقتل السياسي في عهد ابن سلمان.

خاتمة: الوجوه لا تتغير، فقط تتخفى مؤقتًا

يبدو أن المملكة، برعاية ولي العهد، لا تنوي التخلي فعليًا عن أدواتها القديمة مهما كان الثمن السياسي.

 سعود القحطاني، رمز القمع الإلكتروني والجسدي، لا يزال حاضرًا في قلب المنظومة، حتى لو تم تجميده مؤقتًا. 

وظهوره الآن إلى جانب تركي آل الشيخ قد لا يكون مجرد لحظة عزاء، بل نذير بعودة رجل ظل وفيا لمهماته القذرة، تحت غطاء “الإصلاح الترفيهي” والتطبيع الإعلامي.

ويبقى السؤال: هل تعني الصورة المنشورة أن النظام مستعد لإعادة تدوير المجرمين مرة أخرى؟ أم أنها مجرد رسالة تهديد غير مباشرة لمن تسوّل له نفسه انتقاد “العهد الجديد”؟ الزمن كفيل بالإجابة، لكن المؤكد أن ذاكرة الشعوب لا تُمحى بسهولة، ولا تُغفر الدماء بالصور والمجاملات.

اقرأ أيضًا : مقابر خلف القضبان: السعودية تُخفي معارضيها في زنازين الموت البطيء