في تصريح مفاجئ يعكس تحوّلاً جزئياً في اللهجة الأميركية، أعرب الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن اعتقاده بأن وقف إطلاق النار في قطاع غزة قد يتحقق خلال الأسبوع المقبل، مشيراً إلى أنّ الوضع الإنساني في القطاع “مروّع للغاية”، وأنّ الولايات المتحدة “تقدم الكثير من الإمدادات والمساعدات الغذائية”، رغم تأكيده أن بلاده “ليست منخرطة في الحرب”. 

ورغم ما تحمله هذه التصريحات من وعود بالأمل، فإنها تصطدم بواقع قاسٍ، يتجلّى في مجازر متواصلة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، تباركها واشنطن وتغضّ الطرف عنها.

 

العدوان الإسرائيلي: حرب إبادة مستمرة بدعم أميركي

منذ السابع من أكتوبر، حين أطلقت المقاومة الفلسطينية عملية “طوفان الأقصى” ردّاً على جرائم الاحتلال المتصاعدة في الضفة الغربية والمسجد الأقصى، شنّت إسرائيل حرباً مدمّرة على قطاع غزة وصفتها تقارير حقوقية وإعلامية دولية بأنها “حرب إبادة جماعية ممنهجة”. لم تقتصر عمليات الاحتلال على القتل العشوائي والتدمير الكامل للأحياء السكنية، بل شملت تجويعاً منظّماً باستخدام المساعدات الإنسانية كسلاح، وتهجيراً قسرياً لمئات الآلاف، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني.

وحسب مصادر فلسطينية وأممية، فإن عدد الشهداء والجرحى قد تجاوز 189 ألفاً، غالبيتهم من الأطفال والنساء، فضلاً عن أكثر من 11 ألف مفقود تحت الأنقاض، ومجاعة أزهقت أرواح العديد من المدنيين. ورغم صدور أوامر من محكمة العدل الدولية تطالب الاحتلال بوقف العمليات العسكرية، فإن الولايات المتحدة، الحليف الأكبر لتل أبيب، لم تكتفِ بتجاهل تلك الأوامر، بل واصلت إمداد إسرائيل بالسلاح والدعم السياسي في المحافل الدولية.

ترامب والازدواجية الأميركية: مساعدات بيد… وصواريخ بالأخرى

تصريحات ترامب التي تحدث فيها عن جهود لوقف إطلاق النار و”مساعدات غذائية أميركية”، لا تعفي الإدارة الأميركية السابقة أو الحالية من المسؤولية الأخلاقية والسياسية عن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين في غزة. ففي الوقت الذي تتحدث فيه واشنطن عن “الإنسانية”، كانت طائراتها الحربية تواصل الإقلاع من القواعد الأميركية لتسليم إسرائيل الأسلحة المتطورة، بما فيها قنابل خارقة للتحصينات استخدمت في استهداف المدنيين في رفح وخان يونس.

كما لم تُظهر الولايات المتحدة أي جدية في ممارسة ضغط حقيقي على إسرائيل لوقف العدوان، بل مارست ضغوطاً معاكسة على الدول الوسيطة مثل قطر ومصر لإجبار المقاومة على القبول بصيغ هشة لوقف إطلاق النار لا تتضمن إنهاء الاحتلال أو رفع الحصار.

مفاوضات مشروطة: إسرائيل تتهرب من وقف الحرب

في ضوء هذا المشهد الدموي، استؤنفت خلال الأيام الماضية مناقشات غير مباشرة بين حماس وإسرائيل بوساطة قطرية مصرية وبرعاية أميركية، حيث نقلت هيئة البث الإسرائيلية أن حكومة نتنياهو منفتحة على مفاوضات جديدة، لكن وفق شروط المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، والتي لا تتضمن وقف الحرب بشكل كامل.

وهذا يعني أن “وقف إطلاق النار” المرتقب، إن تحقق، سيكون مؤقتاً وهشاً، لا يرقى إلى معالجة جذور الأزمة أو إنهاء المعاناة الإنسانية، بل يُستخدم كتكتيك سياسي لاسترضاء الرأي العام الإسرائيلي والدولي، دون تغيير جوهري في سياسة الاحتلال أو رفع الحصار الذي تفرضه إسرائيل على غزة منذ أكثر من 18 عاماً.

ضغط داخلي على نتنياهو: الأسرى كورقة سياسية
في الداخل الإسرائيلي، تتصاعد الضغوط على حكومة نتنياهو من قبل عائلات الأسرى الإسرائيليين في غزة، والذين أعلنوا عن تنظيم مظاهرة جديدة تحت شعار “نعيد المختطفين وننهي الحرب”. وترى هذه العائلات أن الوقت الحالي يمثل فرصة لإبرام صفقة شاملة تعيد الأسرى دفعة واحدة، وتنهي الحرب، خاصة بعد تصاعد الخسائر في صفوف الجنود الإسرائيليين في العمليات الأخيرة للمقاومة.

لكن موقف نتنياهو لا يزال يتسم بالتعنت، مدفوعاً برغبته في الهروب من أزمته الشخصية بعد أن أصبح مطلوباً للمحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب. ويبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يُفضّل المراوغة والتصعيد المحدود على تقديم تنازلات سياسية قد تُظهره بمظهر الضعيف.

ختام: وقف إطلاق النار لا يُنهي الجريمة
رغم التفاؤل الذي حاول ترامب تسويقه بشأن قرب التوصل إلى وقف لإطلاق النار، فإن الواقع على الأرض أكثر تعقيداً، ولا يحمل أي مؤشرات على وقف حقيقي للعدوان أو محاسبة المسؤولين عن الجرائم. فالحرب على غزة، التي وصفها الفلسطينيون والعالم بـ”الإبادة”، لا تزال مستمرة برعاية أميركية مباشرة، وتغذية من أطراف ترى في هذا الدمار فرصة سياسية أو استراتيجية.

وبالتالي، فإن أي وقف إطلاق نار لا يُنهي الاحتلال ولا يرفع الحصار، ولا يُعيد المهجّرين، ولا يحاسب الجناة، هو مجرد هدنة مشروطة تسمح بترتيب صفوف المعتدين، لا بإنهاء المعاناة الإنسانية.

اقرأ ايضًا : 30 مليار دولار من أموال العرب.. صفقة أمريكية لإنشاء نووي إيراني بلا يورانيوم!