في حادثة مأسوية جديدة تُسلّط الضوء على تردي منظومة السلامة البحرية في مصر، أعلنت وزارة البترول المصرية مساء الثلاثاء 1 يوليو 2025 عن انقلاب الحفّار البحري “آدم مارين 12” في منطقة جبل الزيت بخليج السويس، ما أسفر عن مقتل 4 أشخاص وإصابة 22 آخرين، إضافة إلى فقدان ما لا يقل عن 6 أفراد لا يزال البحث جارياً عنهم حتى اللحظة.

الحفّار، المملوك لشركة “أديس لخدمات الحفر”، كان في طريقه للانتقال إلى موقع عمل جديد عندما انقلب فجأة، في منطقة تُعد من أهم بؤر إنتاج النفط المصري.

هذا الحادث المفجع يأتي ليعيد إلى الواجهة جملة من التساؤلات حول مدى التزام الحكومة المصرية، وبخاصة تحت إدارة عبد الفتاح السيسي، بمعايير الأمن والسلامة في مواقع العمل، لا سيما في القطاعات الحساسة مثل الطاقة والتنقيب البحري. 

إذ لم يكن هذا الحادث الأول من نوعه، بل سبقه العديد من الكوارث البحرية والإنشائية التي كشفت عن تكرار الإهمال الحكومي، وغلبة الحسابات الربحية على أرواح البشر.

قطاع حيوي.. دون حماية حقيقية

يقع خليج السويس ضمن نطاق استراتيجي حيوي لمصر، يربط قناة السويس بالبحر الأحمر، ويضم عدداً من المنشآت النفطية ومحطات الشحن والنقل البحري. وعلى الرغم من الأهمية البالغة لهذا القطاع، فإن الحادث يعكس ضعف الرقابة الحكومية على عمليات السلامة والصيانة الدورية، في وقت يعتمد فيه الاقتصاد المصري بشكل متزايد على عائدات الطاقة وسط أزمة مالية خانقة.

مصادر بقطاع البترول كشفت أن الحفار كان متجهاً إلى موقع جديد ضمن امتياز شركة أديس، وكان يستعد لحفر عدد من الآبار الجديدة. لكن لم يتم الكشف عن الظروف الجوية أو الفنية التي أحاطت بعملية النقل، ما يزيد من الشكوك حول وجود خلل إداري أو تقني قد يكون السبب المباشر في الانقلاب.

في حين سارعت الوزارة إلى إرسال وزيري البترول والعمل إلى موقع الحادث، فإن هذا التحرك المتأخر لا يعفي الحكومة من مسؤولية التقصير في اتخاذ تدابير السلامة المناسبة مسبقاً، خاصة أن حفارات كهذه تحمل طواقم كاملة وتعمل في بيئات محفوفة بالمخاطر.

حكومة تُدير الكوارث بعد وقوعها

منذ بداية عهد السيسي، اعتمدت الحكومة المصرية على إدارة الكوارث بعد وقوعها، لا قبلها. وقد ظهر ذلك في العديد من الحوادث: من غرق العبارات، إلى انهيارات الطرق والجسور، إلى حوادث القطارات والمصانع. ورغم إطلاق شعارات “الجمهورية الجديدة” و”الإصلاح المؤسسي”، فإن البنية التحتية والإدارية ظلت تعاني من أعطاب هيكلية، يتقدمها غياب الرقابة والمحاسبة.

حادثة الحفار تكشف أن وزارة البترول لا تزال تدير عملياتها بمنهج “ردّ الفعل”، حيث لم تتخذ إجراءات احترازية رغم مرور الحفار بمنطقة بحرية حساسة وخضوعه لمهمة عالية المخاطر. كما أن تأخر إعلان الحادث والتكتم على هوية الضحايا والمفقودين حتى مساء الثلاثاء، يزيد من انعدام الشفافية في التعاطي مع الرأي العام.

ورغم تأكيد مصادر رسمية أن الحادث “لن يؤثر على الملاحة في قناة السويس”، إلا أن التهوين المتعمد من حجم المأساة يوحي بأن الحكومة تسعى إلى تقليل الضغوط عليها أكثر من حرصها على إنقاذ الأرواح أو محاسبة المقصرين.

الأرواح تُزهق.. والإعلام الرسمي صامت

في ظل تصاعد عدد القتلى والمفقودين، يلاحظ المراقبون ضعف التغطية الإعلامية في القنوات الرسمية والمؤيدة للنظام، حيث لم تُسلَّط الأضواء بما يكفي على خلفيات الحادث أو مدى مسؤولية الجهات الحكومية عنه. ويُعزى ذلك إلى نهج التعتيم الذي تتبعه السلطات في كل ما قد يُفسَّر كإدانة لإهمال النظام، خاصة في قطاعات حيوية.

وفي الوقت الذي تُطالب فيه أسر الضحايا والمفقودين بالحقيقة الكاملة، وتحديد المسؤولين عن الكارثة، فإن الحكومة اكتفت ببيان إنشائي عن “متابعة تطورات الموقف لحظة بلحظة”، دون الإشارة إلى وجود لجنة تحقيق مستقلة أو وعود بمحاسبة.

خاتمة: نظام يراكم الأرباح ويهدر الأرواح

مأساة “آدم مارين 12” تضاف إلى سجل قاتم من الحوادث التي تكشف أن منظومة العمل في مصر – وخاصة في ظل حكم عبد الفتاح السيسي – ما زالت تتعامل مع الإنسان باعتباره رقمًا هامشيًا في معادلة الاستثمار والربح. فبينما تُبرم الحكومة صفقات ضخمة مع شركات الحفر، وتتباهى بزيادة الإنتاج النفطي، تُترك حياة العمال عرضة للموت، دون حماية كافية، أو محاسبة عادلة.

اقرأ أيضًا : عامان من السجن لسنّية الدهماني.. القضاء في قبضة قيس سعيّد