خبر قد يبدو للوهلة الأولى مأخوذًا من صحيفة ساخرة كـ”ذا أونيون”، لكنّه حقيقي تمامًا: بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي المتهم بارتكاب جرائم حرب في غزة من قبل المحكمة الجنائية الدولية، يرشّح دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة وأكبر مورّد سلاح لإسرائيل، لنيل جائزة نوبل للسلام. تبدو الفكرة بحد ذاتها عبثية، كأن يرشّح شخص مروّج مخدرات لنيل نوبل في الطب. لكن خلف هذا “الاستعراض الإعلامي” تكمن حسابات بالغة الانتهازية، هدفها إرضاء غرور ترامب وإبقاؤه في جيب نتنياهو، لضمان استمرار الحرب على غزة والتصعيد الإقليمي نحو إيران ولبنان واليمن.

نتنياهو لم يذهب إلى البيت الأبيض فقط لحضور عشاء رسمي، بل وصل وهو يحمل رسالة ترشيح مكتوبة بخط يده، في توقيت كان ترامب فيه متحمسًا لإعلان هدنة وشيكة بين إسرائيل وحماس، إلا أن حركة نتنياهو المسرحية غيّرت المشهد. أمام الإطراء الزائف، تراجع ترامب عن ممارسة أي ضغط حقيقي على نتنياهو لإنجاز الاتفاق، ومنح الأخير مجددًا مساحة للمماطلة وكسب الوقت، كما يفعل منذ عملية السابع من أكتوبر 2023. الهدف الأكبر لنتنياهو ليس وقف الحرب، بل البقاء في السلطة بأي ثمن لتفادي سقوط حكومته اليمينية المتطرفة أو فتح تحقيق أمني يكشف فشله، والأهم من ذلك: التهرب من المحاكمة في قضايا فساد ورشوة تطارده منذ ولايته السابقة.

ترامب، الذي تستهويه الأضواء والجوائز أكثر من السياسات والمبادئ، وقع ضحية سهلة لهذه اللعبة، إذ يعرف نتنياهو جيدًا أنّه لا يستطيع منافسة “أمراء المال” في الخليج الذين يغدقون على ترامب صفقات عقارات وطائرات فاخرة كهدية، لكنه يدرك أن غرور ترامب لا يحتاج مالًا، بل كلمات ناعمة. من هنا، لعبها نتنياهو بذكاء: استغلّ هوس ترامب بجائزة نوبل وحرصه على أن يُذكر في التاريخ كصانع سلام، وقدّم له ورقة الترشيح كمكافأة رمزية مفعولها السياسي أكبر من مفعول القنابل.

ترامب، الذي طالما اشتكى من تجاهل العالم له رغم رعايته لـ”اتفاقيات أبراهام” بين إسرائيل وعدد من الأنظمة العربية، وجد في تصرّف نتنياهو تأكيدًا رمزيًا بأنه يستحق التتويج. هذه الاتفاقيات، التي وُقّعت عام 2020 مع الإمارات والبحرين والمغرب، روّج لها ترامب وصهره جاريد كوشنر كإنجاز تاريخي، رغم أنها تجاوزت الفلسطينيين تمامًا وتعاملت معهم كعقبة عقارية مزعجة لا تستحق الجلوس إلى طاولة المفاوضات.

الصفقات التي عُقدت مع الأنظمة العربية الاستبدادية تمّت بلا أي اعتبار للحقوق الفلسطينية أو الواقع على الأرض، وتم تسويقها على أنها “سلام”، في حين أن الحصار على غزة والاحتلال في الضفة كانا في أوج شدتهما. ورغم الضجيج الإعلامي، فشل ترامب وكوشنر في جرّ السعودية لتوقيع اتفاق تطبيع، وهو ما يعتبره ترامب “الجائزة الكبرى”. وها هو الآن يعود إلى الحلبة محاولًا إتمام ما عجز عنه بايدن، طمعًا في نوبل، مدفوعًا برغبة شخصية لا بموقف أخلاقي.

والأخطر أن نتنياهو رشّح ترامب بعد عشرة أيام فقط من إصدار الأخير أوامره بشن غارات أمريكية على منشآت نووية إيرانية، في امتداد مباشر للحرب التي أطلقتها إسرائيل على إيران منتصف يونيو. الرسالة واضحة: من يشاركنا في الحروب، سنجعله مرشّح سلام.

في لقائهما في البيت الأبيض، بالغ نتنياهو في مدحه لترامب، قائلاً له أمام الصحافة: “أنت تستحقها، ليس فقط من جميع الإسرائيليين، بل من الشعب اليهودي بأكمله”. ورد ترامب مبتسمًا بانبهار زائف: “لم أكن أعلم. هذا يعني لي الكثير، خصوصًا أنه يأتي منك”. مشهد مليء بالنفاق السياسي، يتوّج علاقة لا تقوم على احترام متبادل بل على توظيف متبادل: ترامب يمنح الغطاء السياسي والعسكري، ونتنياهو يمنح الوهم والمجد الشخصي.

أما المأساة الحقيقية، فهي أن ترامب، إن كان جادًا فعلًا في الحصول على نوبل للسلام، فعليه أن يوقف نزيف الدم في غزة. لكنه، مثل سلفه بايدن، يرفض استخدام ورقة الضغط الأمريكية – سواء مليارات الأسلحة أو الحماية الدبلوماسية في الأمم المتحدة – للجم العدوان. فكيف يتحدّث عن السلام وهو يرسل لإسرائيل أكثر من 35 ألف قنبلة أمريكية الصنع من طراز BLU-117، تُستخدم ضد التجمعات السكانية وتحوّل الأبنية إلى ركام؟ هذه القنابل الثقيلة التي يبلغ وزنها 900 كيلوغرام، تم إسقاط المئات منها خلال الشهر الأول فقط من الحرب، بكثافة تفوق حتى ما جرى في فيتنام.

ورغم مجازر غزة، يحلم ترامب بإنجاز صفقة تطبيع مع السعودية لتوسيع “اتفاقيات أبراهام”، وكأن شيئًا لم يكن. لكن ولي العهد محمد بن سلمان – الحليف المفضل لترامب – كرّر أنه لن يوقّع أي اتفاق دون قيام دولة فلسطينية. المفارقة أن أكبر عقبة أمام ذلك هو نتنياهو نفسه، الذي تفاخر في فبراير 2024 بأنه قضى عقودًا من حياته السياسية في إفشال مشروع الدولة الفلسطينية، معتبرًا أنها تهديد وجودي لإسرائيل.

وفي الوقت الذي كان فيه نتنياهو يُهدي ترامب ورقة ترشيح نوبل، كان وزراؤه يطرحون علنًا خططًا جديدة لاقتلاع السكان من غزة، حيث اقترح وزير الدفاع الإسرائيلي “إسرائيل كاتس” إنشاء معسكر اعتقال جماعي للفلسطينيين على أنقاض مدينة رفح، في خطة تطهير عرقي مفضوحة.

هكذا، بينما يُدلّل نتنياهو ترامب في واشنطن، كانت إسرائيل ترسم في الخلفية ملامح المرحلة القادمة من جرائم الحرب.

للاطلاع على النص الأصلي من المصدر اضغط هنا