“كنت أستحم ست مرات يوميًا للتخلص من رائحة الجثث، لكنها لم تغادرني أبدًا”.. بهذه الكلمات نقل مقربون عن الجندي الإسرائيلي أريئيل مائير تامام، الذي أنهى حياته منتحرًا في منزله، كاشفين عن مأساة نفسية جديدة تضرب جنود الاحتلال بفعل تداعيات المشاركة في حرب غزة، ومشيرين إلى تصاعد غير مسبوق في حالات الانهيار النفسي والانتحار داخل صفوف الجيش الإسرائيلي.

أزمة ما بعد “طوفان الأقصى”.. الجندي الذي لم يحتمل “رائحة الموت”

كشفت وسائل إعلام عبرية، أن الجندي المنتحر أريئيل مائير تامام، الذي كان يخدم في قسم الحاخامية العسكرية ضمن وحدات جمع الجثث، كان يعاني من اضطرابات نفسية حادة بعد مشاركته في جمع جثث الجنود والمدنيين بعد عملية “طوفان الأقصى” التي نفذتها المقاومة الفلسطينية في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وبحسب أقربائه، كان تامام يدخل الحمام للاستحمام ست مرات يوميًا في محاولة يائسة لـ”غسل” رائحة الجثث الملتصقة بملابسه، لكنه كان يشتمها رغم كل شيء. لم تفلح المياه ولا العطور ولا الملابس النظيفة في إزاحة تلك الرائحة عن أنفه. لقد التصقت بعقله وروحه، كما يقول من عرفوه، حتى قرر الهروب النهائي من هذا العذاب.

هذه الحالة لم تكن الأولى، فقبل أسابيع قليلة، أقدم الجندي دانيئيل إدري، الذي عمل في نقل الجثث من قطاع غزة، على إحراق نفسه في أحراش صفد. والدته كشفت أن ابنها أخبرها مرارًا بأنه يشم رائحة الجثث في كل مكان، ويرى وجوه الموتى في نومه ويقظته. وقد حاول إدري الحصول على دعم نفسي لكنه كان يعاني من نوبات غضب، وصلت إلى تحطيم أثاث بيته بالكامل، قبل أن ينهي حياته حرقًا.

الأرقام تتكلم: 54 جنديًا منتحرًا و10 آلاف يعانون نفسيًا

اللافت أن هيئة البث العبرية الرسمية كشفت مساء الإثنين عن ارتفاع مفزع في حالات الانتحار داخل الجيش الإسرائيلي منذ اندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة، حيث بلغت حالات الانتحار 54 منذ أكتوبر 2023، من بينها 16 حالة سُجّلت في الأشهر الأولى فقط من عام 2025.

وقد توزعت تلك الحالات على النحو التالي: 8 جنود في الخدمة النظامية، 7 من جنود الاحتياط، وجندي واحد من القوات الدائمة. وفي عام 2024 وحده، أقدم 21 جنديًا على الانتحار، مقابل 17 في عام 2023، ما يشير إلى تصاعد مرعب في المؤشرات النفسية داخل المؤسسة العسكرية.

وربما الأخطر من ذلك هو ما كشفته تقارير طبية وعسكرية حول تشخيص نحو 3770 جنديًا باضطراب ما بعد الصدمة، فيما ظهرت أعراض نفسية حادة على ما لا يقل عن 10 آلاف عسكري، من بين نحو 19 ألف جريح سُجلوا منذ بدء العدوان. هذه الأرقام لا تعكس فقط الجانب الإنساني المأساوي، بل تضع علامات استفهام ضخمة على جاهزية الجيش الإسرائيلي لمواصلة العمليات القتالية طويلة الأمد، خاصة في مواجهة مقاومة عنيدة لا تتراجع.

نجاح المقاومة في “الحرب النفسية”: كسر للجيش من الداخل

ما تكشفه هذه الحالات هو نجاح واضح للمقاومة الفلسطينية، ليس فقط في المواجهة العسكرية، بل في شن “حرب نفسية معاكسة” ضد جنود الاحتلال. فمن خلال عملياتها المباغتة، واستهداف الآليات والجنود، وتركيزها على تكبيد الاحتلال خسائر جسيمة في الأرواح، تمكّنت المقاومة من زرع شعور دائم بالصدمة والفزع داخل صفوف العدو، انعكس على أرض الواقع بحالات الانتحار والانهيار النفسي المتكررة.

لم تعد المعركة فقط على الأرض، بل في داخل رؤوس الجنود. لقد تمكنت مشاهد الجثث المحترقة والمبتورة، ووجوه الأطفال الشهداء، وصراخ المدنيين تحت الأنقاض، من اختراق “درع المناعة” النفسية لدى جنود الاحتلال، الذين يعيشون رعبًا حقيقيًا لا يفارقهم حتى في ساعات النوم.

وتؤكد دراسات نفسية إسرائيلية متخصصة أن “المقاومة نجحت في تحويل كل جندي إلى قنبلة موقوتة”، مشيرة إلى أن التعرض المكثف للموت في قطاع غزة، سواء عبر المعارك المباشرة أو من خلال العمل في الوحدات الطبية أو اللوجستية، يخلق تأثيرات متراكمة على نفسية الجنود.

الجيش في مأزق.. هل ينهار من الداخل؟

تتزايد التحذيرات داخل إسرائيل من أن استمرار هذه الأزمة النفسية دون حلول فعالة سيؤدي إلى ما يشبه الانهيار المعنوي داخل المؤسسة العسكرية. فقد بات الحديث عن جنود يرفضون العودة إلى غزة، وآخرين يغادرون الخدمة مبكرًا، أمورًا متكررة في التقارير الإسرائيلية.

ومع تصاعد ضغط ذوي الجنود والمجتمع المدني، تعلو الأصوات المنادية بمراجعة الاستراتيجية العسكرية للحرب، التي طال أمدها دون أهداف سياسية واضحة أو نصر ميداني حاسم، مقابل تكلفة نفسية وبشرية باهظة.

خاتمة: عندما تصبح رائحة الجثث أقوى من البارود

تكشف قصة الجندي أريئيل تامام، وزميله دانيئيل إدري، أن الحرب لا تقتل فقط بالرصاص والصواريخ، بل تقتل من الداخل أيضًا. لقد صنعت المقاومة الفلسطينية سلاحًا جديدًا لا يُرى بالعين المجردة، لكنه يفتك بالبنية النفسية للجيش الأكثر تجهيزًا في الشرق الأوسط.

إنها حرب الذاكرة، وحرب الروائح، وحرب الأحلام، التي لا تُواجه بالآباتشي أو القبة الحديدية، بل بسياسات لم تعد تملك إسرائيل رفاهية تأجيل مواجهتها. والمفارقة أن جنديًا واحدًا مشلولًا نفسيًا، قد يكلّف المؤسسة العسكرية أكثر من عشر دبابات مدمرة.

ربما حان الوقت لإسرائيل أن تعترف بأن “طوفان الأقصى” لم يكن فقط عملية قتالية.. بل زلزالًا نفسيًا ما زالت ارتداداته تمزق مؤسساتها من الداخل.

اقرأ أيضًا : السيسي يستنجد بترامب: نداء متأخر بعد فضيحة الحصار واتهامات بالخيانة