ما نشرته مجلة نيوزويك عن أكاديمي سعودي ينشر قائمة “الأدوات” التي يمكن للسعودية استخدامها للضغط على حماس لتسليم سلاحها، يُظهر وجهًا آخر من استراتيجية تحكم السلطة: ابتزاز المقاومة حتى تكون قابلة للتسيّد الإقليمي، ثم استخدامها كذريعة لاستدراج إسرائيل إلى تفاهمات ما.

هذا الأكاديمي لا يبرز فقط أطماع سياسية غير معلنة، بل يكشف عن تحول النظام السعودي إلى لاعب رئيسي في إدارة النزاع الفلسطيني الداخلي، مستخدمًا القوة الاقتصادية والدبلوماسية لتحويل المقاومة إلى أوراق تفاوض، وفي المقابل دفع إسرائيل “للاعتراف بالسلام” تحت غطاء القيادة الخليجية.

الابتزاز دعايا أم سياسة؟ أدوات ضغط مزيفة

الأكاديمي السعودي اعتبر أن تسليم السلاح هو الحجر الأساس لتشجيع إسرائيل على “الامتثال للسلام”. لكنه لم يعلق على ما إذا كانت هذه الضغوط تشمل:

  • قطع المساعدات المالية عن غزة.
  • فرض حصار اقتصادي أو موظفين فلسطينيين أو إداريين.
  • تنسيق أمن إقليمي مباشر مع أجهزة إسرائيل والاستخبارات الأميركية.

كل هذه أدوات ضغط تُستخدم خلف الكواليس، بينما يُعرض خطابات دعم فلسطيني رسمي، في صيغة مزدوجة: بين العلن والسرّ، يتآمر النظام مع إسرائيل على تفكيك حماس كقوة مقاومة شرعية.

مخاوف محلل آخر: نزع السلاح بلا ضمانات كارثة كبرى

على الجانب الآخر، حذر باحث مستقل من أن نزع سلاح المقاومة، دون ضمانات دولية واضحة ومستدامة، لن يؤدي إلى السلام بل إلى تفريغ المرحلة الفلسطينية من أي قدرة على الدفاع عن حقوقها.

هذا التحذير يضع نزع السلاح في إطار الاستسلام، وليس كخطوة للسلام، في وقت تُروَّج فيه هذه الخطوة كجزء من “خارطة طريق استقرار” يرعاها التحالف الخليجي الغربي الإسرائيلي.

نظام القوة يغيّر قواعد النزاع

الضغط السعودي على حماس لا ينفصل عن تحوّل جذري في السياسة الخليجية:

العمل كوسيط ليس فقط بين إسرائيل والفلسطينيين، بل كقوة ضغط مباشرة على المقاومة.

استثمار ورقة “إرهاب المقاومة” كورقة مساومة لتحقيق مكاسب سياسية.

تجريد حماس من السلاح لتقليص نفوذها أمام السلطة الفلسطينية المدعومة دوليًا وإقليميًا.

هذا هو نموذج “التطبيع بالقوة”، ليس بالتشاور أو رفع العقوبات، بل بتحويل المقاومة إلى قطعة على رقعة الشطرنج السعودي.

المفارقة القاتلة: التشجيع على السلام بشرط الاستسلام

رغم أن الأكاديمي السعودي يربط تسليم السلاح بإجبار إسرائيل على “السلام”، فإن هذه العلاقة تتناقض مع البديهيات السياسية: فالسلاح ليس هدفًا، بل وسيلة تحصين للحقوق.

الحقوق تُفوّت، والمقاومة تُحاصر، لتُعوض بحضور رمزي للسلطة في المشهد الإقليمي، لا بشعبية داخلية.

هذا النموذج يُعيد إنتاج “السلطة العميلة”، التي يُفترض بها أن تكون ممثلة، لكنها أصبحت تابعة للاستراتيجيات الخليجية-الإسرائيلية

عبارة واحدة تلخص هذا الطرح: “السلام مشروط بالاستسلام”.

أطماع السعودية بين الضغط السياسي والتطبيع الاقتصادي

من الواضح أن دوافع الضغط على حماس ليست مبنية على مبدأ فلسطيني مستقل، بل على إعادة رسم المشهد الفلسطيني بما يخدم ترتيب مصالح إقليمي جديد.

مساعٍ سعودية لإعادة ضخ السلطة الفلسطينية كواجهة سياسية.

إشراك إسرائيل ضمن “شبكة سلام خليجية” لكن دون أي مصالحة حقيقية مع الشعب الفلسطيني.

وضع حماس تحت حارس خاص، فتُصبح المقاومة ملف يُوقف عند شروط خليجية-غربية-إسرائيلية مشتركة.

المقاومة ليست لعبة.. الحقوق ليست تحت الضغط

الباحث الذي حذر من نزع سلاح دون ضمانات ذكر بوضوح أن ذلك يعني نهب الحقوق من الفلسطينيين دون مقابل.

أي سلام يصادر حق المقاومة ويضع شرطه هو سلام مشروط.

ضمانات دولية لم يُرد ذكرها من جانب السعودي، ولا واضحة كآلية للمراقبة أو التنفيذ.

هنا، يصبح الحوار السياسي مدخلاً لـ”مفاوضات القمع”، حيث تُدفع المقاومة لتفكيك نفسها في مقابل وعدات “سياسية” غامضة.

سلام بدون سلاح خيانة أكبر من المقاومة

السعودية اليوم لا تطالب فقط بتسليم سلاح حماس، بل تسعى لفرض “سلام” يكون سلام تسوية، وليس سلام مشترك. إنه سلام يُدفع عبر تسليم القوة وليس عبر الحقوق.

وحدة المقاومة تُحاصر، بينما السلطة تُرسَّب، والقضية الفلسطينية تُقايض لتتحوّل إلى مشهد سياسي تُدار أبعاده الكبرى في غرفة مغلقة خلف الكواليس.

“نزع السلاح ليس تسوية، بل تدمير لقدرة شعب يؤمن، والسعودية هنا أداة إقليمية تدفع باتجاه كسر إرادة المقاومة وصناعة ‘سلام’ من الرصيد السياسي السعودي لا من الشعب.”