مع استمرار حرب الإبادة التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تكشف تقارير إسرائيلية وأمريكية عن خلافات متصاعدة بين رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن مستقبل الحرب. 

فبينما يسعى نتنياهو لإطالة أمدها بدوافع سياسية تتعلق ببقائه في السلطة، يضغط ترامب باتجاه إنهاء سريع للصراع خشية انعكاساته السلبية على الداخل الأمريكي وعلى صورة إسرائيل في واشنطن.

مخاوف نتنياهو من نفاد الرصيد الأمريكي

بحسب هيئة البث الإسرائيلية، أقر نتنياهو خلال اجتماعات “الكابينت” ومع مقربين منه بأن الدعم الذي يتلقاه من ترامب “ليس بلا حدود”. هذا الاعتراف يعكس إدراكه أن استمرار الحرب بالشكل الحالي قد يهدد بتآكل الغطاء السياسي الذي وفره الجمهوريون حتى الآن. 

فترامب نفسه صرّح علنًا بأن إسرائيل كانت تملك أقوى نفوذ داخل الكونغرس، لكنها فقدت ذلك تدريجيًا بسبب سياسات نتنياهو وحجم الدمار المريع في غزة.

مقربون من رئيس الوزراء أكدوا أنه يدرس “تقصير” الجدول الزمني للحرب، خلافًا لخططه السابقة التي كانت تقوم على استنزاف طويل المدى، وهو ما يبرز حجم الضغوط التي يواجهها داخليًا وخارجيًا. فالخشية الإسرائيلية لم تعد مقتصرة على تصاعد الانتقادات الأوروبية أو قرارات محكمة العدل الدولية، بل امتدت إلى قلب العلاقة مع الحليف الأمريكي.

ترامب: من داعم مطلق إلى ضاغط حذر

تصريحات ترامب الأخيرة أوضحت تحوّلًا جوهريًا في الموقف الأمريكي. فالرجل الذي أعلن غير مرة أنه “لم يفعل أحد لإسرائيل أكثر مما فعل هو”، صار يطالب بإنهاء الحرب سريعًا خلال “أسبوعين أو ثلاثة”، معتبرًا أن أهدافها تحققت منذ فترة طويلة.

صحيفة “ذا أتلانتيك” كشفت أن ترامب يرى أن نتنياهو يطيل أمد الحرب لأسباب تتعلق ببقائه السياسي، وليس من أجل أمن إسرائيل. وهذه النظرة تتلاقى مع تقديرات داخل الحزب الجمهوري بأن استمرار المجازر في غزة يضر بصورة الولايات المتحدة، ويضعف ثقة الناخبين بقدرتها على قيادة تحالف دولي يحترم القانون الدولي والاعتبارات الإنسانية.

وثائق تكشف فشل “عربات جدعون”

في الوقت الذي يحاول فيه نتنياهو إقناع وزرائه والرأي العام بضرورة الاستمرار حتى “تحقيق الأهداف”، كشفت القناة 12 العبرية عن وثيقة سرية للجيش الإسرائيلي تقر بفشل عملية “عربات جدعون” في تحقيق هدفها الأساسي وهو القضاء على حماس وإعادة الأسرى.

هذا الفشل يعكس مأزقًا عسكريًا وسياسيًا مزدوجًا: الجيش غير قادر على تحقيق “النصر الحاسم”، ونتنياهو يستخدم الحرب درعًا ضد سقوط حكومته. ومع ذلك، فإن استمرار النزيف البشري والاقتصادي لإسرائيل يزيد من حدة الأصوات الداخلية التي تطالب بالانسحاب، في ظل انتحار عشرات الجنود وعجز المؤسسة العسكرية عن حماية جنودها داخل الميدان.

صمود فلسطيني أمام آلة الإبادة

رغم القوة التدميرية الهائلة التي استخدمها الاحتلال، والتي أسفرت عن أكثر من 63 ألف شهيد و160 ألف مصاب إلى جانب آلاف المفقودين والنازحين، فإن الفلسطينيين في غزة ما زالوا يبدون صمودًا استثنائيًا. المقاومة لم تُهزم كما بشّر نتنياهو مرارًا، بل ما زالت تفرض خسائر متواصلة على الجيش الإسرائيلي سواء في الكمائن أو في حرب الأنفاق.

كما أن المجتمع المدني الفلسطيني – رغم المجاعة والحصار – نجح في الحفاظ على تماسكه نسبيًا، وهو ما فاجأ حتى المراقبين الدوليين الذين توقعوا انهيارًا سريعًا أمام الإبادة الجماعية. هذا الصمود كشف زيف خطاب “الهزيمة الكاملة لحماس” وأحرج واشنطن التي وجدت نفسها شريكة في جريمة لم تنجح حتى في تحقيق أهدافها المعلنة.

مأزق نتنياهو: بين واشنطن والداخل الإسرائيلي

إطالة الحرب لم تعد ورقة رابحة لنتنياهو. صحيح أنها وفرت له حماية مؤقتة من المحاكمات والاحتجاجات الداخلية، لكنها وضعت إسرائيل أمام عزلة غير مسبوقة دوليًا، وأمام أزمة استراتيجية مع الحليف الأهم في واشنطن.

ترامب لا يريد أن يثقل كاهله بحرب إسرائيلية تُنظر إليها في الشارع الأمريكي – خاصة لدى جيل الشباب – كحرب إبادة. وبالتالي، فإن الرسالة واضحة: الدعم الأمريكي مشروط بإنهاء الصراع قريبًا، وليس بترك نتنياهو يدير حربًا بلا نهاية.

الخلاصة: فشل استراتيجي ونهاية وشيكة

التقارير الأخيرة تضع نتنياهو أمام معادلة صعبة: إذا استمر في الحرب خسر دعم واشنطن، وإذا أوقفها فقد سلطته الداخلية. لكن المؤكد أن الحرب نفسها كشفت حدود القوة الإسرائيلية، وأبرزت قدرة الفلسطينيين على الصمود رغم المجاعة والدمار.

قد ينجح نتنياهو في كسب أسابيع إضافية عبر حملات عسكرية مثل “عربات جدعون 2″، لكنه لن يستطيع تغيير حقيقة أن الاحتلال فشل في تحقيق أهدافه الاستراتيجية، وأن إسرائيل باتت اليوم أضعف من أي وقت مضى أمام مقاومة فلسطينية متجددة ودعم شعبي عالمي متصاعد للقضية.

الحرب التي أرادها نتنياهو أداة للبقاء السياسي قد تتحول إلى سبب سقوطه، ليس فقط في الداخل الإسرائيلي، بل أيضًا في أعين الحليف الأمريكي الذي بدأ يلوّح بسحب الغطاء السياسي والعسكري. وفي النهاية، يظل صمود الفلسطينيين عنوانًا بارزًا يفضح عجز الاحتلال، ويؤكد أن حسابات نتنياهو الخاطئة ستقوده إلى مزيد من الفشل.

اقرأ أيضًا : جيش الاحتلال يهدد قادة “حماس” في الخارج بعد مزاعم اغتيال “أبو عبيدة”