مقدمة: لقاء في توقيت حساس
في خطوة لافتة جاءت وسط تصاعد الضغوط الأميركية على السلطة الفلسطينية، استقبل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الاثنين، أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية حسين الشيخ.
اللقاء الذي جرى في الرياض، لم يكن عادياً في مضمونه أو توقيته، إذ ناقش الطرفان منع واشنطن إصدار تأشيرات لوفد السلطة برئاسة محمود عباس، ومنعه من المشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو إجراء يكشف حجم التوتر بين الإدارة الأميركية والسلطة، ويعكس في الوقت نفسه هشاشة موقع الأخيرة في ظل غياب أي أوراق قوة حقيقية.
ورغم أن وكالة الأنباء السعودية الرسمية “واس” اكتفت بخبر مقتضب عن اللقاء، فإن وكالة “وفا” الفلسطينية حرصت على إظهار تفاصيله، مبرزة أنّ النقاش تطرق مباشرة إلى مسألة “إلغاء تأشيرات الوفد الفلسطيني”، في إشارة إلى محاولة الشيخ الاستقواء بالمملكة لمواجهة قرار واشنطن.

السلطة بين العزلة الأميركية والاحتماء بالرياض
إلغاء الولايات المتحدة لتأشيرات كبار مسؤولي السلطة – ومن بينهم الرئيس محمود عباس – خطوة غير مسبوقة، تكشف عن حجم التآكل في العلاقة بين الجانبين، بعد عقود من التنسيق الأمني والسياسي. هذه الخطوة تأتي في وقت تتحرك فيه عدة دول أوروبية كفرنسا وبريطانيا وأستراليا والبرتغال للاعتراف بالدولة الفلسطينية، ما يحرج واشنطن ويكشف ازدواجيتها.
بالنسبة للسلطة، بدا خيار اللجوء إلى السعودية محاولة يائسة لكسر العزلة، خصوصاً أن ابن سلمان يسعى لتقديم نفسه كراعٍ للقضية الفلسطينية في المحافل الدولية، دون أن يتناقض ذلك مع مسار التطبيع المتدرج مع “إسرائيل”. استقبال حسين الشيخ في الرياض قدّم للسلطة جرعة دعم سياسية، لكنه في جوهره لا يغير واقع أن واشنطن تخلّت عن عباس ووفده، وأن السعودية توظف الملف الفلسطيني في إطار حساباتها الإقليمية لا أكثر.
أولويات سعودية.. لا فلسطينية
رغم أن بيان “وفا” ركّز على قضايا الاحتلال والاستيطان وغزة، فإن بيان “واس” تجاهل عمداً الحديث عن أزمة التأشيرات، وهو ما يعكس حدود الموقف السعودي. فالرياض لا تريد أن تظهر في مواجهة مباشرة مع واشنطن دفاعاً عن سلطة عباس، لكنها تستثمر في إبقاء السلطة على قيد الحياة سياسياً، كي تظل عنواناً شكلياً لـ”المشروع الفلسطيني” في ظل غياب أي بديل معترف به دولياً.
ابن سلمان يدرك أن عباس وسلطته فقدوا شعبيتهم ومصداقيتهم أمام الشارع الفلسطيني الذي يرى فيهم أداة للتنسيق الأمني مع الاحتلال. لكنه يفضّل التعامل معهم كقناة رسمية، تتيح له ورقة تفاوضية في مواجهة واشنطن وتل أبيب، وتمنحه فرصة للظهور بمظهر “المدافع” عن الحقوق الفلسطينية، ولو عبر لقاءات بروتوكولية.
غزة في قلب المشهد.. وازدواجية الخطاب
اللقاء لم يقتصر على التأشيرات، بل تناول أيضاً العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة، حيث شدد الجانبان – وفق بيان “وفا” – على أولوية وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات، وربط غزة بالضفة تحت سيادة دولة فلسطين. هذه اللغة تكرّر الخطاب الدولي التقليدي الذي يتجاهل حقيقة أن الاحتلال يفرض وقائع جديدة على الأرض، وأن السلطة لا تملك أدنى قدرة على دخول غزة أو إدارة شؤونها.
اللافت أنّ السعودية – عبر بياناتها – تحاول إظهار نفسها طرفاً داعماً لوحدة الأرض الفلسطينية، بينما في الواقع تواصل التنسيق غير المعلن مع واشنطن وتل أبيب بشأن “اليوم التالي للحرب”، في إطار ترتيبات إقليمية لا تعطي الفلسطينيين سوى فتات سياسي.
السلطة الخائنة.. حليف مكشوف
زيارة حسين الشيخ إلى الرياض تكشف مرة أخرى حجم التبعية التي تعيشها سلطة عباس. فبدلاً من مواجهة قرار واشنطن بالاعتماد على أوراق ضغط حقيقية – مثل وقف التنسيق الأمني أو الانفتاح على خيارات المقاومة – تفضّل القيادة الفلسطينية الارتماء في أحضان العواصم العربية التي تبحث عن مصالحها أولاً.
هذا النهج يرسّخ قناعة شعبية راسخة بأن السلطة باتت “سلطة خدمات” تابعة لإملاءات الاحتلال والداعمين الإقليميين، وأنها عاجزة عن حماية أبسط حقوق الشعب الفلسطيني. ومن المفارقة أن ابن سلمان، الذي ينسق خطواته مع الإدارة الأميركية ويقترب من اتفاقات تطبيع، يتحول في الوقت ذاته إلى “ملاذ سياسي” لسلطة تتباهى بالثبات على مواقفها بينما هي في الحقيقة مجرد ورقة تفاوضية بيد الآخرين.
خلاصة: مناورة سياسية لا أكثر
استقبال محمد بن سلمان لحسين الشيخ لا يعدو كونه رسالة سياسية مزدوجة: من جهة يظهر ولي العهد بمظهر الداعم للقضية الفلسطينية، ومن جهة أخرى يرسل إشارة لواشنطن بأنه لا يزال ممسكاً بأوراق يمكن توظيفها في الملفات الإقليمية. أما بالنسبة للسلطة الفلسطينية، فإن الارتهان لهذه اللقاءات لن ينقذها من مصيرها المحتوم، حيث فقدت الغطاء الشعبي في الداخل، وباتت اليوم تُطارد حتى من حلفائها التقليديين في الخارج.
النتيجة أن “اللقاء السعودي – الفلسطيني” جاء ليكرس معادلة هشّة: سلطة عاجزة تبحث عن شرعية خارجية، وسعودية براغماتية تستغل القضية لتلميع صورتها، بينما يبقى الشعب الفلسطيني وحيداً في مواجهة الاحتلال، بعيداً عن حسابات الأنظمة العربية وصفقاتها مع واشنطن وتل أبيب.
دعم ابن سلمان لعباس ليس سوى محاولة لتسويق سلطة فقدت شرعيتها شعبياً، بينما يواصل الاحتلال فرض وقائعه، وتستعد الأنظمة للتطبيع. وفي هذا المشهد، يصبح الفلسطينيون ضحايا خيانة مزدوجة: من الاحتلال أولاً، ومن سلطة عاجزة وحلفاء عرب متواطئين ثانياً.
اقرأ أيضًا : الاحتلال يحتجز أموال “المقاصة”.. وواشنطن توقف التأشيرات: خزي الخائن عباس يتكشف مجدداً