دعا المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) فيليب لازاريني، الاثنين، إلى تكثيف إدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، بعد تنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق تبادل الأسرى بين حركة حماس وإسرائيل ضمن خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الحرب.

وقال لازاريني في تغريدة عبر منصة “إكس”: “حان الوقت للسماح بدخول المساعدات الإنسانية على نطاق واسع إلى غزة”. وأضاف: “أخيراً، يوم من المشاعر الإيجابية، ولقاء لعائلات إسرائيلية وفلسطينية بذويهم، بما يُلقي بصيص أمل بعد أكثر من عامين من الظلام”.

ورغم مشاعر التفاؤل الحذرة التي رافقت عملية التبادل، فإن الواقع الميداني في غزة لا يزال يعكس استمرار جريمة الحصار، إذ لم تسمح إسرائيل إلا بدخول عدد محدود من الشاحنات منذ وقف إطلاق النار، وهو ما وصفه المكتب الإعلامي الحكومي في غزة بـ”مساعدات رمزية لا تكفي لسد رمق الجوعى”.

أسرى محررون ومساعدات محدودة

بموجب اتفاق إنهاء الحرب، أتمّت حركة حماس، الاثنين، إطلاق سراح 20 أسيراً إسرائيلياً أحياء، فيما تقدّر تل أبيب أن هناك جثامين لـ28 أسيراً آخرين، تسلمت 4 منهم. وفي المقابل، أفرجت سلطات الاحتلال عن 1968 أسيراً فلسطينياً، بينهم 250 محكوماً بالمؤبد و1718 من أبناء غزة اعتُقلوا بعد اندلاع الحرب.

لكنّ هيئة شؤون الأسرى ونادي الأسير الفلسطيني أصدرا بياناً مشتركاً اتهما فيه إسرائيل بالتلاعب في قوائم الإفراج، وتجاهل أسماء أسرى قدامى ومصابين. وفي الوقت نفسه، ما تزال مئات العائلات الفلسطينية تبحث عن مصير أبنائها الذين انقطعت أخبارهم خلال الحرب.

أما على الصعيد الإنساني، فقد أكد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة دخول 173 شاحنة مساعدات فقط يوم الأحد، شملت ثلاث شاحنات غاز طهي وست شاحنات وقود لتشغيل المخابز والمستشفيات والمولدات. ووصف المكتب هذه الكميات بأنها “محدودة جداً”، في وقت يحتاج فيه القطاع إلى مئات الشاحنات يومياً لتغطية الحاجات الأساسية لأكثر من مليوني إنسان يعيشون في كارثة إنسانية غير مسبوقة.

الحصار مستمر رغم النصوص

ينص اتفاق وقف إطلاق النار، بحسب وثيقة نشرتها هيئة البث العبرية، على “السماح الفوري بدخول جميع المساعدات الإنسانية وتوزيعها بحرية وفقاً للآلية المتفق عليها، بما يتماشى مع القرار الإنساني الصادر في 19 يناير 2025″، الذي حدد سقفاً يومياً لدخول 600 شاحنة مساعدات تشمل الوقود والغاز ومواد الإغاثة.

لكن ما يجري على الأرض يناقض هذه النصوص. فمنذ عامين من الإبادة الجماعية، فرضت إسرائيل حصاراً شاملاً على غزة، ومنعت دخول الغاز والوقود إلا بكميات محدودة مخصصة للمستشفيات والمنظمات الدولية، ما تسبب في شلل شبه كامل في الخدمات الصحية والغذائية.

ولا تزال القوات الإسرائيلية، رغم انسحابها الجزئي من بعض المناطق، تفرض قيوداً مشددة على حركة الشاحنات، وتتحكم عبر المعابر في نوعية المواد المسموح بدخولها. وتؤكد مؤسسات إغاثية أن الوقود الذي دخل خلال الأيام الماضية لا يكفي سوى لتشغيل المستشفيات لبضع ساعات فقط يومياً.

نداء الأونروا: العدالة قبل الإغاثة

وفي ظل هذا الواقع، شدد لازاريني على ضرورة الانتقال من مرحلة الإغاثة المحدودة إلى إعادة بناء مستقبل قائم على العدالة والاعتراف المتبادل، قائلاً: “حان الوقت لبناء مستقبل يسوده السلام من خلال التعافي والعدالة والاعتراف المتبادل”، في إشارة إلى أن الحل الإنساني وحده لا يكفي ما لم يترافق مع معالجة جذور الصراع وإنهاء الاحتلال.

وترى الأونروا أن جهود إعادة الإعمار يجب أن تكون شاملة، تبدأ بفتح جميع المعابر أمام المساعدات، وتوفير بيئة آمنة لعودة مئات آلاف النازحين إلى مناطقهم التي دمرتها آلة الحرب الإسرائيلية. كما تطالب الوكالة برفع القيود عن عملها بعد أن تعرضت مكاتبها ومخازنها للاستهداف المتكرر، واتهامات إسرائيلية باطلة خلال الحرب لتبرير قطع التمويل الدولي عنها.

اتفاق هشّ وواقع مأساوي

يأتي هذا التحرك بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الخميس الماضي عن التوصل إلى اتفاق بين إسرائيل وحماس على المرحلة الأولى من خطته التي تم التفاوض عليها في شرم الشيخ بمشاركة تركيا ومصر وقطر. وتشمل الخطة إنهاء الحرب، وانسحاباً تدريجياً للجيش الإسرائيلي، وإطلاق متبادل للأسرى، ودخولاً فورياً للمساعدات، إضافة إلى نزع سلاح حماس.

إلا أن الحركة أكدت تمسكها بحق المقاومة، رافضةً أي بند يُفضي إلى تسليم السلاح، معتبرة أن “إنهاء الاحتلال وسحب الجيش الإسرائيلي من كامل قطاع غزة هو الضمان الحقيقي لأي سلام”.

ويرى محللون أن إسرائيل تحاول استغلال مرحلة الهدوء النسبي لترميم صورتها الدولية بعد اتهامها بارتكاب إبادة جماعية، بينما تسعى واشنطن لإظهار نجاح سياسي عبر خطة ترامب. لكن المؤشرات على الأرض، من استمرار الحصار إلى بطء إدخال المساعدات، تكشف أن المعاناة الإنسانية مستمرة، وأن الاحتلال لم يتخلّ فعلياً عن سياسة العقاب الجماعي التي اتبعها على مدار عامين.

إبادة بلا عقاب

منذ 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، شنت إسرائيل حرباً وُصفت بأنها الأشد دموية في القرن الحادي والعشرين، أسفرت عن استشهاد 67 ألفاً و869 فلسطينياً، وإصابة أكثر من 170 ألفاً، غالبيتهم من النساء والأطفال، إلى جانب مجاعة حصدت أرواح 463 شخصاً بينهم 157 طفلاً.

هذه الأرقام، التي وثقتها مؤسسات أممية ومحلية، تعكس حجم المأساة التي يعيشها القطاع المحاصر، حيث تحوّل الجوع والمرض والدمار إلى سلاح بيد الاحتلال بعد فشل آلته العسكرية في تحقيق نصر ميداني على المقاومة.

وفي ظل استمرار إغلاق المعابر، يؤكد المراقبون أن دعوة لازاريني تمثل اختباراً حقيقياً لمدى التزام المجتمع الدولي بوقف الإبادة وإعادة إعمار غزة. فبينما يتحدث العالم عن “سلام جديد”، لا تزال إسرائيل تمارس الجريمة ذاتها بطرق مختلفة، مانعة الغذاء والدواء عن شعبٍ أنهكته الحرب، ولم يجد من العالم سوى الصمت.

اقرأ أيضًا : تصريحات ترامب عن “60 ألف قتيل وسلاح حماس” تشعل المنصات.. والمقاومة تفرض شروطها من قلب غزة