دخلت مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، مرحلة حرجة توصف بأنها الأسوأ منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وميليشيات قوات الدعم السريع المدعومة إماراتيًا. فقد أكّد التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، التابع للأمم المتحدة، أن الفاشر تشهد مجاعة غير مسبوقة، وسط انهيار كامل للمنظومة الصحية وتوقف شبه تام لحركة الإغاثة الإنسانية نتيجة الحصار الذي تفرضه قوات الدعم السريع.
التقرير الأممي أشار إلى أن معدلات سوء التغذية الحاد بلغت مستويات كارثية تراوحت بين 38% و75% في الفاشر، فيما وصلت إلى 29% في كادوقلي بولاية جنوب كردفان. ومع تفشي الكوليرا والملاريا والحصبة، ارتفعت معدلات الوفاة بين الأطفال والنساء إلى مستويات صادمة، في وقت لا تزال فيه المستشفيات مغلقة أو مدمرة، والكوادر الطبية تعمل في ظروف بدائية بلا كهرباء أو أدوية.

دعم إماراتي للدعم السريع… والنتيجة إبادة ببطء
ورغم التحذيرات الدولية المتكررة من خطورة الوضع الإنساني، تواصل الإمارات لعب دورها المزدوج في الأزمة، إذ تقدم عبر شبكاتها العسكرية والمالية دعمًا مباشرًا لقوات الدعم السريع التي تحاصر الفاشر وتمنع دخول المساعدات. هذا الدعم، الذي وثّقته تقارير غربية من بينها وول ستريت جورنال والغارديان، مكّن المليشيا من الاستيلاء على المدينة في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بعد أكثر من 500 يوم من الصمود.
ويرى مراقبون أن أبوظبي تستخدم هذه الحرب لتعزيز نفوذها في إفريقيا عبر السيطرة على الموانئ والذهب، ولو على حساب تجويع ملايين السودانيين. ومع سيطرة الدعم السريع على طرق الإمداد بين الفاشر ومدن مليط والطويشة، أصبحت المدينة المعزولة فريسة للمجاعة والموت الجماعي.
نزوح جماعي وفوضى إنسانية
وفي أحدث تقاريرها، كشفت منظمة الهجرة الدولية أن أكثر من 81 ألف شخص نزحوا من الفاشر ومحيطها منذ 26 أكتوبر الماضي، عقب سقوط المدينة في يد الدعم السريع. وأوضحت أن النزوح يتم في ظروف بالغة الخطورة، إذ يتعرض الفارّون لهجمات مسلحة على الطرق ويضطر بعضهم للسير أيامًا في العراء دون طعام أو ماء.
تقول المنظمة إن بعض النازحين لا يزالون داخل محلية الفاشر، بينما فرّ آخرون إلى مناطق كبكابية ومليط وكتم وطويلة، التي تعاني بدورها من شحّ الغذاء والمياه وانتشار الأمراض. وقد أصبحت هذه المناطق، وفق التقرير الأممي، مهددة بدورها بالمجاعة نتيجة الضغط الهائل على مواردها المحدودة.
الأطفال يدفعون الثمن
في موازاة ذلك، أطلقت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) نداء استغاثة عاجلًا، مؤكدة أن الأطفال الهاربين من الفاشر يصلون إلى مناطق النزوح وهم “منهكون وجائعون ويعانون من أمراض قاتلة”. وقالت المنظمة إن الموارد المتاحة لا تكفي لتغطية سوى جزء بسيط من الاحتياجات، إذ تعاني فرقها من نقص التمويل وتتعرض قوافلها لهجمات متكررة.
تقرير اليونيسيف حذّر من أن جيلًا كاملًا من أطفال دارفور مهدد بالهلاك إذا استمر الحصار، مشيرًا إلى أن بعض الأطفال يموتون قبل الوصول إلى مراكز الإغاثة نتيجة الجفاف والإسهال الحاد.
شهادات محلية من قلب المأساة
من جانبها، أصدرت شبكة أطباء السودان بيانًا تحدثت فيه عن “انهيار شبه كامل للقطاع الصحي” داخل الفاشر ومخيمات النزوح القريبة. وقالت إن 36 ألف نازح جديد وصلوا خلال الأيام الأخيرة إلى مخيمات قولو وكورما وطويلة، حيث ينتشر الاكتظاظ وانعدام النظافة ومياه الشرب.
وأضافت الشبكة أن العديد من الجرحى يصلون مصابين بطلقات نارية وشظايا، بينما تعجز الكوادر الطبية عن إجراء العمليات الجراحية بسبب نقص الأدوية والمستلزمات، فيما تُجرى بعض العمليات باستخدام أدوات بدائية وبدون تخدير كامل.
وأوضحت أن عمليات نهب متكررة للإغاثة من قبل عناصر الدعم السريع ومليشيات موالية لها تعيق وصول المساعدات إلى المستحقين، مما أدى إلى تفشي المجاعة بشكل أسرع، خصوصًا في أحياء شرقي المدينة.
تحذيرات أممية من اتساع رقعة الجوع
وأشارت لجنة مراجعة المجاعة التابعة للأمم المتحدة إلى أن خطر المجاعة قد يمتد إلى أكثر من 20 منطقة إضافية في ولايات دارفور وكردفان الكبرى، بما في ذلك مخيمات النازحين المكتظة. وقالت اللجنة إن استمرار الحرب وغياب التمويل الدولي يعوقان أي خطة فعالة للاستجابة الإنسانية.
وحذّرت من أن غياب ممرات إنسانية آمنة قد يؤدي إلى “مجاعة جماعية تفوق في شدتها ما حدث في الصومال في التسعينيات”، داعية مجلس الأمن إلى التحرك العاجل لفرض ممرات إنسانية محمية دوليًا.
صمت دولي وتواطؤ إقليمي
على الرغم من هول الكارثة، لا تزال ردود الفعل الدولية باهتة. ويرى محللون أن تواطؤ بعض الدول الإقليمية، وعلى رأسها الإمارات، هو ما يطيل أمد الحرب ويعرقل جهود الإغاثة. فبينما تُصدر أبوظبي بيانات إنسانية منمقة، تواصل طائراتها نقل الأسلحة إلى قوات الدعم السريع عبر مسارات جوية في تشاد وليبيا، وفق تقارير استخباراتية غربية.
ويرى مراقبون أن هذا الدعم ليس سوى استمرار لسياسة التدخل الإماراتي في النزاعات الإفريقية، من ليبيا إلى السودان، حيث تُستخدم أدوات “المساعدات” غطاءً لتوسيع النفوذ الاقتصادي والعسكري.
خاتمة: دارفور تموت بصمت العالم
بين مجاعة تلتهم الأرواح، ونزوح يفتك بما تبقى من المدن، وصمت دولي لا يُكسر إلا بتقارير أممية متأخرة، تبدو الفاشر اليوم نموذجًا لأمة تُترك لتموت جوعًا بتمويل عربي وغضّ طرف عالمي.
وفي حين يواصل السودانيون الفرار من مدينة تحولت إلى أطلال، تبقى بصمات أبوظبي واضحة في كل زاوية من هذه المأساة — من تمويل الحرب إلى حصار المساعدات — لتؤكد مجددًا أن الطموحات الإمبراطورية للإمارات تمر دائمًا فوق جثث الأبرياء.
اقرأ أيضًا : زهران ممداني.. أول عمدة مسلم لنيويورك يقلب معادلات السياسة الأمريكية