لم تمر ساعات الصباح في قطاع غزة دون أن يدوّي صوت الانفجارات مجددًا، في مشهدٍ يعيد إلى الأذهان أن الحرب لم تغادر بعد سماء القطاع، رغم ما يصفه الاحتلال بـ”الهدنة الإنسانية”. فقد أعلن الدفاع المدني الفلسطيني عن استشهاد فلسطينيين اثنين في قصف بطائرة مسيّرة إسرائيلية استهدف بلدة بني سهيلا شرقي خان يونس، في انتهاك واضح وصريح لبنود وقف إطلاق النار المبرم منتصف أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
ووفق شهود عيان، فإن القصف استهدف دراجة نارية كان يستقلها شابان يعملان في نقل المؤن، لتتناثر أشلاؤهما في الشارع الرئيسي وسط حالة من الذعر بين الأهالي. هذا القصف لم يكن الوحيد، إذ شنت طائرات الاحتلال غارات متفرقة على أحياء رفح والشجاعية والتفاح، ترافقت مع قصف مدفعي مكثف وإطلاق نار من الدبابات، ما أوقع أضرارًا جسيمة في المنازل والبنية التحتية التي بالكاد صمدت بعد عامين من الحرب.

ويرى مراقبون أن تكرار الغارات خلال الهدنة هو رسالة ضغط إسرائيلية مزدوجة: من جهة، تهدف إلى ابتزاز المقاومة الفلسطينية في ملف المفاوضات حول الأسرى، ومن جهة أخرى تسعى لتثبيت واقع أمني يسمح لها بالتحكم في إيقاع التهدئة ومجرياتها.

صفقة الجثامين.. إنسانية مؤجلة

في ظل استمرار التصعيد، سلّمت إسرائيل اليوم 15 جثمانًا لشهداء فلسطينيين كانت تحتجزهم منذ شهور في ثلاجاتها العسكرية، وذلك ضمن المرحلة الأولى من صفقة التبادل الجارية برعاية دولية. وتمّت عملية التسليم عبر معبر “كيسوفيم” شرقي دير البلح، بحضور ممثلين عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر، قبل أن تُنقل الجثامين إلى مجمع ناصر الطبي في خان يونس تمهيدًا للتعرف عليها ودفنها.

وبحسب إحصاءات رسمية، بلغ عدد الجثامين التي سلّمتها إسرائيل منذ توقيع اتفاق الهدنة 315 جثمانًا مقابل 24 جثة لجنود إسرائيليين استعادها الاحتلال من غزة. وتشير هذه الأرقام إلى عمق المأساة التي عاشها الفلسطينيون خلال الحرب، حيث تُعامل الجثامين كبطاقات تفاوض سياسية أكثر من كونها بقايا بشرية تستحق التكريم.
وفي المقابل، أعلنت وزارة الصحة في غزة دفن 38 شهيدًا لم يتم التعرف عليهم بعد أن ظلت جثامينهم محتجزة في مستشفيات القطاع، نتيجة تعذر التعرف على هوياتهم بسبب التشويه أو غياب سجلات الحمض النووي.

ويؤكد مسؤولون فلسطينيون أن احتجاز الجثامين سياسة قديمة يعتمدها الاحتلال في إطار العقاب الجماعي لأهالي الشهداء، مشيرين إلى أن الاحتلال يحتفظ بمئات الجثث في ما يُعرف بـ”مقابر الأرقام”، حيث تُدفن الجثث دون أسماء، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف.

جرائم الاحتلال.. من القتل إلى الإبادة البطيئة

رغم حديث تل أبيب عن “سلام قادم”، فإن أفعالها على الأرض تسير في الاتجاه المعاكس تمامًا. فالقصف اليومي على المناطق الحدودية وعمليات النسف في رفح التي سُمعت دوي انفجاراتها في عموم القطاع، ما هي إلا فصل جديد من فصول الإبادة الجماعية المستمرة التي لم تتوقف منذ عامين.
ووفق بيانات وزارة الصحة في غزة، فإن عدد الشهداء تجاوز 42 ألفًا منذ بدء العدوان في 2023، فيما بلغ عدد الجرحى أكثر من 96 ألفًا، إلى جانب آلاف المفقودين تحت الأنقاض. أما الأحياء التي كانت تعجّ بالحياة، مثل الشجاعية وبيت حانون وخان يونس، فقد تحولت إلى أكوام من الركام، بينما يعيش أكثر من مليون ونصف نازح في مدارس ومخيمات تفتقر إلى الماء والغذاء والدواء.

جرائم الاحتلال لا تقتصر على القصف فحسب، بل تمتد إلى الاعتقالات العشوائية والتعذيب والاختفاء القسري. فبحسب مركز الميزان لحقوق الإنسان، لا يزال آلاف الأسرى من غزة محتجزين في ظروف قاسية داخل سجون الاحتلال، بعضهم دون تهم أو محاكمات. أما الذين أُفرج عنهم ضمن صفقة التبادل الأخيرة، فقد تحدثوا عن تعذيب ممنهج وتجويع متعمد، مؤكدين أن إسرائيل استخدمتهم كورقة ضغط في المفاوضات.

ويصف حقوقيون فلسطينيون وأجانب ما يجري بأنه “سياسة إذلال ممنهجة” تهدف إلى كسر إرادة الشعب الفلسطيني وإجباره على القبول بترتيبات سياسية وأمنية مفروضة من الخارج، خصوصًا تلك التي تقودها الإدارة الأمريكية ضمن ما يُعرف بـ”خطة ترامب للسلام”، والتي تتضمن إقامة قوة متعددة الجنسيات لإدارة غزة مؤقتًا. غير أن هذه الخطة تواجه رفضًا فلسطينيًا واسعًا، وسط تأكيد حركة “حماس” أن تنفيذها “لن يكون إلا فوق أنقاض الاحتلال”.

ترهن إسرائيل الدخول في المرحلة الثانية من اتفاق التهدئة بـ”استلام كامل جثث الأسرى الإسرائيليين”، فيما تصر المقاومة على أن الحديث عن الجثامين يحتاج إلى وقت وجهود مضنية، نظرًا لحجم الدمار الذي خلفته الحرب، حيث لا تزال آلاف الجثث مدفونة تحت الركام.
هذا التعقيد يعكس أن الاحتلال يسعى لتحويل مأساة إنسانية إلى ورقة مساومة سياسية، في حين يعيش أهالي الشهداء بين وجع الفقد وانتظار العدالة.

في النهاية، فإن استشهاد فلسطينيين جديدين اليوم، وتسليم جثامين الأسرى بعد شهور من الاحتجاز، يؤكدان أن الاحتلال الإسرائيلي لا يزال يمارس سياسة القتل والاحتجاز والتدمير كأدوات ضغط وتصفية ممنهجة ضد الشعب الفلسطيني. وبينما تتحدث القوى الكبرى عن “مرحلة ما بعد الحرب”، يعيش الفلسطينيون في غزة مرحلة ما بعد الإنسانية، حيث تحولت الجثامين إلى بنود تفاوض، والهدنة إلى غطاء لجرائم لا تنتهي.

اقرأ أيضًا : في ظل خيانة محمود عباس.. هجمات المستوطنين تسجل مستوى قياسيا في الضفة الغربية