يعيش اليمن واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية والاقتصادية في تاريخه الحديث، وسط تحذيرات دولية متصاعدة من دخول البلاد في أزمة مجاعة حقيقية خلال العام الجاري، بينما تتجه أصابع الاتهام مجددًا نحو الدور الإماراتي في إطالة أمد الحرب وحصار اليمنيين اقتصاديًا ومعيشيًا منذ بداية التدخل العسكري عام 2015.

هذه التحذيرات تأتي على خلفية تقرير حديث صادر عن البنك الدولي خلال الأيام الماضية، كشف عن مؤشرات صادمة تؤكد أن الاقتصاد اليمني يواجه “ضغوطًا غير مسبوقة” منذ مطلع العام، نتيجة الحصار المفروض على صادرات النفط، وتراجع المساعدات الدولية، وارتفاع معدلات التضخم، وتفاقم الانقسام المؤسسي بين صنعاء وعدن. 

وهي عوامل – يرى محللون – أن جزءًا كبيرًا منها يرتبط مباشرة بالتدخلات الإقليمية، وعلى رأسها أبوظبي التي لعبت دورًا محوريًا في خنق الموانئ اليمنية والتحكم في طرق الملاحة الاستراتيجية.

اقتصاد ينهار ومؤشرات مجاعة تتزايد

تقرير البنك الدولي توقع أن ينخفض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 1.5% خلال العام الحالي، ما يعني استمرار الانكماش الاقتصادي للعام الثالث على التوالي، وهو ما ينعكس مباشرة على قدرة ملايين اليمنيين على توفير الغذاء والدواء والاحتياجات الأساسية. كما أشار إلى أن أكثر من 60% من الأسر في كل مناطق البلاد تواجه مستويات حرجة من انعدام الأمن الغذائي، وأن شريحة واسعة تلجأ لآليات تكيف “خطيرة” مثل تقليص الوجبات، أو دفع الأطفال للتسول، أو العمل في مهن شاقة.

التقرير أوضح أيضًا أن إيرادات الحكومة الشرعية تراجعت بنسبة 30% بسبب توقف صادرات النفط، وهي صادرات لعبت الإمارات دورًا كبيرًا في تعطيلها عبر سيطرتها على الموانئ الاستراتيجية مثل ميناء بلحاف ومنشآت الغاز في شبوة. هذا التراجع المالي أدى إلى تقليص الإنفاق الحكومي وتأخير الرواتب، ما أفقد الأسر القدرة الشرائية ودفع الأسعار للارتفاع دون سقف.

أما في مناطق سيطرة الحوثيين، فالوضع لا يقل سوءًا، حيث تواجه المحافظات أزمة سيولة خانقة، وصعوبة متصاعدة في تدفق المواد الأساسية بعد ضربات جوية استهدفت موانئ رئيسية، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف النقل والإمداد وتعقيد وصول الواردات.

مديرة مكتب البنك الدولي في اليمن، دينا أبو غيدا، قالت إن الاستقرار الاقتصادي في اليمن يعتمد على “تعزيز الأنظمة التي تضمن استمرار الخدمات وحماية سبل العيش”، لكن الواقع يشير إلى أن هذه الأنظمة تتعرض للانهيار، في بلد فتك به الحرب والحصار والإدارة المنقسمة.

مؤشرات علمية: كل مقاييس المجاعة حاضرة في اليمن

الباحث اليمني في الشأن الإنساني والاقتصادي، الدكتور إيهاب القرشي، قدّم قراءة مقلقة للوضع، موضحًا أن جميع المؤشرات العلمية للمجاعة باتت حاضرة اليوم في اليمن، بما في ذلك:

  • مؤشر استهلاك الغذاء FCS

  • مؤشر استراتيجيات التكيف FCRM

  • مؤشر القدرة الاقتصادية على تلبية الاحتياجات الأساسية

  • مؤشر نسبة الإنفاق على الغذاء

  • التصنيف الدولي للأمن الغذائي IPC

وبحسب القرشي، فإن 61% من الأسر لا تلبي الحد الأدنى من احتياجاتها الغذائية، بينما 33% تعاني حرمانًا غذائيًا شديدًا، و42% تلجأ إلى تقليص عدد الوجبات أو حجمها. والأسوأ أن 50% من البالغين يقتطعون من غذائهم لصالح الأطفال، في مؤشر على عمق الكارثة الإنسانية.

وأشار الباحث إلى الارتفاع المهول لسلة الإنفاق الأدنى التي كانت في 2014 تساوي 65 ألف ريال يمني (نحو 200 دولار)، وأصبحت تتجاوز الآن 350 ألف ريال في 2025، في حين يشكّل الغذاء وحده 50% من مكوناتها.

دور الحرب والانقسام والحصار الإماراتي

يرى القرشي أن استمرار الحرب دون أي مسار جدي للتسوية السياسية هو المحرك الأول للمجاعة، لكن العامل الأخطر يتمثل في الحصار الاقتصادي المفروض على اليمن، وتحديدًا تعطيل صادرات النفط والغاز عبر سيطرة الإمارات على الموانئ، وهو ما أدى – حسب قوله – إلى خنق الموارد الحكومية وتجفيف مصادر العملة الأجنبية.

كما لفت إلى أن مناطق سيطرة الحوثيين تعاني من قيود أمام العمل الإنساني، وتراجع دعم برامج الإغاثة نتيجة الفساد وضعف الرقابة الأممية والمحلية، ما يفاقم خطر الموت جوعًا، خصوصًا مع توقعات بارتفاع أسعار الغذاء والوقود في العام 2026 بسبب غياب أي إصلاحات اقتصادية جادة.

كارثة إنسانية بلا سقف

الأرقام الصادمة تمتد إلى مؤشرات الفقر والصحة، إذ يقول الباحث إن اليمن يشهد:

  • وفاة طفل دون الخامسة كل دقيقة و22 ثانية

  • وفاة امرأة حامل أثناء الولادة كل 4 ساعات

  • أكثر من 18 مليون شخص في المرحلة الثالثة من الأمن الغذائي (الأزمة)

  • 166 مديرية في المرحلة الرابعة (الطوارئ)

رغم أن اليمن بلد زراعي بالأساس، إلا أن 14.8 مليون شخص مهددون بفقدان سبل العيش الزراعي، منهم 5 ملايين مزارع و9 ملايين من مربي المواشي، في بلد تعتمد نصف قراه على الزراعة.

إعادة تصميم العمل الإنساني

اختتم القرشي تحليله بالدعوة إلى إعادة هندسة العمل الإغاثي عبر تشكيل هيئة عليا للإغاثة تشرف على التمويل الدولي وتراقب تنفيذ المشاريع وفق معيار “القيمة مقابل المال”، في ظل فقدان ثقة اليمنيين بالمنظمات المحلية والدولية على حد سواء.

اقرأ أيضًا : الإمارات تفتح بوابة القمار رسميًا… خطوة جديدة في مشروع بن زايد لهدم قيم المنطقة وتحويل الخليج إلى مركز للفساد المنظّم