تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي تصعيدها العسكري في قطاع غزة، في مشهد يعكس استخفافًا كاملًا بأرواح المدنيين وإمعانًا في سياسة القتل المنهجي والعقاب الجماعي. أحدث هذه الجرائم تمثّل في قصف مسيّرة إسرائيلية خيمة تؤوي نازحين في بلدة بيت لاهيا شمالي القطاع، ما أسفر عن إصابة أربعة فلسطينيين، بينهم امرأة وطفلان، بجروح خطِرة، في واقعة تختصر طبيعة الحرب المستمرة ضد السكان العزّل.

خيمة النزوح تحت الاستهداف المباشر
بحسب مصدر طبي في مستشفى الشفاء بمدينة غزة، ألقت مسيّرة إسرائيلية قنبلة على خيمة نازحين في منطقة العطاطرة ببيت لاهيا، وهي منطقة تقع خارج نطاق انتشار جيش الاحتلال. ولم يتوقف الهجوم عند هذا الحد، إذ أعقبه قصفٌ مدفعي كثيف للمكان نفسه. هذا التسلسل—قنبلة من الجو ثم قصف مدفعي—يُظهر نية واضحة لتعظيم الأذى وبث الرعب، وعرقلة وصول فرق الإسعاف، في انتهاك صارخ لأبسط قواعد حماية المدنيين.
غارات جوية تمتد من الشمال إلى الجنوب
بالتوازي مع جريمة بيت لاهيا، شنّ الاحتلال غارات جوية على مناطق انتشار قواته شرقي مدينة خان يونس جنوبي القطاع، حيث استهدفت الطائرات بلدتي عبسان الكبيرة وعبسان الصغيرة. كما نفذت الطائرات الحربية غارات أخرى شرقي مدينة دير البلح وسط القطاع. هذا الاتساع الجغرافي للقصف يعكس سياسة “النار الشاملة”، التي لا تترك منطقة بمنأى عن الاستهداف، وتحوّل القطاع بأكمله إلى مسرح عمليات مفتوح.
نيران المروحيات وترهيب السكان
لم تقتصر الاعتداءات على الغارات الجوية، إذ أفاد مراسل الجزيرة بأن طائرات مروحية إسرائيلية حلّقت على علو منخفض وفتحت نيران أسلحتها الرشاشة باتجاه منازل المواطنين في منطقة “أبو العجين”. هذا النمط من إطلاق النار المباشر على الأحياء السكنية يؤكد أن الهدف ليس تحقيق مكسب عسكري، بل فرض حالة رعب دائم، وإبقاء المدنيين تحت تهديد مستمر يمنع أي إحساس بالأمان.
حي التفاح ومحاور التوغّل
في شرق مدينة غزة، وتحديدًا في حي التفاح، شنت الطائرات الحربية الإسرائيلية غارات عنيفة تزامنت مع إطلاق نار مكثف من القوات البرية المنتشرة قرب محاور التوغّل. هذا التزامن بين القصف الجوي والناري الأرضي يعكس نمطًا عملياتيًا يهدف إلى إحكام السيطرة بالنار، وتحويل الأحياء السكنية إلى ساحات اشتباك، دون أي اعتبار لوجود المدنيين أو طبيعة المنطقة.
خروقات متواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار
تأتي هذه الاعتداءات ضمن خروقات إسرائيلية متكررة لاتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي. ووفق وزارة الصحة الفلسطينية، أسفرت هذه الخروقات عن استشهاد أكثر من 417 فلسطينيًا منذ بدء الاتفاق. هذه الأرقام تكشف زيف الحديث عن “تهدئة”، وتؤكد أن الاحتلال يستخدم الاتفاق غطاءً سياسيًا لمواصلة القتل بوتيرة أقل ضجيجًا، لكنها لا تقل فتكًا.
استهداف المدنيين كسياسة ممنهجة
إن قصف خيمة نزوح، لا موقعًا عسكريًا، يعيد التأكيد على أن استهداف المدنيين بات سياسة ثابتة، لا حوادث معزولة. فالهجمات على الخيام والمنازل والأحياء المكتظة تهدف إلى ضرب البنية الاجتماعية للقطاع، ودفع السكان إلى مزيد من النزوح والإنهاك، في محاولة لكسر الإرادة الجماعية وفرض وقائع بالقوة.
صمت دولي وشلل في المحاسبة
رغم وضوح الانتهاكات، لا يزال الموقف الدولي عاجزًا أو متواطئًا، مكتفيًا ببيانات القلق والإدانة اللفظية، دون إجراءات رادعة أو تفعيل آليات محاسبة حقيقية. هذا الصمت يمنح الاحتلال مساحة للاستمرار في جرائمه، ويعمّق شعور الفلسطينيين بأن القانون الدولي يُطبّق بانتقائية فاضحة.
خلاصة: تهدئة بلا حياة
في غزة، لم تعد الخيام ملاذًا آمنًا، ولم يعد وقف إطلاق النار ضمانة للحياة. كل غارة جديدة، وكل جريح يسقط داخل خيمة نزوح، يؤكد أن الاحتلال ماضٍ في إجرامه بلا رادع، وأن ما يجري ليس مجرد “خروقات”، بل حرب إبادة بطيئة تُرتكب على مرأى العالم. ويبقى السؤال مفتوحًا: إلى متى سيبقى دم الفلسطينيين مستباحًا دون حساب؟
اقرأ أيضًا : قصف إسرائيلي على خان يونس والسيول تغرق خيام النازحين