في واقعة جديدة تعكس تزايد الاتهامات الموجهة إلى هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) بشأن تسييس قراراتها التحريرية والإدارية، أعلن المنتج المصري مهاد الشرقاوي أن المؤسسة سحبت منه عرض عمل كـ”منتج أول” لبرنامجها التعليمي “درس”، بعد اجتيازه جميع مراحل التوظيف بنجاح، من الامتحان التحريري إلى المقابلة أمام أربعة من مديري المؤسسة. القرار، كما وصفه الشرقاوي، لم يكن مهنياً بقدر ما كان نتيجة “وشاية” مرتبطة بموقفه من العدوان الإسرائيلي على غزة.

وشاية داخلية.. بداية الأزمة
الشرقاوي أوضح عبر منشور على حسابه في “فيسبوك” أنّ السبب وراء سحب العرض كان نائبة رئيس تحرير البرنامج في لندن، وهي عربية الجنسية، والتي قامت بالاطلاع على حسابه الشخصي المغلق على المنصة، لتكتشف مقطع فيديو قديم يعود إلى أكتوبر/تشرين الأول 2023، يُظهر جزءاً من عمليات المقاومة الفلسطينية ضمن معركة “طوفان الأقصى”.
هذه الموظفة قامت بأخذ “لقطة شاشة” وإرسالها إلى الإدارة المركزية في لندن، التي بدورها اعتبرت أن نشاط الشرقاوي على وسائل التواصل الاجتماعي يتعارض مع “مبادئ المؤسسة”. النتيجة: ليس فقط سحب عرض العمل، بل أيضاً إنهاء تعاقده كمساهم حر في برنامج “بتوقيت مصر”، وهو ما شكّل بالنسبة له صدمة، خاصة وأنه وصف BBC بأنها كانت “بيته الثاني”.
مسيرة مهنية بلا شائبة
الشرقاوي لم يكن وافداً جديداً على المؤسسة. فقد عمل بين عامي 2015 و2019 في مواقع متعددة: صحفي إذاعي، منتج برامج، قارئ نشرات أخبار، ومراسل ميداني، من دون أن تُسجّل بحقه أي ملاحظات مهنية أو شخصية. وبعد تجربة قصيرة مع مؤسسة إعلامية دولية أُغلقت لاحقاً، عاد في أبريل/نيسان الماضي إلى BBC، ليُفاجأ فجأة بقرار يُنهي مسيرته فيها مرة أخرى.
هذه الخلفية المهنية تثير تساؤلات عن مدى عدالة القرار، خصوصاً أنه جاء بعد سلسلة طويلة من الخطوات التوظيفية الناجحة التي عادة ما تتطلب تدقيقاً شاملاً من المؤسسة.
برنامج “درس”.. مشروع تعليمي تحت شبهة التسييس
المفارقة أن البرنامج الذي كان الشرقاوي سيعمل ضمنه، “درس”، هو مشروع تعليمي تديره BBC Media Action (الذراع التنموي لهيئة الإذاعة البريطانية). يهدف إلى إنتاج محتوى موجه للأطفال في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، خاصة في المجتمعات التي تعاني ضعفاً في الوصول إلى التعليم بسبب النزاعات أو الأزمات.
لكن بدلاً من تعزيز مبادئ التنوع والانفتاح التي تدّعيها BBC، أصبح المشروع مرتبطاً بقرار إقصائي يضعف مصداقية المؤسسة في بيئات حساسة تحتاج إلى إعلام مهني عادل.
ازدواجية معايير BBC
هذه الحادثة ليست معزولة، إذ تأتي ضمن سياق أوسع من الانتقادات التي وُجّهت للمؤسسة منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي على غزة. تقارير عديدة اتهمت BBC باستخدام لغة غير متوازنة تميل نحو الرواية الإسرائيلية وتُضعف من حضور الصوت الفلسطيني.
بل إن المؤسسة واجهت قبل أشهر أزمة مشابهة حين لم تُجدد عقد نجم الكرة الإنجليزية السابق غاري لينيكر، بسبب مواقفه المؤيدة لغزة واتهامه بمعاداة السامية، رغم مكانته البارزة لدى الرأي العام البريطاني. هذه الحوادث تشير إلى نمط متكرر من التواطؤ مع اللوبيات المؤيدة لإسرائيل، على حساب حرية التعبير والموضوعية.
معاداة السامية.. سلاح لإسكات الأصوات
استخدام تهمة “معاداة السامية” كسلاح ضد الصحفيين والإعلاميين بات ظاهرة متصاعدة في المؤسسات الغربية، حيث يُجرّم أي محتوى يُظهر التعاطف مع الفلسطينيين أو ينتقد الاحتلال الإسرائيلي. في حالة الشرقاوي، لم يكن الفيديو سوى توثيق لجزء من أحداث تاريخية يعرفها العالم أجمع، لكنه تحوّل إلى “جرم وظيفي” يطيح بمستقبله المهني داخل مؤسسة تدّعي العالمية والحياد.
هذا النهج يُظهر كيف تُستغل التهمة كأداة سياسية، وليست مسألة قيمية تتعلق بمحاربة الكراهية الحقيقية.
انعكاسات أوسع على صورة BBC
فضيحة سحب عرض العمل من الشرقاوي تُضاف إلى سلسلة من الوقائع التي تُقوّض ما تبقى من صورة BBC كمؤسسة إعلامية “مستقلة”. فبينما تُسوّق نفسها كمنصة تعكس التنوع الثقافي وتحترم حرية الرأي، تأتي قراراتها الأخيرة لتؤكد هيمنة الاعتبارات السياسية على المهنية.
كما أن توقيت القرار يزيد من حدة الانتقادات، إذ يأتي في ظل لحظة تاريخية يتعرض فيها الفلسطينيون لإبادة جماعية موثقة، ما يجعل أي محاولة لإسكات الأصوات المتضامنة معهم أقرب إلى التواطؤ المباشر مع الاحتلال.
خاتمة: شرخ عميق في مصداقية الإعلام الغربي
قضية مهاد الشرقاوي تتجاوز حدود شخص واحد فقد فرصة عمل، لتكشف عن أزمة أعمق في منظومة الإعلام الغربي. مؤسسات مثل BBC، التي يُفترض أن تكون حارسة للموضوعية، تنخرط عملياً في تكميم الأفواه حين يتعلق الأمر بفلسطين.
هذه السابقة تؤكد أن الصحفيين العرب في تلك المؤسسات معرضون دوماً لمقصلة “المعايير المزدوجة”، وأن ما يُسمى بالحياد الإعلامي غالباً ما يتلاشى أمام ضغوط السياسة واللوبيات.
وإذا استمرت BBC في هذا النهج، فإنها تخاطر بخسارة ما تبقى من ثقة جمهورها العالمي، لتتحول من مؤسسة مرجعية إلى أداة في خدمة رواية أحادية تُشرعن الاحتلال وتُقصي كل من يجرؤ على قول الحقيقة.
خلاصة تحليلية:
ما جرى مع مهاد الشرقاوي ليس مجرد نزاع وظيفي، بل دليل جديد على انخراط BBC في معركة الرواية إلى جانب إسرائيل. فبدلاً من أن تكون منبراً للتعددية وحرية التعبير، أصبحت المؤسسة رهينة لاتهامات فضفاضة تُستخدم لإسكات كل صوت مختلف. هذه القضية تطرح سؤالاً جوهرياً: هل ما زال بالإمكان الوثوق في إعلام يرفع شعار الاستقلالية بينما يمارس الإقصاء في أبسط تجلياته؟
اقرأ أيضًا : وفد موريتانيا في أسطول الصمود: إصرار على كسر الحصار ووقف الإبادة