(بحلم بالدنيا اللي مفيش فيها كُره وغل ،، و الشمس بتطلع فيها تنور قلب الكل)
حاولت أن أغض الطرف عن ذلك الوصف المكتوب على المقطع المصور ، قررت أصلًا أن أتجاهل كل ما يعبر عن المنتدى العالمي المستضاف في مصر ، لكنني لأسباب لا أعرفها لم أستطع المقاومة طويلًا ، ربما الفضول أو الحنين ، أو كلاهما
فتحت المقطع ، سمعت الأغنية ، وتفاعل الحضور ، وشاهدت دموع الجنرال الكاذبة، والتجهيزات ، والوفود القادمة من 15 دولة ، ليتحدثوا عن ما لا ناقة لهم فيه ولا جمل ، و انا أولى منهم بالحديث
أنا أيضًا أريد أن أتحدث ، عن غربتي و اغترابي ، وذاك الربيع الذي اقفهرت اوراقه وغدا خريفًا على غير موعد .
عن صديقتي التي شردها النظام بعد اعتقالها لعام لإنها كانت تسير في مظاهرة ، عن خطبتها دون أسرتها ، و والدها المعتقل آنذاك وسؤاله لي عن خطيبها أن كان مناسبًا لها ام لها ، أزكّي الشاب و أنا لا اعرفه ، و يضطر أن يثق والدها بكلامي و هو لا يعرفني ، ليس لدينا أنا ولا هو خيارات أخرى
عن شهور الزواج الأولى وحيدة دون أخوة أو عائلة أو نصيحة من قريب تجبر كسر وحدتها ، و وضعها لجنينها الأول دون أمّ تشد على يديها و تبث في قلبها الطمأنينة
أريد أن أتحدث عن الأم المسنة التي شاركتني ليال طويلة في غربتي ، لا عن شهور اعتقالها الثمانية عشر ، ولا عن الـ “شبرين وقبضة” ، حصتها من مساحة الأرض التي احتضنتها لتنام طيلة فترة الحبس
لكن عن أيامها في بلد غريب ، لا تعرف لغته ولا أهله ولا ثقافته ، ووحدتها في عمرها الستين ، دون أهل ولا أحفاد ، عن هزلية أن تكون خطرًا على النظام ، و هي بالكاد تتعكز حتى تصل إلى السوق لتشتري أغراضها
أريد أن أتحدث ،، عن جارتي المحكومة بسنوات أربعة ، بتهمة حيازة ” آر بي جي” ، أنظر إليها وهي تجري في الشارع خوفًا ما إذا صادفها كلب يمر على بعد أمتار منها ، وأضحك من سخف الواقع وابتذاله
أريد أن أتحدث ،، عن “آسر” ابن الأربعة عشر ربيعًا ، والمدرج على قوائم الإرهاب ، عن أيام اعتقاله الـ 658 ، و التعذيب الذي ترك آثارا على جسده النحيل شهورًا طويلة ، و إخفاءه القسري وليالي الحبس الانفرادي وافتراش الأرض في الصقيع والتعذيب بالتجويع والحرمان من الماء النظيف
أريد أيضًا أن أسأل سؤالا متجردًا من الاستنكار و التهكم ، سؤال حقيقي عن ما يمكن أن يهدد به طفل دولة !
أريد ان أتحدث عن هؤلاء القاضين في واحدة من ليالي الوطن السرمدية ، سميناها إصطلاحًا فيما بيننا (مجزرة رابعة ) ، ولم يسمها العالم المتحضر ولا القانون الدولي ، بيد انه لم يرَ ضحاياها أصلًا
أريد أن أتحدث عن ” مريم” ، صديقتي الهاربة من حكم صادر ضدها بالإعدام ، عن سنوات عمرها الثلاث التي قضتها مختبئة بإسم مستعار ،وبشخصية مستعارة ، لا ترى ولا تُرى ، لم تقترف ذنبًا ولا مظلومية ،، إلا أنها ابنة رجل مهم
إذا اتسع وقت حضراتكم في مؤتمركم الموقر لأسئلة معلقة بلا جواب ،، فافسحوا لنا المجال نسأل ، فجميعنا يريد أن يتحدث.