لم يعد السؤال الذي يطرحه كتاب «أمراء ولصوص» للصحفي الاستقصائي الأمريكي ماثيو كول مقتصرًا على ما إذا كان جاريد كوشنر قد تجاوز حدود منصبه في البيت الأبيض. السؤال الأخطر هو ما إذا كانت أبوظبي، في عهد محمد بن زايد، قد سعت إلى تحويل المال والعلاقات الشخصية والوساطة الأمنية إلى طريق مختصر لإعادة رسم أولويات واشنطن في الشرق الأوسط، بحيث تصبح المنطقة موضوع تفاهمات بين دوائر ضيقة لا تخضع للمساءلة العامة.

الكتاب الذي صدر في أكتوبر 2026 بعنوان فرعي يربط كوشنر ومحمد بن زايد بما يسميه المؤلف «مؤامرة سرية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط»، يقدم الناشر مادته بوصفها تحقيقًا في شبكة نفوذ تضم أيضًا محمد بن سلمان وإريك برينس وشخصيات أمنية. وهذه أطروحة الكتاب لا حكم نهائي بثبوت جميع تفاصيلها؛ لكن خطورتها أنها تضع الطريقة الإماراتية في إدارة الإقليم تحت مجهر جديد: كيف يمكن لدولة أن تستثمر في قربها من عائلة الرئيس الأمريكي، لا في الدبلوماسية التقليدية وحدها، لتنتزع تأثيرًا يتجاوز حجمها؟

في المقتطف الذي نشرته مجلة فانيتي فير، يبدأ كول من قصة تكاد تبدو كأنها رواية تجسس: مصدر يقول إن أجهزة هولندية استطاعت مراقبة شاشة هاتف كوشنر، وشاهدته يصل إلى حسابات مالية مرتبطة بتحويلات خليجية. إذا صحت الرواية فإنها تثير أسئلة استثنائية عن أمن الاتصالات في قلب السلطة الأمريكية، وعن نوع المعلومات التي يمكن أن تقع في يد أجهزة استخبارات أجنبية. غير أن المقتطف لا يضع بين يدي القارئ تقريرًا هولنديًا رسميًا أو أدلة تقنية مستقلة تؤكد الاختراق؛ وما نعرفه هنا هو ما ينقله كول عن مصادره.

أكثر ما يثير الانتباه في رواية المؤلف ليس مجرد وجود حساب مصرفي مزعوم، بل الوظيفة السياسية التي يُفترض أنه خُصص لها. يتحدث كول عن حساب سماه «ألفا» في بنك أبوظبي الأول، ارتبط وفق روايته بمؤسسة «وطني الإمارات»، وتجمعت فيه نحو 750 مليون دولار من أموال خليجية بدءًا من عام 2017. ويقول إن كوشنر امتلك صلاحية توقيع على الحساب، دون أن يكون مالكه الشخصي. هنا ينتقل الاتهام من منطقة العلاقات الدبلوماسية الملتبسة إلى احتمال قيام قناة مالية موازية بجوار مؤسسات الدولة الأمريكية. لكن لا توجد في المقتطف المنشور كشوف حساب أصلية أو تفويضات توقيع يمكن اختبارها استقلالًا، وقد نفى كوشنر وفريقه القانوني هذه المزاعم.

ثم يظهر حساب آخر يسميه المؤلف «بيتا»، يزعم أنه استقبل نحو مليار دولار عبر أذربيجان وصولًا إلى إسرائيل، ضمن ترتيبات مرتبطة بالاتصالات الإقليمية. ويتحدث أيضًا عن مسار تمويل ثالث ذي غرض دفاعي في مواجهة إيران. الأرقام هنا صادمة، لكنها ليست بديلًا عن المستندات. وقد أثارت صياغة بعض الروايات المتعلقة بـ«بنك إسرائيل» اعتراضًا مصرفيًا جوهريًا، لأن طبيعة البنك المركزي تختلف عن طبيعة البنوك التجارية التي تفتح حسابات للأفراد. هذا التفصيل ليس هامشيًا: في تحقيق يقوم على حركة الأموال، قد يغير اسم المؤسسة وطبيعة الحساب معنى القصة كلها.

ومع ذلك، فإن اختزال الكتاب في سؤال عن صحة رقم حساب واحد يفوّت زاويته السياسية الأوسع. فالمؤلف يصف تلاقي مصالح بين قيادة إماراتية تريد إعادة هندسة التوازن الإقليمي، وقيادة سعودية تسعى إلى تثبيت موقعها، ومستشار رئاسي أمريكي يتمتع بوصول عائلي استثنائي إلى صاحب القرار. في هذه المعادلة، لا تعود العلاقات الرسمية بين الدول هي القناة الوحيدة، بل تظهر مسارات غير مألوفة يختلط فيها الخاص بالعام، والاقتصادي بالأمني، والمصلحة الشخصية بالتوجه الاستراتيجي.

ما الذي أرادته أبوظبي من كل ذلك؟ القراءة التي يسمح بها مضمون الكتاب تشير إلى ثلاثة أهداف متداخلة: إحكام النفوذ في واشنطن بعيدًا عن تقلبات المؤسسات الأمريكية، وتوجيه المواجهة مع إيران عبر تفاهمات أمنية مع إسرائيل، وتجاوز القضية الفلسطينية باعتبارها عقبة أمام ترتيب إقليمي جديد. هذه قراءة سياسية في منطق المصالح الذي يرسمه الكتاب، وليست وثيقة تثبت أن كل هدف نُفذ بالطريقة التي يفترضها كول. لكنها تكشف حجم الطموح المنسوب إلى محمد بن زايد: ألا تكون الإمارات مجرد حليف ينتظر القرار الأمريكي، بل طرفًا يسعى إلى المشاركة في صناعته من وراء الأبواب المغلقة.

هنا تظهر إسرائيل في موقع يتجاوز فكرة التطبيع الدبلوماسي. ففي الرواية التي يطرحها كول، تصبح الاتصالات الإسرائيلية الخليجية جزءًا من تصور أوسع للشرق الأوسط، تصور تتقدم فيه الترتيبات الأمنية ومواجهة إيران على حساب الحقوق السياسية للفلسطينيين. وبهذا المعنى، لا تكمن الكارثة المحتملة في مجرد تقارب بين حكومات، بل في تحويل مصير شعوب المنطقة إلى نتيجة ثانوية لتفاهمات أمنية ومالية لا يعرف الجمهور كيف صيغت ولا من أجازها.

ولا يغيب اسم إريك برينس، مؤسس بلاك ووتر، عن العالم الذي يرسمه الناشر للكتاب. وجود اسمه في هذه الشبكة يمنح القضية بعدًا إضافيًا يتعلق بالقطاع الأمني الخاص وشركاته وقدرته على التحرك خارج قنوات الجيوش التقليدية. لكن ذكره ضمن الشخصيات التي يتناولها الكتاب لا يثبت تلقائيًا تورطه في أي تحويل مالي أو عملية محددة؛ وهذه مسألة تحتاج إلى وثائق وعقود وشهادات مستقلة.

الجانب الأكثر إزعاجًا لأبوظبي في هذه الصورة أن الاتهامات، حتى حين تظل محل نزاع، لا تصف نفوذًا دبلوماسيًا طبيعيًا بقدر ما ترسم نموذجًا لإدارة المنطقة يقوم على الاقتراب من الأشخاص بدلًا من المؤسسات. فالدولة التي تمتلك موارد مالية ضخمة وشبكة علاقات أمنية متشعبة قد تجد في المستشار القريب من الرئيس فرصة أسرع من الكونغرس ووزارة الخارجية والبيروقراطية الأمريكية. وفي حال ثبت وجود أموال سرية مرتبطة بتلك العلاقات، فإن السؤال لن يكون عن سوء تقدير سياسي فحسب، بل عن مدى تعرض القرار العام للتأثير المالي الأجنبي.

هذا هو السبب في أن رد كوشنر يجب أن يكون جزءًا من القصة نفسها. فقد نفى عبر فريقه القانوني وجود الحسابات والصلاحيات التي ينسبها إليه كول، واعترض على غياب أرقام الحسابات والكشوف المصرفية، وهدد باتخاذ إجراءات قانونية بشأن المقتطف. النفي لا يُبطل التحقيق تلقائيًا، مثلما أن نشر كتاب لا يجعل روايته حقيقة مكتملة. وبين الأمرين تبقى الحاجة إلى المستندات هي الاختبار الذي لا يمكن تجاوزه.

وفي مقابلة مع جون ستيوارت، قال كول إن العمل استغرق نحو خمس سنوات وإنه يثق بمصادره، لكنه لا يستطيع الكشف عن كل ما يعرّف بها. لم يكتف ستيوارت بالاستماع؛ بل واجهه بأسئلة عن مدى صلابة بعض التفاصيل، محذرًا من أن القصة الكبيرة قد تتضرر إذا قامت على عناصر لا يمكن اختبارها. هذه المواجهة مهمة لأنها تمنع تحويل الكتاب إلى مادة دعائية جاهزة، وتعيده إلى طبيعته الصحيحة: تحقيق يتضمن اتهامات جسيمة ينبغي إخضاعها للفحص العلني.

بالنسبة إلى المنطقة العربية، فإن القيمة الكبرى لـ«أمراء ولصوص» ليست فقط ما يقوله عن كوشنر، بل ما يكشفه عن نوع السلطة التي تسعى أبوظبي إلى ممارستها. فالنفوذ الذي يتحرك عبر رجال أعمال ومستشارين وأجهزة أمنية وشبكات تمويل يصعب إخضاعه للمساءلة أكثر من المعاهدات المعلنة والقرارات الحكومية المنشورة. وعندما تكون فلسطين وإيران وأمن الخليج موضوع هذه التفاهمات، فإن آثارها المحتملة تتجاوز أصحابها إلى ملايين البشر الذين لا يمثلهم أحد على طاولة الترتيب..

الأسئلة التي يتركها الكتاب ثقيلة: هل توجد سجلات مصرفية تثبت الحسابات التي وصفها كول؟ هل يمكن إثبات صلاحية توقيع كوشنر؟ ما حقيقة دور المؤسسات الإماراتية التي ورد اسمها؟ وهل تستطيع السلطات الهولندية أو الأمريكية تقديم معلومات قابلة للنشر عن رواية اختراق الهاتف؟ ثم ما الصلة الفعلية، إن وجدت، بين أي تدفقات مالية والسياسات التي اتخذت بشأن إسرائيل وإيران والفلسطينيين؟ من دون إجابات موثقة، تبقى هذه الأسئلة مفتوحة؛ لكن تجاهلها ليس بديلًا عن التحقيق فيها.

في النهاية، يقدم «أمراء ولصوص» اتهامًا سياسيًا بالغ القسوة للطريقة التي يزعم مؤلفه أن محمد بن زايد حاول بها إعادة تشكيل الشرق الأوسط: ليس من خلال قوة الإمارات العسكرية أو الاقتصادية وحدها، بل عبر الاقتراب من مركز السلطة الأمريكية وتطويع شبكات المال والأمن لخدمة مشروع إقليمي. وإذا تأكدت التفاصيل الأخطر، فستكون القضية أكبر من فضيحة مستشار أمريكي؛ ستكون نافذة على كيفية اختطاف أولويات منطقة كاملة من خلال صفقات لا يراها مواطنوها. أما الآن، فإن ما يستحق أن يظل في الواجهة هو السؤال الذي لا يبدده النفي ولا يحسمه الكتاب وحده: من الذي يقرر مستقبل الشرق الأوسط، وبأي أموال، وتحت رقابة من؟