في أكتوبر 2025 نقلت وسائل إعلام عبرية وغربية يمينية داعمة للاحتلال خبر اعتقال ثلاثة فلسطينيين في ألمانيا بتهم تتعلق بحيازة أسلحة خفيفة وتخزينها لشن هجمات ضد أهداف يهودية وإسرائيلية، وأن هذه الخلية على ارتباط بحماس، وهو الأمر الذي نفته الأخيرة.

تضخمت القصة يوم السادس من نوفمبر عندما انفردت قناة ITV البريطانية بخبر اعتقال بريطاني أشارت له بمحمد أ.، وادعت أنه نجل قيادي في حماس على صلة بالقضية، ونقلت صحيفة “جيروزاليم بوست” العبرية الخبر حرفيًا عن القناة، مشيرة إلى أن الأسلحة والمتهمين جميعًا تم ضبطهم في برلين.

في اليوم نفسه، أضافت صحيفة “هآرتس” اليسارية بعدًا دراميًا آخر، إذ ذكرت أن النمسا كانت مسرحًا لمخبأ الأسلحة، على نقيض الرواية التي ذكرتها وسائل الإعلام الأخرى، وجميع هذه المصادر ذكرت أن الموساد كان له دور فاعل في كشف الخلية.

لم يعد ممكنًا النظر إلى القصة كتحرك أمني أوروبي مستقل، بل كحلقة جديدة في حرب دعائية استخباراتية تهدف إلى إلصاق تهمة “الإرهاب” بالفلسطينيين وتشتيت الأنظار عن جرائم الاحتلال في غزة والضفة، واستخدامها على فترات بإضافة عناصر مثيرة جديدة.

تكشف متابعة تفاصيل القضية حجم الارتباك الذي يحيط بها، فالرواية التي بدت في ظاهرها منسقة بين أجهزة استخبارات ألمانيا والنمسا تحوّلت سريعًا إلى سلسلة من التناقضات والتسريبات المتضاربة. فبينما نسبت بعض التقارير الكشف عن “الخلية” إلى الأجهزة الألمانية بمساعدة من الموساد، أضافت أخرى في اليوم نفسه دورًا مفاجئًا للمخابرات النمساوية، مدعية أن تسليم السلاح وتخزينه تم على أراضيها. هذا التبدل السريع في مركز الحدث أظهر القصة وكأنها تُكتب أثناء البث، لا كما تجري في الواقع.

كما زادت علامات الشك بسبب التمويه المقصود على هوية المعتقلين؛ إذ لم تُنشر أسماؤهم أو صورهم رغم أن القضايا المماثلة عادة تُعرض بكل تفاصيلها، الأمر الذي يعزز احتمال أن تكون هناك ثغرات في القصة الأصلية أو عناصر يجري حجبها. إلى جانب ذلك، ارتكبت وسائل إعلام إسرائيلية أخطاء تحريرية فادحة، أبرزها ما نشرته “جيروزاليم بوست” حين أشارت بالخطأ إلى “مكتب الادعاء السويسري” بدلًا من الألماني، وهو ما بدا كدليل على استخدام قالب خبري جاهز أُعيد تدويره على عَجَل.

أما في ما يخص الأسلحة المضبوطة، فقد كشفت البيانات الرسمية عن خمس مسدسات فقط وكمية محدودة من الذخيرة، بينما بالغت قنوات وصحف مثل ITV News و”جيروزاليم بوست” بإضافة بندقية كلاشنيكوف لتضخيم المشهد وإثارة الرأي العام. ثم جاء عنصر آخر من الإثارة بإدخال شائعة أن المعتقل البريطاني هو نجل قيادي كبير في حماس، من دون أي دليل أو اسم، في محاولة لخلق انطباع بوجود “امتداد عائلي للإرهاب”.

أن تكون أجهزة المخابرات نفسها هي من يكتب القصة وتمنحها لوسائل الإعلام ثم تحتفي بها لاحقًا بوصفها “نجاحًا دوليًا”، يجعل من الصعب التعامل مع هذه الرواية كحقيقة موثوقة. فالتاريخ القريب يعجّ بأمثلة مشابهة استخدمتها إسرائيل وشركاؤها الأوروبيون لتضخيم تهديد “الإرهاب الفلسطيني” وتبرير سياساتهم، ما يجعل الاحتمال الأقرب هو أننا أمام فبركة مخابراتية أُعدّت بعناية لخدمة أجندة سياسية وإعلامية أكثر من كونها قضية أمنية حقيقية.

زادت الشبهات حول دوافع إثارة هذه القضية وتوقيتها عندما رُصد كيف استغلها ساسة وإعلاميون إسرائيليون وموالون لإسرائيل لتوجيه رسائل سياسية واسعة. فعلى سبيل المثال، سارع عميحاي شيكلي، وزير شؤون الشتات في حكومة الاحتلال، إلى التعليق على الحادثة زاعمًا أنها “تؤكد أن حماس حوّلت مركز ثقلها إلى الخارج بتمويل قطري ونشاط من تركيا، مما يشكل تهديدًا استراتيجيًا لكل أوروبا”.

هذا التصريح – الذي أدلى به شيكلي عبر إذاعة الجيش الإسرائيلي – يكشف بوضوح النية لتضخيم صورة حماس كخطر عالمي ونقل رواية الصراع إلى أوروبا. فبدلًا من التركيز على سياق القضية المحدود (أسلحة فردية في مخزن سري)، حوّلها التصريح إلى دليل مزعوم على شبكة إرهاب دولية واسعة النطاق تدعمها دول (قطر وتركيا) يعاديها الاحتلال سياسيًا.

بالإضافة إلى ذلك، جاء تضخيم هذه الحادثة في الإعلام في وقت حسّاس جدًا، إذ تزامنت مع استمرار العدوان الإسرائيلي الوحشي على غزة رغم وقف إطلاق النار في خريف 2025، وكذلك هجمات المستوطنين الدموية وجرائم جيش الاحتلال في الضفة حيث لا نفوذ لحماس، والتي أثارت انتقادات واحتجاجات غير مسبوقة في أوروبا نفسها – خاصة في ألمانيا والنمسا اللتين تعتبران من أشد الحلفاء لإسرائيل.

لقد خرجت تظاهرات حاشدة في برلين ومدن ألمانية أخرى تندد بـ”التواطؤ الألماني” مع الإبادة الجماعية في غزة. أمام هذا الغضب الشعبي الأوروبي، يبدو أن تضخيم قصة “خلية حماس الإرهابية في أوروبا” جاء كرسالة مضادة: لإقناع الرأي العام بأن الخطر الحقيقي ليس في جرائم الحرب ضد الفلسطينيين، بل في الفلسطينيين أنفسهم الذين يزعم أنهم يخططون لنقل العنف إلى قلب أوروبا.

إنها محاولة واضحة لتغيير الأولويات وصرف الانتباه عن الانتقادات الموجهة لإسرائيل وحلفائها الأوروبيين عبر إثارة فزاعة “إرهاب حماس” على أرض أوروبية.

بالطبع، هناك إمكانية لوجود خلايا أو أفراد قد يفكرون في تصرفات عنيفة، وهذا حدث ويحدث طوال الوقت من مجموعات عنيفة بغض النظر عن انتماءاتهم، لكن التعامل الإعلامي والأمني مع هذه القضية بالذات كان بعيدًا كل البعد عن المهنية والشفافية. فلو كانت هناك أدلة دامغة على مخطط إرهابي حقيقي، لكانت التفاصيل أوضح ومتناسقة، والتحقيقات أكثر استقلالية، بعيدًا عن هذا الكم من الأخطاء والتهويل المتعمد.

والآن، السؤال المنطقي هو: من المستفيد الحقيقي من بث الخوف في قلوبنا من “شبح إرهابي” جديد؟

الإجابة في حالة قضية “خلية حماس الأوروبية” تبدو واضحة في ضوء ما سبق من أدلة: المستفيد هو من يريد صرف الأنظار عن جرائمه وتصوير الضحية كجاني.

القصة لم تنتهِ فصولها بعد، إذ ستظهر حقائق جديدة مع سير التحقيق والمحاكمات، لكن المؤكد أن وعي الجمهور وقدرته على التمييز بين الحقيقة والدعاية هو خط الدفاع الأول ضد هذه الألعاب الاستخباراتية الرخيصة.