في مؤشر واضح على تدهور الوضع الأمني وغياب الثقة بالاستقرار في الداخل الإسرائيلي، أعلنت وزارة الخارجية الألمانية بدء تنفيذ خطة إجلاء منظّم لرعاياها من إسرائيل، عبر العاصمة الأردنية عمّان، في رحلة جوية خاصة ستنطلق يوم الأربعاء، وسط تصاعد القلق الأوروبي من امتداد المواجهة العسكرية بين إيران والاحتلال الإسرائيلي إلى مستوى إقليمي شامل.
هذا القرار، الذي يأتي بعد أيام قليلة من الضربات الصاروخية الإيرانية غير المسبوقة، يعكس تحولًا جذريًا في الموقف الغربي، ليس فقط من ناحية التقييم الأمني، بل في نظرة العواصم الأوروبية لمستقبل الصراع وحدود قدرة إسرائيل على حماية الداخل.
الإجلاء.. خطوة ما بعد “التحالف”
الإجلاء الجماعي الذي بدأت به ألمانيا اليوم ليس مجرد إجراء احترازي، بل هو رسالة سياسية مزدوجة: أولها أن تل أبيب لم تعد مكانًا آمنًا حتى لحلفائها المقربين، والثانية أن دول الغرب بدأت تستشعر أن الحماية الأميركية وحدها قد لا تكفي إذا تصاعدت الهجمات أو تغيرت قواعد الاشتباك.
ووفق متحدث وزارة الخارجية الألمانية، فقد جرى إخطار المواطنين المسجلين في “قوائم الأزمات” بتفاصيل خطة الإجلاء، مما يشير إلى أن القرار اتخذ على أعلى المستويات الأمنية والسياسية في برلين.
القتلى في مصفاة حيفا.. والرقابة تنهار
في الأثناء، وبعد رفع الرقابة العسكرية الإسرائيلية جزئيًا، تأكد مقتل ثلاثة إسرائيليين في قصف صاروخي استهدف مصفاة للنفط في مدينة حيفا، وهو ما يعزز رواية “الهجوم الإيراني الدقيق” الذي استطاع ضرب منشآت استراتيجية في العمق، ما يعني أن الهجوم الإيراني لم يكن مجرد استعراض بل كان يحمل أبعادًا ميدانية مؤلمة.
وللمرة الأولى منذ سنوات، تُجبر الرقابة العسكرية الإسرائيلية على التراجع أمام حجم الخسائر، في وقت باتت فيه مواقع مثل تل أبيب، بني براك، ومناطق استراتيجية أخرى، عرضة لصواريخ دقيقة أطلقت من إيران مباشرة، وليس عبر وكلاء إقليميين.
تغير في قواعد الاشتباك.. من الاغتيال إلى رد الدولة
العدوان الإسرائيلي الذي بدأ الجمعة واستهدف منشآت داخل إيران، بما فيها مراكز عسكرية ونووية من مشهد إلى طهران، أخرج الصراع من ظلال الحرب غير المعلنة إلى مواجهة مباشرة، تديرها الدول بنفسها، وبشكل معلن. ولم تكتف إيران بالتهديدات، بل أطلقت موجة من الصواريخ التي قتلت وأحرقت ودمرت مواقع إسرائيلية حساسة، في رد عسكري منسق، هو الأعنف منذ عقود.
هذه المواجهة أنهت عمليًا وهم “التفوق الجوي الإسرائيلي المطلق”، وأعادت طرح الأسئلة بشأن قدرة الاحتلال على صدّ هجوم واسع، خصوصًا في ظل تعدد الجبهات التي قد تُفتح في أي لحظة: من الجنوب اللبناني، إلى غزة، وربما الضفة الغربية.
دلالات سياسية وأمنية:
- الإجلاء الألماني قد يمهّد لتحرك مماثل من دول أوروبية أخرى، خاصة مع تصاعد الدعوات الداخلية لإعادة تقييم العلاقات مع تل أبيب في ظل فشلها في ضبط الأمن.
- ضرب مصفاة حيفا يُظهر هشاشة البنية التحتية الحيوية للاحتلال، ويكشف أن أي حرب مقبلة لن تبقى محصورة في الجبهات التقليدية.
- الرقابة العسكرية تنهار أمام ضربات لم تكن متوقعة بهذا الحجم والدقة، ما يشير إلى فشل استخباري واضح.
بينما تحترق حيفا وتتساقط الصواريخ على تل أبيب، تبدأ طائرات الإجلاء من مطارات الاحتلال، لتعيد مشهدًا لم تعهده إسرائيل منذ تأسيسها. أوروبا تسحب رعاياها، والغرب يُعيد تقييم رهاناته على “قوة إسرائيل الردعية”، التي بدت أكثر هشاشة في وجه أول مواجهة مباشرة مع إيران.
اقرأ أيضا: الاحتلال يذل أعوانه: قطع الغاز عن مصر والأردن يدفع القاهرة لتفعيل الطوارئ