تغيير حجم الخط ع ع ع

أعلنت الولايات المتحدة وسلطنة عمان مؤخرا عن اتفاق للسماح للبحرية الأمريكية بالوصول بشكل منتظم إلى ميناء “الدقم” على الساحل الجنوبي لسلطنة عمان. كما يمنح اتفاق “الإطار الاستراتيجي” الولايات المتحدة حق الوصول إلى ميناء “صلالة” في جنوب غرب عمان. ويأتي الاتفاق في وقت تتزايد فيه المنافسة الإقليمية بين واشنطن وطهران، ويساعد على توفير خيار وجود قاعدة استراتيجية إضافية للولايات المتحدة بالقرب من مضيق “هرمز” المهم، وكذلك مناطق الصراع مثل اليمن. ومع ذلك، بعد أسابيع فقط من الاتفاقية الأمريكية العمانية، وقعت سلطنة عمان مذكرة تفاهم مع إيران لزيادة التعاون العسكري. وتوضح هذه الخطوات كيف تقوم عمان بوضع نفسها في موقع معزز في الخليج، مع الحفاظ على استقلالها الإقليمي.

الموانئ العمانية

ولا يقتصر الوصول إلى “الدقم” على الولايات المتحدة، حيث تهدف سلطنة عمان إلى تطوير الميناء والمنطقة المحيطة به إلى مركز صناعي رئيسي على المحيط الهندي. وكانت المملكة المتحدة شريكا رئيسيا في افتتاح حوض السفن في الميناء، وانضمت إليها القوى الاقتصادية الرئيسية الأخرى منذ ذلك الحين. وتم افتتاح رصيف لبناء السفن من قبل شركة “دايو” الكورية الجنوبية عام 2012. وتخطط الصين لاستثمار ما يصل إلى 10.7 مليار دولار لإنشاء المجمع الصناعي بين الصين وعمان مع مرافق للتصنيع، وخطوط أنابيب، ومستشفى. وتخطط شركات صناعة السيارات الإيرانية لاستثمار 200 مليون دولار في “الدقم” لإنشاء مصنع مشترك لصناعة السيارات. واستثمرت المملكة العربية السعودية 210 ملايين دولار في “الدقم”. وفي أوائل عام 2018، وافقت عمان على السماح للبحرية الهندية باستخدام “الدقم” لدعم عملياتها في غرب المحيط الهندي.

وتتضمن نوايا مسقط في “صلالة” إنشاء نظام موسع للطرق والسكك الحديدية ومرفق للغاز الطبيعي السائل، ونموا بنسبة 50% في سعة الحاويات.

وتأمل سلطنة عمان في أن يشجع موقع مينائي “الدقم” و”صلالة” دول الخليج على شحن النفط إلى الساحل العماني عبر خطوط أنابيب، مما يقلل من تكاليف الشحن عبر مضيق هرمز، ويغري الشركات وأصحاب المصلحة في الابتعاد عن موانئ الخليج الشمالية. كما تشجع إمكانية الوصول إلى الموانئ مستهلكي الطاقة الخارجيين على التجارة في الطرف الجنوبي من شبه الجزيرة العربية، بدلا من المخاطرة في مياه الخليج المعرضة للنزاع.

كما عقدت عمان شراكة مع الصين في مشروع خارجي طموح، وهو مشروع ميناء بقيمة 10 مليارات دولار في “باجامويو”، بدولة تنزانيا. ويحوي المشروع 10 أميال من الأرصفة والأحواض شيدت بطريقة مماثلة لمشاريع الموانئ الحالية في “شنتشن” في الصين. وبدلا من الاستمرار في الاعتماد على الصادرات النفطية المتناقصة، تأمل عمان في تأمين وضع مالي أقوى من خلال توسيع التجارة البحرية مع أفريقيا، وتوثيق العلاقات مع مشاريع التنمية الصينية.

تموضع الولايات المتحدة

وكانت عُمان أول دولة خليجية تتعاون رسميا مع الجيش الأمريكي عام 1980،وتقوم بتخزين المواد الاحتياطية للحرب لصالح عمليات القيادة المركزية الأمريكية منذ عام 2000. ويلبي الوصول إلى القاعدة البحرية في سلطنة عمان حاجتين أمريكيتين مهمتين، وهما الوصول الإضافي إلى الخليج، والمياة العميقة اللازمة لرسو حاملات الطائرات.

وتنشر الولايات المتحدة قواتها في جميع أنحاء الخليج. ويتخذ الأسطول الخامس، المسؤول عن الشرق الأوسط والبحار المحيطة به، موقعه في البحرين منذ عام 1995. وتلعب حاملات الطائرات وسفن إزالة الألغام وغيرها من السفن أدوارا مهمة في العمليات في جميع أنحاء المسرح الإقليمي. وعلى الرغم من أنه ليس موقعا دائما، تزور البحرية الأمريكية ميناء “جبل علي” في الإمارات أكثر من أي ميناء آخر حول العالم.

ويعتمد إسقاط القوة الأمريكية في الخارج على قدرة واشنطن على تحريك أهم أصولها البحرية وهي الغواصات النووية وحاملات الطائرات. ويمكن لميناء “الدقم” دعم كليهما مع توفير إمكانات قوية للإصلاح والصيانة. وخلال الأعوام الـ 5 الماضية، قامت البحرية بزيارات متعددة لإثبات جدوى “الدقم” كميناء عسكري ومستودع للصيانة. وزارت حاملة الطائرات الأمريكية “جورج دبليو بوش” الميناء عام 2014. وأجرت السفينتين الهجوميتين الكبيرتين “ماكين آيلاند” و”أيوا جيم” اتصالات بالميناء وعمليات صيانة عام 2015. وأجرت سفينة “سومرست”، وهي سفينة برمائية أصغر، صيانة بالميناء في عام 2017.

وتستقبل عُمان نحو 80 زيارة للميناء من الولايات المتحدة كل عام. ومن المحتمل أن يزداد هذا العدد مع صفقة “الدقم”، مما يضع عُمان في منافسة مع الإمارات والبحرين ودبي للحصول على عقود البنتاغون المربحة.

وتأتي الاتفاقية الأمريكية بعد أعوام من التعاون والترتيبات الوثيقة بين المملكة المتحدة وسلطنة عمان. وهناك ما يقرب من 500 جندي بريطاني في عمان بالفعل للقيام بتمارين وعمليات مكافحة القرصنة. ووقعت بريطانيا وعمان اتفاقية في أبريل/نيسان 2016 لبناء قاعدة بحرية بقيمة 110 ملايين دولار بالقرب من “الدقم” لدعم قوة بريطانية دائمة، وهي الأولى من نوعها في عُمان منذ عام 1971. وفي العام الماضي، أثبتت بريطانيا القدرات اللوجستية للميناء بتدريبات واسعة النطاق بأعداد كبيرة، ووقعت عقد إيجار لمدة 37 عاما لاستخدام الميناء كقاعدة للدعم اللوجسيتي.

رهانات مسقط

وتعتمد مصالح عمان في الاتفاق مع الولايات المتحدة في كونه سيمنحها المزيد من الاستقلال السياسي والاقتصادي الإقليمي. وتأمل عمان في إظهار قيمتها كشريك أمريكي لدعم حيادها في نزاعات الشرق الأوسط.

ومن المحتمل أن يسعى زعماء عُمان إلى الحصول على دعم الولايات المتحدة للانتقال من حكم السلطان “قابوس بن سعيد” المريض إلى خلف غير معروف بعد. وتكمن قوة البلد الصغير في قدرته على الوساطة وعقد الاتفاقات بين الأطراف في الخليج. ويمكن للعلاقات العسكرية الأعمق مع الولايات المتحدة أن تحسن علاقة عمان مع البيت الأبيض، وأن تكون بمثابة حصن محتمل ضد التدخل في قضايا الخلافة من البلدان المجاورة.

وأقنع الخلاف المستمر بين قطر من جهة والسعودية والإمارات والبحرين ومصر من جهة أخرى عمان بأنها تحتاج إلى ثقل إضافي أمام القوى العسكرية العربية. واستفادت عمان المحايدة تقليديا من عزلة قطر، من خلال زيادة الروابط الاقتصادية مع الدوحة على حساب العلاقات مع الرياض وأبوظبي. وتستثمر الكويت، وهي دولة خليجية محايدة أخرى، في “الدقم”، وتقوم شركات الخدمات اللوجستية القطرية بتنظيم أعمالها في ميناء “صحار” العماني. وفي الواقع، أوجدت الأزمة الخليجية شراكة ثلاثية فريدة بين قطر والكويت وعمان، في محاولتهم للحفاظ على استقلالها الإقليمي من خلال التعاون مع القوى الخارجية.

وتمتد دبلوماسية سلطنة عمان شرقا نحو إيران. وفي أبريل/نيسان، وقعت مسقط وطهران مذكرة تفاهم تهدف إلى تعزيز التعاون العسكري بين البلدين. وتشير المذكرة، إلى جانب التدريبات البحرية المشتركة في أبريل/نيسان، وما يزيد عن 700 مليون دولار من التجارة، إلى رغبة السلطنة المستمرة في الحفاظ على علاقات جيدة مع إيران، على الرغم من أنها تزعج بذلك جيرانها العرب، ومن المحتمل أن تزعج واشنطن أيضا. ومن شبه المؤكد أن زيادة التعاون العسكري مع إيران يضع حدودا على أنواع ومستويات الدعم الذي يمكن أن تتوقعه عمان من الولايات المتحدة والبحرية الأمريكية.

وتأمل عُمان في جذب الأنشطة التجارية الأموال بعيدا عن موانئ جيرانها، بما في ذلك “جبل علي” الإماراتي أكبر ميناء للمياه العميقة في الخليج، من خلال إتاحة وصول متساوٍ لجميع القوى إلى الشرق الأوسط عبر مضيق هرمز دون تعقيدات. ولدى البحرية الأمريكية أموال تنفقها في المنطقة حيث استثمرت على سبيل المصال أكثر من 580 مليون دولار في مرافق موانئ البحرين بين عامي 2010 و2017. وعلى الرغم من أن استثمارات وزارة الدفاع الأمريكية في الموانئ العمانية غير محتمل، ستضمن أعمال الصيانة والتزويد بالوقود ورسو السفن وزيارات الموانئ تدفق دولارات البحرية إلى سلطنة عمان. وتساعد الصفقات مع الصين والهند والقوى التجارية العالمية الأخرى على دعم الاقتصاد العماني، الذي يفتقر إلى الثروة النفطية مثل منافسيه الإقليميين، كما ستمنح هذه الصفقات السلطنة مزيدا من التحوط التحوط ضد الاعتماد بدرجة كبيرة على النوايا الحسنة للولايات المتحدة أو بريطانيا.

مياه مزدحمة

وقد يساعد اتفاق عُمان مع الولايات المتحدة السلطنة في جهودها للاحتفاظ بموقفها المحايد بصفتها صانع صفقات ووسيط إقليمي موثوق. ويثير الحصار الذي تفرضه السعودية على قطر قلق عُمان في وقت لا يزال فيه مستقبلها السياسي غير واضح فيما يتطلب اقتصادها إصلاحا شاملا. وإذا تمكنت مسقط من تشجيع زيارات إضافية للبحرية الأمريكية لموانئها، وزيادة أهميتها في عمليات البنتاغون في الخليج، فقد تكتسب جمهورا أكبر في واشنطن لسماع آرائها.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن للاستثمار الأجنبي الكبير من بلدان مثل الصين والهند تحويل موانئ عمان إلى مراكز لوجستية ذات مستوى عالمي على طول طرق التجارة البحرية بين الهند والمحيط الهادئ. ويعني هذا النشاط التجاري، إلى جانب المزيد من زيارات الموانئ من قبل البحرية الأمريكية، أن المياه العمانية، وكذلك جدول أعمال سياستها الخارجية، من المرجح أن تصبحا أكثر ازدحاما.