في مشهد يعيد تذكير الضفة الغربية بأن المواجهة لم تهدأ رغم انشغال العالم بغزة، اندلعت مساء الاثنين اشتباكات مسلّحة شرقي مدينة نابلس عقب اقتحام قوات الاحتلال الإسرائيلي للمنطقة ومحاصرة منزل فلسطيني، وسط رواية إسرائيلية ادّعت “تصفية منفّذ عملية دهس” وقصة فلسطينية تتحدّث عن مقاوم حوصر وقُصف منزله واحتُجز جثمانه، فيما يخيّم صمت السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس على مشهد يتصاعد دماً وغضباً.

اشتباك مفاجئ وروايات متضاربة

جيش الاحتلال وجهاز “الشاباك” قالا إن وحداتهما تعرضت لإطلاق نار خلال “نشاط عملياتي” في شرق نابلس، وإن القوات ردّت بالمثل. وإذاعة جيش الاحتلال سارعت إلى إعلان “اغتيال مسلح فلسطيني”، زاعمة أنه منفّذ عملية دهس قبل عام ونصف قرب نابلس أسفرت – وفق روايتها – عن مقتل جنديين إسرائيليين.

المصادر الفلسطينية، من جهتها، أكدت أن الشاب استشهد داخل منزل حاصرته القوات، وأن الاحتلال احتجز جثمانه، فيما شبّ حريق في شقة قرب فرع البنك العربي بمنطقة الحسبة نتيجة قصف الاحتلال خلال عملية المطاردة.

الهلال الأحمر الفلسطيني أشار إلى تلقيه بلاغًا حول إصابة داخل المنزل ذاته، لكنه أوضح أن قوات الاحتلال منعته من الوصول إلى الجريح، في مشهد يتكرر في عمليات الاغتيال الميدانية، حيث يشكّل منع الإسعاف جزءًا من “الإجهاز البطيء” على المستهدفين.

تعزيزات عسكرية.. واشتباكات في مناطق متعددة

الاقتحام لم يقتصر على مكان واحد؛ إذ تحدثت وسائل إعلام فلسطينية عن أن الاحتلال دفع بتعزيزات إضافية وحاصر منزلاً آخر في المنطقة الغربية من المدينة، بينما أُبلغ عن وجود قوة إسرائيلية خاصة تسرّبت إلى نابلس قبل انكشاف أمرها، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات مسلّحة.

وكالة “وفا” الرسمية نقلت عن شهود عيان أن قوات الاحتلال أطلقت الرصاص الحي بكثافة إضافة إلى القنابل الضوئية والصوتية والغازية، ما أشعل المواجهات وسمع دوي انفجارات في محيط المنطقة الشرقية.

هذه التطورات جاءت في وقت أصبحت فيه نابلس واحدة من أكثر بؤر المقاومة حضورا في الضفة، منذ ظهور مجموعات مقاومة مستقلة مثل “عرين الأسود”، التي تحولت إلى رمز لتجاوز حالة الإحباط الشعبي تجاه السلطة وتآكل شرعيتها.

الضفة الغربية في مرمى النار منذ حرب غزة

منذ انطلاق حرب الإبادة في غزة في 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، تصاعدت الاعتداءات الإسرائيلية في الضفة لتأخذ شكل تطهير أمني متدرج. وفق المعطيات الفلسطينية الرسمية، أسفرت تلك العمليات عن استشهاد أكثر من 1080 فلسطينياً وإصابة ما يزيد على 11 ألفاً، إضافة إلى أكثر من 20 ألفاً و500 معتقل، بينهم أطفال ونساء وطلاب جامعات.

هذه الأرقام لا تعكس فقط حدة القمع، بل تشير إلى استراتيجية إسرائيلية تقوم على:

  • استنزاف البنية المجتمعية في المدن الكبرى مثل نابلس وجنين وطولكرم
  • تفريغ الساحات من الكوادر الشابة
  • شلّ أي قدرة لظهور مقاومة منظمة
  • استخدام الضفة كورقة ضغط على غزة والمفاوضات الإقليمية

     

صمت محمود عباس.. الغائب الأكبر

في الوقت الذي كانت فيه القوات الإسرائيلية تحاصر منزلاً وتقصف منطقة مأهولة وتمنع المسعفين من الوصول، بقيت السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس في صمت مطبق، دون تصريح أو تنديد أو حتى مطالبة شكلية بالتحقيق.

هذا الصمت بات علامة سياسية دالة، ويقرأه الشارع الفلسطيني على عدة مستويات:

1. فقدان المبادرة

السلطة تبدو متلقية للأحداث، غير قادرة على صياغة موقف أو التأثير في مسار الاعتداءات.

2. الخشية من صعود المقاومة

أي إدانة واضحة قد تُفسَّر كاحتضان للمقاومين، وهو ما تتجنبه السلطة خوفًا من صدام مباشر مع الاحتلال أو تفلت أمني.

3. الارتهان السياسي

التنسيق الأمني، رغم نفي السلطة، يستمر عملياً، ولا تريد القيادة تقديم موقف يحرج شركاءها الدوليين.

4. فجوة متسعة مع الشارع

في نابلس تحديداً، الشارع يرى أن الصمت تواطؤ، وأن السلطة أصبحت غريبة عن نبض الناس.

مدينة لا تُهزم بسهولة

نابلس ليست مجرد مدينة، بل مختبر مقاومة عبر مراحل متعددة:

من الانتفاضة الثانية، إلى كتائب شهداء الأقصى، إلى المطاردين، وصولاً إلى “عرين الأسود”.

لذلك يدرك الاحتلال أن إخضاعها يمر عبر:

  • الاغتيالات
  • حصار الأحياء
  • ضرب الرموز
  • إغراقها بقبضة أمنية مزدوجة (احتلال + أجهزة السلطة)

خاتمة: بين النار والصمت

بينما تتقدم جرافات الاحتلال في الأحياء وتشتعل السماء بالقنابل ويُحتجز الشهداء بلا وداع، يبقى السؤال الذي يتصاعد في الضفة:

كيف يمكن لشعب يُقتل ويُعتقل ويُحاصر يومياً أن يصدّق أن لديه قيادة تمثله؟

ومع استمرار الاعتداءات واتساع شرارة المواجهة، يبدو أن نابلس تُعيد صياغة المعادلة:

الاحتلال يطلق النار… والمقاومون يردّون… والسلطة تلتزم الصمت… لكن الشارع هو من يكتب النهاية.

اقرأ أيضًا : ثبات المقاومة.. خليل الحية يوجّه رسائل في عدة اتجاهات ويؤكد: فلسطين أرض الأمة كلها