في تصعيد جديد يُكرّس نهج القمع والتنكيل بالمعارضين، أيدت المحكمة الاتحادية العليا في دولة الإمارات العربية المتحدة أحكامًا بالسجن المؤبد بحق 24 شخصًا من معتقلي الرأي، في واحدة من أكثر المحاكمات الجماعية إثارةً للجدل، والمعروفة باسم قضية “تنظيم العدالة والكرامة”.

هذا التطور، الذي اعتبرته منظمات حقوقية خطوة خطيرة نحو خنق ما تبقى من هامش للحريات في البلاد، يعكس بحسب مراقبين الطبيعة البوليسية المتجذرة في النظام الإماراتي، وإصراره على سحق أي صوت معارض ولو كان سلميًا.

محاكمة سياسية بغطاء قانوني

القضية التي بدأت منذ أشهر، جاءت في سياق “محاكمة جماعية” لـ84 متهمًا، معظمهم كانوا قد أنهوا أحكامًا سابقة صادرة بحقهم ضمن ما يعرف بقضية “الإمارات 94” الشهيرة، والتي استهدفت ناشطين ومحامين وأكاديميين دعوا سلمًا لإصلاحات سياسية في البلاد.

ورغم غياب الشفافية عن تفاصيل القضية الأخيرة، فإن المحكمة الاتحادية العليا أيدت يوم الاثنين 1 يوليو 2025، أحكامًا نهائية بالسجن المؤبد ضد 24 من هؤلاء، دون السماح بأي استئناف، كون المحكمة هي أعلى جهة قضائية في البلاد ولا يجوز الطعن في قراراتها.

السلطات زعمت أن المحكومين ارتكبوا جرائم تتعلق بـ”الإرهاب” و”تهديد أمن الدولة”، إلا أن منظمات حقوقية مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية شككت بشدة في مصداقية المحاكمة، واعتبرتها أداة للانتقام السياسي من معارضين سلميين.

حملة منظمة لإسكات المجتمع المدني

وصفت هيومن رايتس ووتش في بيان لها المحاكمة الأخيرة بأنها “جائرة بشكل صارخ”، مشيرة إلى أن السلطات الإماراتية لم تكتفِ بسجن المعارضين لفترات طويلة، بل عمدت بعد انتهاء مددهم القانونية إلى تلفيق تهم جديدة لهم، للحيلولة دون الإفراج عنهم، في ما يشبه عملية “اختطاف قانوني”.

وقالت المنظمة إن معظم المتهمين “أدينوا فقط بسبب ممارستهم لحقهم في حرية التعبير وتكوين الجمعيات والانضمام إليها”، وهو ما يشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي لحقوق الإنسان.

وأشارت إلى أن المحاكمة لم تراعِ أدنى المعايير القانونية، حيث حُرم المعتقلون من التواصل المنتظم مع محاميهم، وعُقدت الجلسات بشكل سري، كما تعرض بعضهم لسوء المعاملة في السجون، في ظروف احتجاز وصفت بأنها “مهينة ولا إنسانية”.

المنظمة أضافت أن هذه القضية هي جزء من حملة أوسع تقودها السلطات الإماراتية منذ أكثر من عقد لمنع تشكل أي شكل من أشكال المجتمع المدني المستقل، سواء من خلال التضييق على الجمعيات، أو إسكات الإعلام، أو استخدام قوانين فضفاضة لمكافحة الإرهاب لقمع المعارضة السياسية.

الإمارات: الدولة الأمنية التي لا تقبل النقد

تسلّط هذه القضية الضوء مجددًا على واقع الحريات في الإمارات، والتي تحرص السلطات على تلميعه خارجياً عبر التسويق لـ”دولة التسامح” و”الانفتاح”، فيما تُمارس داخليًا أشكالًا مختلفة من البطش البوليسي بحق معارضيها.

فمنذ 2011، شنّت الدولة واحدة من أوسع حملات القمع في منطقة الخليج، استهدفت بها كل من دعا إلى إصلاح سياسي أو تحدث عن فساد أو دعا لاستقلالية القضاء.

ويُشار إلى أن جهاز أمن الدولة في الإمارات يتمتع بصلاحيات شبه مطلقة، حيث يحتجز المعارضين لفترات طويلة دون محاكمة، ويسيطر على القضاء، ويُحكم قبضته على وسائل الإعلام، وسط غياب تام للرقابة المستقلة أو الإعلام الحر.

ولا يقتصر التنكيل على الاعتقال، بل يمتد إلى حملات تشويه إعلامية، والفصل من الوظائف، وسحب الجنسيات، وملاحقة أفراد أسر المعتقلين. وقد وصفت منظمات حقوقية الدولة بأنها “نموذج مكتمل لدولة بوليسية حديثة”، حيث تُدار الملفات الأمنية بـ”عقلية الاستخبارات العسكرية”.

دعوات دولية للإفراج وإنهاء الانتهاكات

في أعقاب تثبيت الأحكام، جددت منظمات حقوقية وأطراف دولية الدعوة إلى إطلاق سراح معتقلي الرأي فورًا، وإنهاء ما وصفوه بـ”المهزلة القضائية”، مشيرين إلى أن الصمت الدولي إزاء سلوك الإمارات “يشجعها على المضي في انتهاكاتها”.

ودعت هيومن رايتس ووتش شركاء الإمارات التجاريين، وخاصة الولايات المتحدة وبريطانيا، إلى ممارسة ضغوط حقيقية على أبوظبي من أجل احترام التزاماتها الحقوقية الدولية، بدلًا من غض الطرف عن ممارساتها مقابل المصالح الاقتصادية والاستراتيجية.

لكن الواقع، بحسب ناشطين، يشير إلى أن النفوذ المالي والسياسي الضخم للإمارات في الغرب، يجعل من انتهاكاتها ملفًا “مؤجلًا” أو “مغضوضًا عنه”، في ظل الاستثمارات الهائلة التي تضخها أبوظبي في العواصم الغربية.

خاتمة: دولة “العدالة الصورية” وقبضة الحديد

إن تثبيت أحكام المؤبد على 24 معارضًا في محاكمة لا تتوافر فيها أدنى ضمانات العدالة، ليس سوى دليل إضافي على أن الإمارات ماضية في سياساتها القمعية دون تردد.

ومع استمرار الصمت الدولي وتواطؤ بعض الأنظمة، تغدو المحاكم الإماراتية مجرد أداة لـ”شرعنة” القمع، في دولة لم تعد تتحمل حتى النقد السلمي أو التفكير المستقل.

اقرأ أيضًا : الإبادة الصامتة: كيف تهدد الميليشيا المدعومة من الإمارات حياة أطفال السودان بحرمانهم من اللقاحات؟