يتصاعد الجدل داخل بريطانيا مجددًا حول الحاجة إلى صياغة تعريف رسمي وواضح لمصطلح “الإسلاموفوبيا”، في وقت تشهد فيه البلاد زيادة حادة في جرائم الكراهية الموجهة ضد المسلمين، وتناميًا في خطاب التحريض الذي يجد صداه – وفق خبراء بريطانيين – في الحملات المنظمة العابرة للحدود، وعلى رأسها الحملات الممولة إماراتيًا لشيطنة المسلمين والجاليات الإسلامية في أوروبا.

هذا الجدل أعيد إحياؤه الشهر الماضي بعد أن قدمت لجنة حكومية، شُكّلت في فبراير/شباط الماضي، تقريرًا جديدًا يوصي بتحديد تعريف رسمي للمصطلح، وهو التقرير الذي تدرسه السلطات حاليًا قبل اعتماد صيغته النهائية. ورغم أن بريطانيا تناقش الظاهرة منذ أكثر من عقدين، فإن عدم الاتفاق على تعريف موحّد لا يزال يعرقل وضع سياسات فعالة لحماية المسلمين وردع التحريض ضدهم.

تعريفات متباينة.. ومسار طويل من الجدل السياسي

مصطلح “الإسلاموفوبيا” لم يكن يومًا محل توافق داخل بريطانيا. فقد ظهر لأول مرة عام 1997 عندما عرّفته منظمة “رَنيميد” المتخصصة بمناهضة العنصرية بأنه “عداء غير مبرر تجاه الإسلام وما ينتج عنه من ممارسات تمييزية”، وهو تعريف ارتكز على فهم الظاهرة بوصفها خوفًا مرضيًا يقود إلى خطاب وممارسة عنصرية.

لكن الجدل بلغ ذروته عام 2018 حين أصدرت لجنة برلمانية تعريفًا أكثر صرامة اعتبر أن “الإسلاموفوبيا شكل من أشكال العنصرية الموجهة ضد التعبيرات أو المظاهر المرتبطة بالإسلام”. هذا التعريف تبنته جامعات بريطانية، وبلديات عدة، وحزب العمال المعارض، فيما رفضته الحكومات المحافظة المتعاقبة بحجة أنه قد يقيّد حرية التعبير وينسحب على الانتقادات السياسية المتعلقة ببعض الدول الإسلامية.

ورغم مرور ست سنوات على ذلك التعريف، فإن الحكومة لم تعتمد بديلاً عنه، وظل الملف مجمدًا حتى إعادة طرحه هذا العام تحت ضغط الوقائع الميدانية وارتفاع مستويات الاعتداءات على المسلمين، إضافة إلى تكرار المطالب الحقوقية بتبني تعريف جامع يحظى بالاعتراف القانوني.

ارتفاع غير مسبوق في جرائم الكراهية.. والمسلمون الهدف الأول

الباحثة البريطانية ميشا إسلام من جامعة ساوثهامبتون تؤكد أن العام الماضي سجّل أعلى معدلات لجرائم الكراهية ضد المسلمين منذ بدء الرصد الرسمي. وتشير إلى أن “غياب تعريف رسمي يعرقل عملية الإبلاغ، ويجعل كثيرًا من الانتهاكات خارج السجلات”، خاصة الاعتداءات اللفظية والجسدية في الشوارع، وحوادث استهداف المساجد، وحملات التضليل التي تشنها مجموعات يمينية متطرفة.

وترى الباحثة أن هذه الاعتداءات أصبحت “واقعًا يوميًا” للمسلمين في المدن البريطانية، ما يجعل الحاجة لتعريف رسمي وملزم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، ليس فقط لإحصاء الانتهاكات بل لتجريمها بوضوح ومنع تحولها إلى حالة تطبيع اجتماعي.

وتربط منظمات حقوقية بين تصاعد الاعتداءات وبين المناخ السياسي المتوتر، خصوصًا بعد أحداث غزة 2023، حيث تعرضت الجاليات المسلمة في بريطانيا لربط ممنهج بين هويتهم الدينية وبين قضايا سياسية أو أمنية، ما أدى إلى شيطنة خطابهم وتسهيل التحريض ضدهم.

الإمارات في قلب الاتهامات.. تمويلٌ وشبكات ضغط وصناعة صورة سلبية عن المسلمين

ورغم أن الجدل البريطاني يتمحور قانونيًا حول تعريف “الإسلاموفوبيا”، فإن أصابع الاتهام في لندن تتجه – بصورة مت-growing ومستندة إلى تقارير صحفية – نحو شبكات إعلامية ومؤسسات ضغط تعمل بتمويل إماراتي، تُتهم بتعزيز الخطاب المعادي للمسلمين في أوروبا.

وتشير تقارير عدة إلى أن أبوظبي رعت خلال السنوات الماضية منصات بحثية وإعلامية تروّج لفكرة ربط الإسلام السياسي بالإرهاب، وتقدّم قراءات أمنية مبالغًا فيها عن الجاليات المسلمة في أوروبا. هذا الخطاب يجد صداه في أوساط اليمين البريطاني المتطرف الذي يستند إليه لتبرير سياسات التضييق على المسلمين، وفي بعض الحالات يستخدمه لتبرير الاعتداءات.

وبحسب خبراء، فإن “تصدير الإمارات لخطاب إسلاموفوبي” يأتي في سياق سعيها لترسيخ نموذجها السياسي المعادي لأي حراك شعبي أو إسلامي، وهو ما ينعكس في حملات تشويه ممنهجة استهدفت شخصيات وجمعيات بريطانية مسلمة بحجة ارتباطها بجماعات سياسية في الشرق الأوسط.

تعريف رسمي غائب.. وواقع يومي يزداد قسوة

ترى الباحثة ميشا إسلام أن أي تعريف فعّال للإسلاموفوبيا يجب أن يتعامل مع الظاهرة في بُعديها: الفردي والمؤسسي. فالمشكلة، من وجهة نظرها، ليست فقط في الاعتداءات التي يتعرض لها المسلمون في الشارع، بل أيضًا في “التمييز المنهجي داخل المؤسسات” سواء في التوظيف أو التعليم أو إنفاذ القانون.

وتشدد على أن آثار هذه الممارسات “ملموسة للغاية” في حياة ملايين المسلمين البريطانيين، بدءًا من صعوبة الحصول على وظائف معينة، مرورًا بالتمييز في المدارس، ووصولًا إلى السياسات الأمنية التي تستهدف المجتمعات الإسلامية بشكل غير متناسب.

وتضيف أن تأخر الحكومة البريطانية في اعتماد تعريف واضح يعكس “غياب الإرادة السياسية”، في وقت تتزايد فيه مطالب الجاليات المسلمة بضرورة إقرار تعريف قانوني يحد من التحريض والكراهية، ويشكّل أساسًا لسياسات حماية فعالة.

جدل لن يهدأ.. والمسلمون بين خطاب رسمي متردد وواقع ميداني يشتد قسوة

وبينما تواصل السلطات دراسة مسودة اللجنة الحكومية الأخيرة، يبقى المسلمون في بريطانيا أمام واقع معقّد: جرائم كراهية في ارتفاع، حملات إعلامية معادية تمتد تأثيراتها خارج الحدود، ومناخ سياسي يتردد في اتخاذ خطوات حاسمة.

في ظل هذا المشهد، يبدو أن الجدل حول تعريف “الإسلاموفوبيا” لن يهدأ قريبًا، بل سيظل جزءًا من صراع أكبر بين قوى تدفع نحو حماية الجاليات المسلمة، وأخرى – بعضها مدعوم من الخارج – تسعى لترسيخ خطاب الشك والعداء تجاههم.

اقرأ أيضًا ” غزة بلا دواء.. والاحتلال يدفع المرضى للموت البطيء