في مشهد بات متكرراً ومأساوياً، جدد الاحتلال الإسرائيلي فجر اليوم الخميس قصفه للنازحين والمجوعين في قطاع غزة، مستهدفاً مدارس ومخيمات خيام تؤوي المدنيين، ما أسفر عن سقوط عشرات الشهداء والجرحى، وسط صمت عربي ودولي يثير الاستياء الشعبي ويدفع الفلسطينيين إلى التساؤل: من سيحميهم من آلة القتل التي لا تتوقف؟

قصف متواصل واستهداف مباشر للنازحين

مع ساعات الفجر الأولى، استهدفت طائرات الاحتلال مدرسة عمرو بن العاص في حي الشيخ رضوان غرب مدينة غزة، وهي مدرسة تأوي نازحين فرّوا من مناطق القصف المتكرر بحثاً عن مأوى آمن. الغارة الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد 5 أشخاص وإصابة آخرين، وفق ما أفاد به مصدر طبي في مستشفى الشفاء.

وسائل الإعلام الفلسطينية نشرت مشاهد مؤلمة لعمليات انتشال الشهداء من تحت الأنقاض، وسط صرخات الأهالي ودموع الأطفال الذين لم يعرفوا من الحياة سوى الهروب والركام.

وفي تصعيد إضافي، شنت إسرائيل غارة أخرى على منزل بالقرب من مدرسة الروم جنوب غرب غزة، أسفرت عن استشهاد 6 أشخاص آخرين. ولم يتوقف القصف عند ذلك، بل تواصل ليطال مناطق شرق حي التفاح حيث نفذت قوات الاحتلال عمليات نسف للمنازل، في سياسة واضحة لتدمير البنية التحتية المدنية بالكامل.

أما في شمال القطاع، فقد شهدت جباليا سلسلة من الغارات العنيفة، ما تسبب في حالة من الذعر بين السكان الذين يعيشون أساساً تحت ضغط النزوح والحرمان من أبسط مقومات الحياة.

المجوعون هدف مستمر للطائرات والمدافع

اللافت أن الاحتلال الإسرائيلي لا يميز في قصفه بين المقاتلين والمدنيين، بل صار يُمعن في استهداف المجوعين الذين يصطفون عند نقاط توزيع المساعدات في محاولة للحصول على رغيف خبز أو كيس طحين. فجر اليوم، استهدفت طائرات الاحتلال خيمة للنازحين في منطقة المواصي غرب خان يونس، مما أدى إلى استشهاد 5 فلسطينيين ووقوع عدد من الجرحى.

وذكرت مصادر طبية في مجمع ناصر الطبي أن شهيداً وعدداً من المصابين وصلوا إلى المستشفى بعد قصف نفذته طائرة مسيرة إسرائيلية غرب خان يونس، حيث يعتقد أن المستهدفين كانوا من نازحين أو مجوعين ينتظرون المساعدة.

وفي تطور آخر، استشهد فلسطيني وأصيب آخرون في استهداف قرب محور نتساريم شمال مخيم النصيرات، بينما أصيب آخرون في قصف استهدف محيط مسجد الفاروق في المنطقة ذاتها. تزامن ذلك مع قصف مدفعي إسرائيلي على مخيم البريج، في استمرار لسياسة الأرض المحروقة التي يتبعها الاحتلال في كل شبر من القطاع.

والخطير في هذا المشهد الدموي هو أن مجازر استهداف المجوعين أصبحت شبه يومية، خاصة منذ أن بدأت “مؤسسة غزة الإنسانية” –التي أنشئت بموجب تفاهم أميركي إسرائيلي– في الإشراف على توزيع المساعدات الغذائية منذ شهر مايو الماضي. وبحسب مكتب الإعلام الحكومي في غزة، فقد ارتفعت حصيلة الشهداء في مراكز توزيع المساعدات إلى 549 شهيداً، وأكثر من 4 آلاف جريح خلال شهر واحد فقط.

جرائم حرب تحت غطاء الصمت العربي

لم يعد هناك أدنى شك في أن ما يجري في قطاع غزة يرقى إلى جرائم حرب مكتملة الأركان. استهداف المدارس، وقتل المدنيين، وحرمان السكان من المساعدات، وتدمير البيوت فوق رؤوس ساكنيها… كل ذلك يحدث أمام مرأى ومسمع العالم، دون أن تتحرك المنظمات الدولية بشكل فاعل، ودون أن يصدر عن العالم العربي سوى بيانات جوفاء.

الصمت العربي لم يعد مجرد موقف سلبي، بل بات بمثابة غطاء سياسي لجرائم الاحتلال، حيث تتجنب معظم الحكومات العربية حتى الإدانة الرمزية، فيما تواصل بعض الأنظمة التطبيع والتنسيق الأمني مع تل أبيب.

وما يزيد الأمر قتامة أن الأنظمة العربية المتورطة في التطبيع تصمت تمامًا عن مشاهد الأطفال الممزقة، والنساء المفجوعات، والرجال الذين يُقتلون لمجرد أنهم اقتربوا من شاحنة مساعدات.

في المقابل، تكتفي بعض القنوات العربية بنقل أخبار القصف بصيغة محايدة، وكأن ما يحدث في غزة زلزال طبيعي وليس إبادة ممنهجة تنفذها دولة احتلال مدججة بأحدث تقنيات القتل والدعم الأميركي.

والمثير للسخرية أن بعض الدول العربية سارعت لإدانة عمليات فردية ضد الاحتلال، بينما لم تصدر منها أي بيانات ضد استهداف الخيام والمدارس والمستشفيات في غزة.

في الختام: غزة تنزف.. فأين الضمير العربي؟

يستمر الاحتلال الإسرائيلي في استهداف كل أشكال الحياة في غزة، مدعوماً بصمت دولي وتواطؤ عربي، بينما يواصل الفلسطينيون صمودهم رغم الجوع والقهر والدماء.

إن قصف النازحين والمجوعين، واستهداف أماكن يفترض أنها آمنة كالمدارس والمخيمات، لا يترك مجالاً للشك في أن إسرائيل تنفذ سياسة إبادة وتطهير جماعي ممنهج، ولا رادع لها سوى مقاومة الشعب الفلسطيني، وإرادة من لم تنكسر رغم كل هذا الجحيم.

اقرأ أيضًا :ترامب يهاجم الإعلام ويصرّ على “تدمير كامل” للنووي الإيراني