تغيير حجم الخط ع ع ع

في اعترافاته أمام محكمة ساوثوارك كراون، قال الضابط السابق في البحرية البريطانية، لي هورفورد، بعد اتهامه بسرقة أموال ومستندات من السفارة الإماراتية، أنه اطلع شخصياً على محاولات “إخفاء” الأخبار المتعلقة بمسجد في غرب لندن مولته الإمارات العربية المتحدة.

لم يتم الوقوف كثيراً أمام هذا الاعتراف بالتحديد، لكنه ربما يشير إلى جانب مهم وخطير من الجوانب التي استغلتها القيادة الإماراتية بدقة شديدة كي تبسط نفوذها حول العالم: الإسلاموفوبيا.

الإمارات والإسلاموفوبيا

العام الماضي، اتهم الباحث البريطاني الشهير “أندرياس كريج” دولة الإمارات العربية المتحدة صراحة بالترويج للإسلاموفوبيا في الأوساط من خلال شبكات نفوذها في بريطانيا، وذلك كجزء من محاربتها لثورات الربيع العربي والديموقراطية التي تطمح إليها شعوب المنطقة.

أشار كريج المختص بقضايا الشرق الأوسط، عبر سلسلة من التغريدات على حسابه في تويتر، إلى مشاركة وزير خارجية الإمارات “عبد الله بن زايد” مادة صحفية من موقع “سبيكتاتور” تزعم أن “التطرف الإسلامي” هو التهديد الأول للمملكة المتحدة، وهو أمر لم يقبله الباحث البريطاني، الذي قال تعليقاً على هذه المشاركة “إن الروايات المعادية للإسلام، التي تنشرها الإمارات من خلال شبكة نفوذها في المملكة المتحدة، تقوض الخطاب الموضوعي حول هذه المسألة”، مستنكراً الصمت الرسمي على التدخلات الإماراتية، قائلا “لو تدخل الروس لرفعنا الأعلام الحمراء”- في إشارة لجهاز الإنذار.

لم يتم الكشف عن تفاصيل وطبيعة ذلك المسجد الذي جاء في اعترافات هورفورد، لكن محاولات الإمارات اخفاء علاقتها بالمسجد يثير شكوك حول تجنيد لدعم روايتها التي تروج لها عن الإسلاموفوبيا، وسعيها الحثيث لخلق “بُعبع” لدى الغرب من أي ملمح ديني، وهو أمر يخدم أجندتها في محاربة الإسلام السياسي الذي تزامن صعوده على الساحة مع نجاح التجارب الديموقراطية في العالم العربي بعد ثورات الربيع، وهي التجارب التي أشرفت الإمارات بكل أدواتها على وأدتها والقضاء عليها.

سبق أن كشف تحقيق نشره موقع “بايلاين تايمز” البريطاني أن دولة الإمارات متورطة بقوة في دعم فكرة الإسلاموفوبيا في أوروبا انطلاقا من موقعها المناهض للحركات الإسلامية، وبحسب الموقع فإن الشكل الجديد من الإسلاموفوبيا بدأ من اليمين المتطرف الأمريكي والإسرائيلي وانتهي بالسعودية والإمارات، مشددا على أن فكرة ربط الإسلام بالإرهاب تعود إلى قادة الإمارات وحلفائها من الديكتاتوريين حول العالم.

أضلاع اللوبي الإماراتي في المملكة المتحدة

تستخدم الإمارات ثروتها الهائلة -كونها أكبر مصدري النفط في العالم وأكبر معقل لغسيل الأموال- لشراء نفوذ قوي داخل الدول المختلفة، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، التي تم الكشف مؤخراً عن العثور على برامج تجسس في هواتف رئيس وزرائها وبعض الوزراء الآخرين زرعتها الإمارات باستخدام تقنية إسرائيلية.

على مدار العقد الأخير، كثفت الإمارات من جهودها لتكوين جماعات ضغط داخل المجتمع البريطاني، دفعت لها الملايين من أجل ضمان تنفيذ أجندتها التي تضمن لها بسط نفوذها وبقوة على السياسات العالمية من أجل حماية نظامها الذي تقوم أركانه على القمع والاستبداد.

فضائح سبين ووتش

عام 2018، أصدرت منظمة “سبين ووتش” البريطانية المعنية بمتابعة قضايا الفساد السياسي ومراقبة جماعات الضغط، تقريرا بعنوان “الإمارات العربية تخرب الديمقراطية في بريطانيا”، تحدثت فيه عن دور الدولة الخليجية في تقويض الديموقراطية، ليس فقط في العالم العربي عبر محاربة ثورات الربيع، لكن في بريطانيا أيضاً عبر التأثير على كبار السياسيين البريطانيين.

بحسب تقرير “سبين ووتش”، قامت بمحاولات ابتزاز كثيرة لرئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون حين كان في منصبه، من خلال الصفقات التجارية والامتيازات النفطية لكي تسكت حكومته كل صوت في الإعلام البريطاني يتبنى رأياً مخالفاً لأجندة الإمارات العربية المتحدة تجاه الربيع العربي.

أوضح التقرير كيف تم تجنيد مجموعة من الصحفيين وكتاب الأعمدة وأعضاء البرلمان لتكرار رسائل الإمارات المعادية للديمقراطية، وخاصة من خلال “مجلس المحافظين للشرق الأوسط”، حيث تم الحصول على وثيقة كتبها ليو دوتشري حينما كان رئيساً لمجلس المحافظين للشرق الأوسط ووجهها إلى نواب حزب المحافظين بعد زيارته لأبو ظبي في عام 2012، حذر فيها النواب من أن النقد الذي يوجه إلى الإمارات في الإعلام البريطاني يهدد مستقبل بعض الصفقات التجارية المهمة، وعليه يجب الحذر فيما يُنشر حول الربيع العربي.

تقرير “سبين ووتش” كشف أيضاً أن المصرفي البريطاني وتاجر العقارات دافيد رولاند (صديق محمد بن زايد ويقال بأنه تورط في مخطط إماراتي لتخفيض قيمة العملة القطرية بسبب دعم دولة قطر للحركات المؤيدة للديمقراطية)، هو الذي كان يقوم على تمويل دوتشري ومجلس المحافظين للشرق الأوسط.

المنظمة البريطانية لفتت أيضاً إلى أن أعضاء مجلس المحافظين للشرق الأوسط، ينعمون بشكل منتظم برحلات باذخة إلى الإمارات برعاية مكتب محمد بن زايد نفسه، ويقومون بتكرار نفس الرسائل الإماراتية الأساسية داخل البرلمان كلما تعرض سجل الدولة الخليجية في مجال حقوق الإنسان لأي انتقاد أو إدانة.

وأكدت “سبين ووتش” أنها حصلت على قائمة بأسماء كبار المعلقين البريطانيين الذين تلقوا شروحاً وتقارير من كبير الدبلوماسيين الإمارات -آنذاك- أنور قرقاش في عام 2013 وأجرت تقييماً لكيفية تغير نغمتهم وتغطيتهم للقضايا المتعلقة بالإمارات.

وأشار التقرير إلى أن “قرقاش عقد اجتماعا خاصا بثلاثة من كبار محرري صحيفة ذي ديلي تليغراف قبل أن تشن الصحيفة حملة غريبة مناهضة لقطر، كما عقد لقاء آخر لتهيئة المعلقين اليمينيين وتزويدهم بحجج وأقاويل لاستخدامها في الهجوم على الربيع العربي وعلى إيران، وكان من بين هؤلاء بعض مؤيدي إسرائيل من أمثال دين غودسون وميلاني فيليبس”.

واستند تحقيق “سبين ووتش” إلى مراسلات ومستندات وأرصدة مالية لشركات علاقات عامة بريطانية عملت لصالح دولة الإمارات وتلقت أموالا من أجل حشد الدعم البرلماني وتوجيه دفة التغطية الإعلامية عبر أبحاث مدفوعة وممارسة ضغوط على الحكومة.

كشف التقرير كذلك عن أسماء الشخصيات الرئيسية داخل البرلمان البريطاني التي تعمل على خدمة المصالح الإماراتية وتنفيذ أجندتها، مثل بعض الوزراء الحاليين والسابقين، ومنهم أليستر بيرت الذي عرف بتبنيه العلني والصارخ للمواقف الإماراتية داخل الحكومة حينما كان يقوم بدور وكيل وزارة الدولة للشؤون البرلمانية في وزارة الخارجية ما بين عام 2010 وعام 2013.

وبحسب التقرير، فإنه يتم تجهيز هذه الشخصيات ومدها بالمعلومات والإرشادات من قبل وزراء في الإمارات، كما يتم ترتيب زيارات مدفوعة النفقات بالكامل لهم من قبل مكتب محمد بن زايد بمشاركة المجموعة البرلمانية الممثلة لكافة الأحزاب.

حصلت “سبين واتش” على رسائل إليكترونية خطيرة تم تسريبها من قبل كويلار كونسلتيشنز، وهي المؤسسة الرئيسية التي استخدمتها الإمارات العربية المتحدة لممارسة نشاطات اللوبي في لندن أثناء الربيع العربي، وتحدثت إلى مستشارين من جماعات “بروجيكت أسوسييتس” و”إيتويل بارتنرز” الذين قدموا تقارير لأعضاء البرلمان ساهمت في السماح للمسؤولين من الإمارات العربية المتحدة بتمرير خطاب طائفي وإسلاموفوبي.

وقال التقرير إن “مؤسسة كويلر أعدت بشكل منتظم تقارير قدمت لوزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد ووزير الدولة للشؤون الخارجية أنور قرقاش حول من زعمت أنهم متعاطفون مع جماعة الإخوان المسلمين في المملكة المتحدة بما في ذلك بعض موظفي شبكة البي بي سي”.

الجدير بالذكر أن جماعة “بروجيكت أسوسييتس” هي التي رعت بشكل أساسي الحملة الإماراتية للترويج للجنرال الإماراتي أحمد الريسي كي يفوز بمنصب رئيس الإنتربول على الرغم من قضايا التعذيب المرفوعة ضده في عدد من الدول مثل فرنسا وتركيا.

لوبي يوسف العتيبة

من بين هذه الجماعات أيضاً، مجموعة هاربور، التي وقعت عام 2019 عملاً لصالح جهاز الشؤون التنفيذية في أبو ظبي، كجماعة ضغط ومستشار اتصالات إستراتيجي لمشروع غير معروف في المملكة المتحدة، وهو نفس المشروع الذي وقعته المجموعة مع الجهاز عام 2018م.

تأسست “هاربور” على يد السفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة، وفي 2009 وضع صديقه من جامعة جورج تاون “بريون فوغان” على رأسها، وفي نفس الوقت عيّنه مستشاراً قانونياً في السفارة.

عُرف عن العتيبة وفوغان أنهما صديقان في “سهرات الليل” كما أشار تحقيق لموقع أمريكي، وأُثبت على “فوغان” الاختلاس من مؤسسة أخرى بأكثر من مليون دولار، ودفع “العتيبة” المبلغ من أموال الإماراتيين بدلاً عن صديقه، وفي منتصف 2014 طلب “مينتز” تسريح “فوغان” من “هاربور” لأنه لا ينفذ الأعمال المطلوبة، وحدث ذلك فعلاً، لكن العتيبة أبقاه مستشاراً قانونياً في سفارة أبو ظبي في واشنطن حتى سُجن “فوغان” بتهمة إدمان المخدرات والقمار والمتاجرة بالجنس.

لا يوجد لهذه الجماعة نشاطاً كبيراً في المملكة المتحدة، لكن نشاطها الأكبر متركزاً في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث الجماعة حازت عقوداً بملايين الدولارات وذلك بفضل صديق العتيبة “ريتشارد مينتز” الذي يعمل في المجموعة، والذي عمل بين الإعلام والبيت الأبيض وشركات الضغط، وساهم في صناعة لوبي أبوظبي في واشنطن برفقة “العتيبة”. خلال 2019 وقعت السفارة عقداً بأكثر من 2.7 مليون دولار لمدة ستة أشهر؛ تقوم من خلاله “هاربور” بمراقبة يومية لوسائل الإعلام الأمريكية للأخبار المتعلقة بدولة الإمارات، واللقاء بمسؤولين حكوميين أميركيين وأعضاء في الكونغرس وموظفيهم وممثلي وسائل الإعلام. وقدمت أيضاً استشارات الشؤون العامة والاتصالات لإنشاء برنامج الدبلوماسية العامة لتحسين العلاقات الثنائية والدبلوماسية والأمنية والتجارية نيابة عن السفارة.