منذ إعلان قيام “دولة إسرائيل” عام 1948، ظلّ الوعد بالأمن هو الركيزة النفسية والعقائدية الأساسية التي بُني عليها المشروع الصهيوني، في ظل محاولة دؤوبة لإقناع يهود الشتات بأن هذه الأرض، رغم احتلالها بالقوة، تمثل “الوطن الآمن” الذي طالما افتقدوه في دول العالم. 

إلا أن التطورات المتلاحقة، لا سيما بعد عملية “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر، كشفت تصدع هذه العقيدة من الداخل، وأعادت طرح الأسئلة حول مستقبل الكيان، مع ارتفاع غير مسبوق في أعداد المهاجرين العكسيين، وتزايد شعور الخوف وانعدام الثقة في قدرة الدولة على توفير الحماية.

الأمن.. الحلم المؤسس للمشروع الصهيوني

سعت إسرائيل منذ تأسيسها إلى بناء مجتمع مهاجر على أساس عقد اجتماعي خاص: الأمن أولاً، ثم الازدهار الاقتصادي. وقد تم ذلك بوسائل متعددة، بدأت بوعد “الملاذ الآمن” بعد صدمة الهولوكوست، مروراً ببناء جيش قوي، ودولة محصنة استخباراتيًا، وانتهاءً بعقيدة الردع التي تُنذر من يعتدي بتلقي ضربة قاسية ومدمرة.

لكن هذه المنظومة الأمنية لم تكن مجرد استراتيجية دفاعية، بل تحولت إلى أساس شرعية الدولة، لدرجة أن رئيس الوزراء المؤسس دافيد بن غوريون قال صراحة: “لا وجود لإسرائيل من دون تفوقها العسكري”، وهي عبارة تعكس كيف أن السلاح والقوة هما عماد الوجود، لا الديمقراطية أو الاقتصاد أو الثقافة.

7 أكتوبر.. يوم اهتزت فيه أسطورة التفوق الأمني

مثّلت عملية “طوفان الأقصى” التي نفذتها المقاومة الفلسطينية زلزالًا استراتيجيًا داخل كيان الاحتلال. ليس فقط لنجاحها في إحداث اختراق أمني غير مسبوق، بل لأنها ضربت جوهر العقيدة الصهيونية: فكرة أن الجيش يستطيع الردع والحماية. 

فما حدث في غلاف غزة شكل انهيارًا تامًا لمعادلة “الأمن المطلق”، وبثّ الذعر في عمق المجتمع الإسرائيلي، بما في ذلك داخل صفوف المهاجرين الجدد الذين جاؤوا إلى فلسطين المحتلة على وعد بالحماية والأمان.

والأخطر أن الحرب المتواصلة منذ أكتوبر لم تنجح، حتى اليوم، في استعادة الأسرى أو القضاء على المقاومة. بل على العكس، تسببت في تفاقم الأزمة الأمنية، وأطلقت موجات جديدة من القلق الجماعي، ما أدى إلى اتساع ظاهرة الهجرة العكسية التي تُنذر بانفراط العقد الاجتماعي الذي قامت عليه إسرائيل.

الهجرة المعاكسة.. مؤشر على الانهيار النفسي للمشروع الصهيوني

الهجرة العكسية التي نشهدها اليوم ليست مجرد ظاهرة عابرة أو رد فعل على حرب طويلة، بل تعبير عميق عن انهيار البنية النفسية للمواطن الإسرائيلي، خصوصًا أولئك القادمين من الخارج الذين لم تعد فكرة “الملاذ الأخير” تقنعهم. تشير التقارير إلى مغادرة نحو 700 ألف شخص منذ بدء العدوان، مع آلاف الطلبات للحصول على جنسيات أوروبية، وتزايد لافت في الإقامات الخارجية طويلة الأمد.

وفي بعض الحالات، أقدم مهاجرون على التخلي عن جنسيتهم الإسرائيلية لتجنب الضرائب أو استحقاقات الخدمة العسكرية، وهو ما يعكس تآكل الشعور بالانتماء، وتراجع الحافز للبقاء في دولة لم تعد قادرة على حمايتهم.

وفق نظريات العلاقات الدولية، فإن الدولة التي تفقد ثقة سكانها في قدرتها على تأمينهم تصبح مهددة من الداخل أكثر من الخارج. وهو ما نشهده في إسرائيل اليوم، حيث يتجاوز الخطر التهديدات الإيرانية أو الفلسطينية، ليصل إلى داخل المجتمع ذاته.

إبادة غزة.. محاولة يائسة لاستعادة الردع

في مواجهة هذا التآكل النفسي والاجتماعي، لجأت إسرائيل إلى أقصى درجات العنف، عبر ارتكاب مجازر جماعية في قطاع غزة، على أمل استعادة صورة “الجيش الذي لا يُهزم”، وتثبيت حالة من الردع من خلال الإرهاب الجماعي.

لكن هذه الجرائم، التي ترقى وفق تقارير أممية إلى “إبادة جماعية” و”جرائم ضد الإنسانية”، لم تحقق سوى المزيد من العزلة الدولية، كما أنها لم تفلح في إعادة الشعور بالأمان للمجتمع الإسرائيلي، بل زادت من حدة الغضب العالمي، ورفعت من منسوب السخط الشعبي داخل دول الغرب.

والأخطر أن هذا التصعيد غير المحسوب أدى إلى ردود فعل عنيفة، من حركات المقاومة، ومن أطراف إقليمية، مثل حزب الله، وساهم في تأجيج المواجهة مع إيران، والتي تحولت إلى أحد أكبر مصادر الخطر الاستراتيجي.

ضرب إيران.. مقامرة لإسكات رعب الداخل

لم تجد إسرائيل بُدًا، وسط عجزها عن الحسم في غزة، من محاولة تصدير الأزمة نحو الخارج، عبر الرهان على توجيه ضربة كبرى لإيران. وهي خطوة تراها المؤسسة الأمنية محاولة لاستعادة الهيبة المفقودة، عبر “قطع رأس الأخطبوط” بدلًا من الانشغال بأذرعه.

إلا أن هذا الخيار كان بمثابة مقامرة خاسرة، إذ لم يُسفر عن إسقاط النظام الإيراني، بل زاد من المخاطر، وأدى إلى استنفار إقليمي واسع، وتعرض إسرائيل لردود فعل مباشرة، خصوصًا على جبهات متعددة (غزة، لبنان، اليمن، سوريا).

الولايات المتحدة.. الدعم المشروط

رغم الدعم الأمريكي المستمر، إلا أن إدارة بايدن – ومعها الدول الأوروبية – باتت تدرك أن إسرائيل تحولت من أداة استقرار إلى عبء إقليمي، وأن دعمها اللامشروط قد يُكلف الغرب ثمناً باهظاً. وهذا ما يفسر تردد واشنطن في دعم هجوم بري على لبنان أو التصعيد ضد إيران، واكتفائها بضربات موضعية تحت مبررات “الردع الاستراتيجي”.

لكن حتى هذا الدعم لم يعد كافياً لإقناع المجتمع الإسرائيلي بجدوى البقاء، في ظل تحول الأرض المحتلة إلى ساحة حروب دائمة، ومكان لا يُوفر أبسط قواعد الحياة الطبيعية.

الخاتمة: الوطن لا يبنى على الخوف

الكيان الصهيوني، الذي بُني على أسطورة “الوطن الآمن” وسط محيط معادٍ، يواجه اليوم أزمة بنيوية حقيقية. فالهجرة المعاكسة، والاحتجاجات الداخلية، وانهيار ثقة الجمهور في القيادة، تؤشر إلى بداية الانحدار من الداخل.

ومثلما تسقط الأنظمة الاستبدادية حين تفقد الشرعية الاجتماعية، فإن الدول الاستيطانية تنهار حين يفقد المستوطنون الإحساس بالطمأنينة. فالوطن لا يُبنى على الجدران والأسلحة، بل على الأمان والثقة والانتماء، وهذه كلها تهتز اليوم في عمق كيان الاحتلال.

لقد أثبتت الأحداث الأخيرة أن الاحتلال لا يصنع وطناً، وأن المشروع الصهيوني، الذي اغتصب أرضًا، وطرد شعبًا، وأسس دولة على الدم والخوف، بات يواجه لحظة الحقيقة: الطيور المهاجرة لا تستقر في أرض القتل والخوف، والهجرة المعاكسة لم تعد خيارًا فرديًا، بل تحولت إلى موجة تهدد الكيان من الداخل.

وفي ظل هذا التآكل، تعود أسطورة “الوطن الآمن” إلى أصلها: مجرد خرافة دعائية، سرعان ما ستتبدد.

اقرا أيضًا : ماذا وراء الهجوم الإسرائيلي على إيران؟.. أسئلة يجب أن تطرح الآن