حظرت الحكومة البريطانية دخول المعلّقين السياسيين الأمريكيين حسن بيكر وجينك يوغور، وهما من أبرز الأصوات اليسارية المنتقدة لإسرائيل في الولايات المتحدة، بزعم أن وجودهما في بريطانيا “لا يخدم الصالح العام”. لم توضح لندن بدقة ما المقصود بهذه العبارة الفضفاضة، لكن الرجلين أكدا أن القرار مرتبط بمواقفهما العلنية والمتكررة ضد جرائم إسرائيل في غزة، بينما اتهمهما منتقدون بمعاداة السامية، وهو اتهام ينفيانه.

هذه الواقعة لا تتعلق فقط بشخصين مُنعا من دخول بريطانيا، ولا بسجال عابر حول حدود حرية التعبير. القضية الأعمق أن بريطانيا، ومعها الولايات المتحدة وإسرائيل، باتت تعيد تعريف “الصالح العام” بطريقة مقلوبة: الجريمة نفسها لا تُعاقب، لكن من يشهد عليها أو يفضحها يصبح هو الخطر.

حسن بيكر وجينك يوغور قالا بالفعل تصريحات مثيرة للجدل في السابق، وبعضها اعتذر عنه بيكر لاحقًا. لكن السؤال هنا ليس ما إذا كان كل ما قالاه مقبولًا، بل لماذا تتحول تصريحات منتقدي إسرائيل إلى سبب للمنع والعقاب، بينما يُسمح لشخصيات أخرى بإطلاق خطاب أكثر عنصرية وخطورة دون أن تواجه المعاملة نفسها؟ فالمعلّق المحافظ بن شابيرو، على سبيل المثال، سبق أن قال إن “العرب يحبون تفجير الأشياء والعيش في مجارٍ مفتوحة”، وكرر وصف العرب بأنهم “برابرة” و”يقدّرون القتل”، ومع ذلك لم تمنعه بريطانيا من دخول أراضيها أو الحديث فيها.

الأكثر فجاجة أن أي تصريح منسوب إلى بيكر أو يوغور لا يقترب في خطورته من تصريح الرئيس الإسرائيلي السابق إسحاق هرتسوغ، الذي قال بعد 7 أكتوبر 2023 إن الفلسطينيين جميعًا يتحملون المسؤولية. لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة اعتبرت هذا التصريح تحريضًا على ارتكاب الإبادة الجماعية، ورأت أن محاولاته اللاحقة لتعديله كانت تهدف إلى التنصل من المسؤولية عن التصريح الأصلي. ومع ذلك، استقبلته لندن، والتقى كير ستارمر عام 2025، وكأن وجوده هو الذي “يخدم الصالح العام”، لا وجود من يفضح جرائم إسرائيل.

هنا تظهر المفارقة الأساسية: بريطانيا لا تعاقب خطاب التحريض عندما يأتي من جهة إسرائيلية رسمية، لكنها تعاقب الأصوات التي ترفض تحويل الإبادة في غزة إلى “مسألة معقدة”. تريد أن تجعل المشكلة في الكلام عن الجريمة، لا في الجريمة نفسها.

في جوهر المسألة، هناك محاولة مستمرة لتشويش المعنى الأخلاقي البسيط. معظم البشر، بغض النظر عن السياسة والدين والجنسية، يعرفون أن قتل آلاف الأطفال جريمة. يعرفون أن تدمير النظام الصحي، واستهداف الأطباء والمسعفين، وتجويع المدنيين، وتهجير السكان من أرضهم، وهدم بيوتهم وبناء مستوطنات فاخرة فوقها، كلها أفعال لا يمكن تبريرها بأي لغة قانونية أو سياسية. هذه ليست مسائل “معقدة” كما يحاول البعض تصويرها، بل جرائم واضحة ضد المدنيين.

ولهذا تعمل إسرائيل، ومعها قطاعات من الإعلام الغربي، على منع الناس من رؤية الحقيقة كما هي. فكلما ظهرت الصور والشهادات، انهارت الرواية الرسمية. ووفق لجنة حماية الصحفيين، قتلت إسرائيل عددًا من الصحفيين بشكل مستهدف يفوق أي جيش حكومي آخر منذ بدء توثيق اللجنة عام 1992. وفي غزة وحدها، قُتل ما لا يقل عن 235 صحفيًا وعاملًا في الإعلام، بينما لا يزال الإعلام الأجنبي ممنوعًا من الوصول الحر إلى القطاع. الدخول الوحيد المتاح غالبًا يتم عبر جولات دعائية يشرف عليها الجيش الإسرائيلي نفسه، وهو ما يحوّل التغطية إلى نسخة عسكرية مفلترة من الواقع.

الوسيلة الأخرى لتلميع الجريمة هي نزع إنسانية الفلسطينيين. يجري تصوير الفلسطيني، حتى الطفل، كأنه متهم مسبقًا، أو جزء من كتلة مشبوهة لا تستحق التعاطف الكامل. الإعلام الأمريكي والغربي لعب دورًا كبيرًا في هذه العملية. في كتاب How to Sell a Genocide، حلل آدم جونسون آلاف المقالات والمقاطع التلفزيونية عن غزة، وخلص إلى أن الإعلام الأمريكي يصور إسرائيل كطرف “خيّر” افتراضيًا، والفلسطينيين كطرف “سيئ” افتراضيًا.

الأرقام التي أوردها التحليل تكشف الانحياز بوضوح. في قناة MSNBC، استُخدمت كلمات مثل “مذبحة” و”همجي” و”وحشي” و”ذبح” عشرات ومئات المرات عند الحديث عن القتلى الإسرائيليين، لكنها لم تُستخدم تقريبًا لوصف قتل الفلسطينيين. بهذه الطريقة، يصبح الموت الإسرائيلي مأساة كاملة، بينما يتحول الموت الفلسطيني إلى رقم بارد أو “ضرر جانبي” أو نتيجة داخل “منطقة يسيطر عليها حماس”.

حتى اللغة اليومية في التغطية الغربية تؤدي هذا الدور. وصف مدن غزة المكتظة بأنها “معاقل حماس” يخلط بين المدنيين والمقاتلين، ويجعل القارئ يشك في براءة الضحايا. واستخدام عبارة “وزارة الصحة التي تديرها حماس” مع كل رقم فلسطيني يدفع الجمهور إلى التشكيك في الضحايا قبل أن يعرف أسماءهم. إنها ليست لغة محايدة، بل هندسة للرواية، هدفها أن يبدو قتل الفلسطينيين أقل فظاعة، وأقل إدانة، وأقل استحقاقًا للغضب.

ومنذ 7 أكتوبر، تضاعف ما يمكن تسميته “استثناء فلسطين” من حرية التعبير. المظاهرات المؤيدة لفلسطين شُوهت، والطلاب عوقبوا ورُحّل بعضهم، وفعاليات كتاب وأكاديميين أُلغيت، وأصبح انتقاد إسرائيل سببًا محتملًا لحرمان شخص من الإقامة أو التأشيرة أو المنبر العام. وفي الوقت نفسه، زادت إسرائيل ميزانية دعايتها بشكل هائل، حتى وصلت إلى 730 مليون دولار، في محاولة للسيطرة على السردية العالمية حول حربها على غزة.

لكن رغم هذه الآلة الضخمة، تتسع القناعة بأن ما يحدث للفلسطينيين ليس “معقدًا” كما يقال، بل خطأ أخلاقي فاضح. حتى داخل بريطانيا، بدأت بعض الأصوات السياسية تتحدث بوضوح أكبر. فقد قالت إيميلي ثورنبيري، رئيسة لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان البريطاني عن حزب العمال، إن الحكومة البريطانية خذلت الشعب الفلسطيني، وإن إحساس إسرائيل بالإفلات من العقاب “مذهل”. لكن مثل هذه التصريحات تبقى بلا قيمة حقيقية طالما أن الحكومة نفسها تواصل معاقبة من يقولون المعنى ذاته بصوت أعلى.

حظر حسن بيكر وجينك يوغور يكشف إذن منطق المرحلة: لا مشكلة في استقبال مسؤولين إسرائيليين صدرت عنهم تصريحات اعتبرتها الأمم المتحدة تحريضًا على الإبادة، ولا مشكلة في استمرار الدعم السياسي والعسكري لدولة تمحو غزة، ولا مشكلة في قتل الصحفيين ومنع الإعلام من الوصول إلى مسرح الجريمة. المشكلة فقط حين يأتي من يصف ما يحدث باسمه.

بريطانيا تقول إن دخول بيكر ويوغور لا يخدم “الصالح العام”، لكنها لا تشرح ما هو هذا الصالح. خلال العامين الماضيين، أصبح الجواب واضحًا: الصالح العام، في قاموس لندن وواشنطن، هو أن تُترك إسرائيل تفعل ما تريد بلا حدود. أما الخطر الحقيقي، في نظرهم، فهو أن يتحدث أحد عن ذلك.