أطلقت منظمة الصحة العالمية صرخة جديدة ضد ما وصفته بـ”الدمار الصحي والإنساني غير المسبوق” في السودان، بعد تصاعد أعمال العنف والانتهاكات التي طالت حتى الكوادر الطبية. فقد دعا المدير العام للمنظمة، الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس، يوم الاثنين، إلى “وقف إراقة الدماء في السودان”، معربًا عن حزنه العميق لمقتل الطبيب آدم إبراهيم إسماعيل في مدينة الفاشر، التي تعيش واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وميليشيا الدعم السريع المدعومة من الإمارات.

وقال غيبريسوس في منشور عبر منصة “إكس” إن المنظمة “تنعى الطبيب آدم إبراهيم إسماعيل، وتطالب بوقف العنف ضد العاملين في مجال الرعاية الصحية”، مضيفًا: “يجب أن تتوقف إراقة الدماء في السودان فورًا”. هذه الدعوة تأتي في وقت تزداد فيه حدة المأساة داخل إقليم دارفور، الذي تحوّل إلى مسرح لمجازر وحصار وتجويع ممنهج، وسط عجز المجتمع الدولي عن كبح جماح الميليشيا المتهمة بارتكاب جرائم حرب بدعم خارجي مباشر.

اغتيال الطبيب آدم.. رمز المأساة الإنسانية

بحسب شبكة أطباء السودان، أقدمت قوات الدعم السريع يوم الأربعاء الماضي على إعدام الطبيب آدم إبراهيم إسماعيل ميدانيًا في مدينة الفاشر، بعد أن ظل لأسابيع يقدم المساعدة الطبية تحت القصف والحصار. وقد أكدت تنسيقية لجان مقاومة الفاشر في بيان نعيها أن الطبيب الراحل “أفنى حياته في خدمة أبناء مدينته خلال فترة الحصار، مقدّمًا الرعاية والعون لكل محتاج، حتى طالته رصاصات الغدر على يد الميليشيا”.

هذا الحادث لم يكن الأول، بل يمثل امتدادًا لسلسلة من الانتهاكات ضد الأطباء والعاملين في القطاع الصحي، الذين تحولوا إلى أهداف مباشرة في حرب بلا قواعد. فبحسب تقارير ميدانية، تم تدمير أكثر من 80% من المرافق الصحية في دارفور، فيما حُوّلت العديد من المستشفيات إلى ثكنات عسكرية لقوات الدعم السريع، وهو ما يشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني.

ويرى مراقبون أن اغتيال الطبيب آدم جاء رسالة رعب من الميليشيا إلى كل من يحاول الإغاثة أو توثيق الجرائم، في وقت يعاني فيه سكان الفاشر من حصار خانق يمنع دخول الغذاء والدواء منذ أشهر.

الفاشر تحت الاحتلال.. والعالم يكتفي بالمناشدات

منذ استيلاء قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر في 26 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، غرقت المدينة في فوضى دامية، حيث أُبلغ عن مجازر بحق المدنيين ونهب واسع للمنازل والمستشفيات والمخازن. منظمات محلية ودولية، بينها هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، تحدثت عن “جرائم محتملة ترقى إلى الإبادة الجماعية”، بينما اكتفت الأمم المتحدة بإصدار بيانات تحث على “الهدوء وضبط النفس”.

واعترف قائد الميليشيا محمد حمدان دقلو (حميدتي) بحدوث “تجاوزات فردية” ووعد بـ”تشكيل لجان تحقيق”، في محاولة لاحتواء الغضب الدولي، لكن المراقبين يرون أن هذه التصريحات مجرد غطاء سياسي لتبرير جرائم ممنهجة تُرتكب بدعم مالي وعسكري من الإمارات التي لعبت دورًا محوريًا في تسليح وتمويل الميليشيا، عبر شبكات نقل جوية سرية انطلقت من مطارات في ليبيا وتشاد والصومال.

تؤكد تقارير استقصائية، أبرزها ما نشرته منصة “دارك بوكس”، أن الإمارات موّلت عمليات الدعم السريع من خلال شركات وهمية للطيران تنقل السلاح والمرتزقة إلى دارفور، في تحدٍ صارخ لقرارات مجلس الأمن الدولي. هذه العمليات مكنت الميليشيا من السيطرة على كامل إقليم دارفور تقريبًا، لتصبح دولة موازية داخل الدولة، تفرض الحصار على المدن وتتحكم في طرق الإمداد والمنافذ الحدودية.

صمت دولي وتواطؤ إقليمي

رغم الدعوات المتكررة من منظمات إنسانية لوقف الحرب، إلا أن المجتمع الدولي ما زال يتعامل مع الصراع في السودان كأزمة ثانوية. فالدول الغربية منشغلة بحرب غزة وأوكرانيا، في حين تغضّ بعض العواصم العربية الطرف عن دور الإمارات المزدوج الذي يجمع بين الوساطة المعلنة والدعم العسكري الخفي.

ويرى محللون أن تيدروس أدهانوم اختار توقيتًا دقيقًا لتصريحاته، بعد أن تجاوزت جرائم الحرب في دارفور الخطوط الحمراء. فقتل الطبيب آدم إبراهيم لم يعد حادثًا فرديًا، بل رمزًا لانهيار منظومة القيم الإنسانية التي يفترض أن تحكم سلوك الأطراف المتحاربة. لكن الدعوة الأممية، رغم أهميتها الأخلاقية، تبقى بلا أنياب في ظل غياب موقف دولي حازم أو عقوبات فعلية ضد الممولين والداعمين لهذه الجرائم.

مأساة تتسع.. وشعب يُترك للموت

تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 12 مليون سوداني نزحوا داخليًا منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، وأن ثلث السكان يواجهون خطر الجوع الحاد. وفي دارفور تحديدًا، تتحدث المنظمات الحقوقية عن مجازر عرقية ممنهجة، خصوصًا ضد المجموعات الإفريقية، على يد مليشيات الدعم السريع وحلفائها المحليين.

وفي ظل هذا الواقع المأساوي، تبدو دعوة منظمة الصحة العالمية لوقف إراقة الدماء بمثابة نداء أخلاقي أخير لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، بينما تواصل الإمارات تمويل آلة الحرب عبر وكلائها في المنطقة، في تحدٍّ صارخ لكل قيم الإنسانية والقانون الدولي.

فبينما تتهاوى المستشفيات والمدارس والمنازل في الفاشر، يبقى صدى صوت الطبيب الشهيد آدم إبراهيم إسماعيل شاهدًا على صمت العالم وتواطؤه، وعلى جريمة لا تزال فصولها تتواصل بدعم مالي وسياسي من أنظمة ترى في السودان ساحة لتصفية الحسابات لا لإنقاذ الأرواح.

اقرأ أيضًا : مسرحية السيسي الانتخابية.. انتخابات بلا منافسة وانسحاب مرشحة احتجاجاً على الفساد وغياب الشفافية